رحل المحامي والسياسي مختار نوح عن عمر ناهز 71 عامًا، بعد مسيرة طويلة بدأت داخل التيار الإسلامي ونقابة المحامين، وانتهت في موقع سياسي وإعلامي قريب من معسكر قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، حيث صار واحدًا من أبرز الوجوه التي استخدمتها السلطة في مهاجمة جماعة الإخوان بعد سنوات قضاها بين صفوفها.
لم يكن خبر الوفاة مناسبة للشماتة، فالموت يوقف الخصومة عند حدودها الإنسانية، لكنه لا يلغي حق الذاكرة السياسية في مراجعة مسار رجل حمل يومًا خطاب المعارضة الإسلامية، ثم انتقل تدريجيًا إلى خطاب يبرر خيارات السلطة ويخاصم المجال الذي خرج منه.
البدايات داخل الإخوان ونقابة المحامين
ظهر مختار نوح في المجال العام من بوابة المحاماة والعمل النقابي، لا من بوابة الإعلام أو السلطة. فقد كان أحد الأسماء المرتبطة بصعود التيار الإسلامي داخل نقابة المحامين، وبرز مبكرًا داخل لجنة الشريعة الإسلامية، ثم صار أحد الوجوه التي ساهمت في تشكيل حضور الإسلاميين داخل واحدة من أعرق النقابات المهنية في مصر.
في تلك المرحلة، كان نوح جزءًا من جيل رأى في النقابة مساحة لمقاومة هيمنة الدولة على المجال العام. لم يكن حضوره عابرًا، إذ تذكر سيرته أنه دخل مجلس النقابة في سن مبكرة، ثم ارتبط اسمه بقائمة التيار الإسلامي التي حققت حضورًا واسعًا داخل انتخابات المحامين في تسعينيات القرن الماضي.
ثم امتد حضوره إلى البرلمان والعمل السياسي، قبل أن يدخل السجن في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية اختراق النقابات المهنية. وبعد خروجه في أكتوبر 2002، بدأ يطرح مبادرة للمصالحة مع النظام المصري، وهي خطوة قوبلت وقتها برفض وتشكيك داخل جماعة الإخوان، لأنها بدت خروجًا مبكرًا من منطق الصدام إلى منطق التفاهم مع السلطة.
هنا بدأ التحول الأول في مسيرته. لم يغادر نوح الإخوان دفعة واحدة، لكنه بدأ يتحرك في منطقة وسطى بين تجربة تنظيمية سابقة ورغبة في إعادة تعريف موقعه السياسي. هذه المنطقة صنعت صورته لاحقًا كرجل يعرف الجماعة من الداخل، لكنه لم يعد جزءًا من معسكرها.
الانشقاق الذي تحول إلى خصومة كاملة
مع السنوات، انتقل مختار نوح من موقع الناقد الداخلي أو المنشق إلى موقع الخصم الكامل لجماعة الإخوان. وبعد 2013، صار حضوره الإعلامي مرتبطًا بصفته "القيادي السابق" الذي يشرح أخطاء الجماعة ويهاجم بنيتها وخطابها، وهي صفة منحت الإعلام الموالي للسلطة مادة جاهزة لتقديم الهجوم على الإخوان من فم واحد من أبنائها السابقين.
لم تكن المشكلة في نقد الإخوان ذاته، فالجماعة ليست فوق النقد، المشكلة أن نوح لم يقف عند حدود النقد المستقل، بل بدا في سنوات ما بعد الانقلاب جزءًا من خطاب رسمي أوسع يستهدف تصفية المجال الإسلامي والمعارض كله، لا محاسبة أخطاء تنظيم بعينه.
وفي رابعة، ظهر جوهر التحول السياسي والأخلاقي في مسيرته. ففي بعض التصريحات القديمة، قال نوح إنه يرفض فض أي اعتصام بالقوة، وحذر من وقوع خسائر إذا جرى الفض أمنيًا، ودعا إلى أسلوب يسمح بالخروج دون مضايقات. لكن خطابه اللاحق اتجه إلى قطيعة شديدة مع الإخوان، حتى كتب قبل وفاته أن الجماعة "سقطت" من حياته بعد رابعة.
هذا التحول لا يمكن قراءته كتطور فكري فقط. فقد جاء في لحظة كانت السلطة تستخدم كل منشق وكل خصم سابق للإخوان لتوفير غطاء سياسي وأخلاقي لما جرى بعد 3 يوليو 2013، من اعتقالات وتضييق ومصادرة للمجال العام. وهنا أصبح نوح في نظر كثيرين شاهدًا ضد ماضيه لا شاهدًا على الحقيقة كاملة.
الوقوف في معسكر السيسي
بعد صعود السيسي، اختار مختار نوح أن يقف في المعسكر الذي انتصر أمنيًا على خصومه. لم يعد الرجل محاميًا إسلاميًا سابقًا يراجع تجربة سياسية، بل تحول إلى صوت يبرر مسار السلطة في مواجهة الإخوان، ويمنح النظام شهادة قادمة من داخل البيت القديم. وقد وصفته صحف قريبة من الخط الرسمي بعد وفاته بأنه باحث "فضح مخططات الجماعة من الداخل"، وهي صياغة تكشف كيف جرى توظيف صورته في الخطاب الرسمي.
في هذا المعنى، تبدو مأساة مختار نوح سياسية لا شخصية. فقد قضى سنوات من عمره في خدمة التيار الإسلامي والدفاع عن مساحات عامة كان المصريون ينتزعونها بصعوبة من دولة مبارك، ثم انتهى به الطريق إلى الوقوف قرب سلطة ضيقت على الأحزاب والنقابات والإعلام والحقوقيين، ولم تترك حتى للمعارضة المدنية مساحة آمنة.
لم يكن مطلوبًا من نوح أن يبقى إخوانيًا إلى آخر العمر، ولم يكن مطلوبًا منه أن يصمت عن أخطاء الجماعة التي يزعم معرفته بها.
كان المطلوب فقط أن يحافظ على مسافة أخلاقية من سلطة صنعت من خصومة الإخوان بابًا واسعًا لضرب كل معارضة، وأن يفرّق بين نقد تنظيم سياسي وبين تبرير دولة أمنية.
هكذا يبقى مختار نوح اسمًا مركبًا في الذاكرة المصرية.
فهو محامٍ ونقابي وسياسي عرف السجن والصراع، لكنه أيضًا رجل انتهى إلى موقع صعب عند خصوم السلطة، لأنه خرج من تجربة إسلامية طويلة إلى معسكر السيسي في لحظة كان فيها ثمن هذا الانتقال كبيرًا على آلاف المصريين.
رحيله لا يستدعي الشماتة، لكنه يستدعي سؤالًا عادلًا عن معنى التحول السياسي عندما يتحول من مراجعة إلى اصطفاف، وعن مصير رجال بدأوا حياتهم في مواجهة الاستبداد ثم وجدوا أنفسهم، في نهاية الطريق، قريبين من سلطة أكثر قسوة على المجتمع والمعارضة.

