كشفت مشاجرة بالسلاح الأبيض على كورنيش أسوان بين سودانيين وأفارقة عن خلل أمني واضح في مدينة سياحية، بعدما تحولت الواقعة إلى غضب واسع ضد وزارة الداخلية ومحافظة أسوان بسبب غياب الردع المسبق.

 

وأعادت الواقعة اتهامات شعبية للنظام بأنه يوازن بين تحويلات الخارج وسمعته الدولية أكثر مما يطبق القانون على المخالفين من الأجانب، بينما يدفع سكان أسوان ثمن التراخي الأمني في الشارع.

 

مشاجرة الكورنيش تفتح ملف فشل الردع في أسوان

 

بدأت الواقعة من منشور وجّه نداء مباشرا إلى وزارة الداخلية المصرية وحساب الجيش المصري، بعدما تحدث عن مشاجرة بالسلاح الأبيض على كورنيش أسوان بين لاجئين سودانيين وأفارقة، ووصف المدينة بأنها عاصمة السياحة والآثار التي باتت تعاني من انتشار البلطجة والسرقات والفوضى.

 

 

ثم أعلنت وزارة الداخلية، بحسب ما نشرته وسائل محلية في 7 أبريل 2026، أن الفحص كشف تلقي قسم شرطة ثان أسوان بلاغا يوم 4 أبريل بحدوث مشاجرة بين طرفين يضمان 7 أجانب بسبب خلافات مالية، وأن أطرافها استخدموا أسلحة بيضاء دون وقوع إصابات.

 

وبعد تداول الفيديو، قالت الداخلية إن الأجهزة الأمنية ضبطت أطراف المشاجرة واتخذت الإجراءات القانونية، لكن هذا الإعلان لم ينه الغضب، لأن السؤال الشعبي ركز على وصول الأسلحة البيضاء إلى كورنيش مدينة سياحية قبل تدخل الشرطة، لا على قدرة الوزارة على إصدار بيان بعد انتشار المقطع.

 

وفي السياق نفسه، كتب مدحت الزيات مخاطبا محافظ أسوان وسأله عن مكانه، ثم اتهمه بالسخرية بأنه عاد إلى النوم، وجاء تعليقه ليضع المحافظة في موضع اتهام مباشر لأنها تركت الكورنيش يتحول إلى مسرح مشاجرة علنية قبل أن تبحث عن تبرير إداري.

 

 

لاحقا، كتب محمد عبدالله تعليقا ربط فيه الواقعة بتراجع صورة الجيوش ومؤسسات القوة بعد تغيير قياداتها، واعتبر أن بعض المؤسسات تحولت إلى واجهة إعلامية، وهو تعليق يعكس اتساع الغضب من مشاجرة جنائية محددة إلى اتهام أوسع لبنية الحكم والأمن.

 

 

تحويلات الخارج وسمعة السيسي في قلب الاتهام الشعبي

 

بعد ذلك، كتبت سلوى محمد أن الداخلية تلقت أوامر عليا بعدم التعرض للأفارقة والسودانيين بسبب تحويلات الخارج، ورغم أن هذا الاتهام لم يخرج في وثيقة رسمية، فإنه يعبر عن فقدان ثقة قطاعات من الشارع في حياد تطبيق القانون على الجميع.

 

 

وبسبب هذا الشعور، لم تعد المشاجرة بالنسبة لكثيرين مجرد خلاف مالي بين 7 أشخاص، لأن الجمهور قرأ الواقعة في ضوء سياسة رسمية تضع صورة السيسي أمام الخارج وحسابات النقد الأجنبي فوق حق المصريين في شارع منضبط لا يحمل فيه المخالفون أسلحة بيضاء.

 

ومن جهة أخرى، تظهر حساسية ملف السودانيين والأفارقة في مصر بسبب أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين، إذ تقول مفوضية اللاجئين إن مصر استضافت مئات الآلاف من السودانيين ضمن جنسيات أخرى، وهو ما يجعل الإدارة الأمنية والقانونية للملف مسؤولية حكومية لا عبئا يتركه النظام للشارع.

 

وفي هذا الإطار، يرى حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في خطابه الحقوقي العام أن الدولة لا يجوز أن تنتقي تطبيق القانون بحسب هوية المخالف أو حساسية الملف السياسي، ولذلك تكشف واقعة أسوان خللا في عدالة الردع لا في وجود الأجانب وحده.

 

كذلك يؤكد الحقوقي جمال عيد، مؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن المشكلة في مصر ترتبط غالبا بانتقائية أجهزة الدولة في إنفاذ القانون، ويظهر هذا المعنى في حالة أسوان عندما يشعر المواطن بأن الداخلية تلاحق المصريين بسرعة ثم تتردد أمام مخالفين أجانب.

 

ولهذا كتب يزن أن الكلام لم يعد مفيدا وأن الحكومة لا تعطي قيمة للشعب، ثم قال إنه كره الخروج إلى الشارع، وجاءت عبارته لتسجل النتيجة الأخطر للواقعة، وهي انتقال الخوف من حادثة محددة إلى شعور يومي بانعدام الأمان.

 

 

انتقائية الداخلية بين قمع المصريين والتراخي مع المخالفين الأجانب

 

في المقابل، لا يحتاج المصريون إلى خطاب كراهية ضد السودانيين أو الأفارقة حتى يدينوا تقصير الداخلية، لأن المسؤولية تبدأ من الدولة التي سمحت بتحول خلاف مالي إلى مشاجرة بالسلاح الأبيض في مكان عام، ثم اكتفت ببيان لاحق بعد انتشار الفيديو.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح المطالبة بتطبيق القانون على الخارجين من اللاجئين أو الأجانب مطلبا مشروعا عندما تلتزم الدولة بمحاسبة الفرد المخالف لا بتجريم جماعة كاملة، لأن القانون الجاد يضبط حامل السلاح ويحاسب المتورط ولا يحول الجريمة إلى فتنة اجتماعية.

 

كما ترى نور خليل، المؤسسة المشاركة لمنصة اللاجئين في مصر، في عملها الحقوقي أن غياب الأطر القانونية الواضحة يترك اللاجئين والمجتمعات المضيفة داخل دائرة توتر مستمرة، ويؤكد ذلك أن الحكومة تتحمل مسؤولية تنظيم الإقامة والعمل والرقابة الأمنية بدل إدارة الملف بالارتباك.

 

ومن ناحية سياسية، تبدو أزمة أسوان جزءا من نمط أوسع، لأن الداخلية التي تظهر قوية أمام مظاهرة أو منشور أو غضب معيشة لا تقدم القدر نفسه من الحضور الوقائي في الشوارع، وعندما يقع الانفلات تعلن الضبط بعد الضرر وتترك المواطنين أمام خوف متكرر.

 

وبينما تتحدث الدولة كثيرا عن جذب السياحة وحماية المدن الأثرية، تكشف مشاجرة كورنيش أسوان أن المدينة لا تحتاج دعاية رسمية فقط، بل تحتاج أمن شارع ومحاسبة محلية ومراقبة مستمرة للأماكن العامة، لأن صورة السياحة تسقط عندما يرى السكان والزائرون سلاحا أبيض في الكورنيش.

 

لذلك، لا يستطيع محافظ أسوان ولا وزارة الداخلية التعامل مع الواقعة كفيديو عابر، لأن التعليقات التي خاطبت المحافظ والداخلية والجيش كشفت أن الشارع يرى الدولة حاضرة في الجباية والمنع والغرامات، وغائبة عندما يحتاج المواطن إلى أمن مباشر في مدينة مفتوحة للسكان والسائحين.

 

وفي الخلاصة، تفضح مشاجرة كورنيش أسوان معادلة مختلة داخل حكم السيسي، حيث تطبق الداخلية القانون بقسوة على المصريين عندما يحتجون أو يعترضون، ثم تبدو عاجزة أو مرتبكة أمام الخارجين على القانون من بعض الأجانب بسبب حسابات السمعة والتحويلات والخوف من الخارج.