يفرض جهاز مستقبل مصر سيطرة جديدة على تصدير الأرز، بعدما خاطب مصلحة الجمارك لمنع خروج أي شحنات من البلاد دون موافقته، استنادا إلى تكليفات رئاسية تقصر صلاحية التصدير عليه.

 

يكشف الخطاب انتقال إدارة سلعة أساسية من قواعد معلنة إلى موافقات جهاز واحد، بينما تظل الحكومة تتحدث عن الوفرة وحماية الأسعار، وتفتح في الوقت نفسه بابا انتقائيا لتصدير محصول غذائي حساس.

 

قرار التصدير يضع الجمارك تحت سلطة جهاز واحد

 

في البداية، خاطب جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة مصلحة الجمارك لحظر خروج أي شحنات أرز من مصر من دون الحصول على موافقة مسبقة منه، وفق خطاب أرسل إلى الجمارك الأسبوع الماضي واطلعت المنصة على نسخة منه.

 

وبحسب الخطاب، استند الجهاز إلى تكليفات رئاسية للحكومة بقصر صلاحية تصدير الأرز عليه دون غيره، مع توريد حصيلة التصدير من العملة الصعبة إلى البنك المركزي مقابل الجنيه، وهو ترتيب يحول الصادرات إلى قناة مركزية لإدارة الدولار.

 

ثم أشار الجهاز إلى اتفاقات جرت بينه وبين وزارتي الزراعة والتموين حول سياسات ومحددات التصدير، وقال إن بعض الشركات استمرت في تجميع أو تصدير كميات من الأرز دون التنسيق معه، بما يكشف فجوة بين قرارات الحظر والممارسات الفعلية.

 

لذلك، طالب جهاز مستقبل مصر بتعميم تعليمات على جميع المنافذ الجمركية بعدم فتح شهادات جمركية لتصدير الأرز إلا بعد الحصول على موافقته، وذلك لحين استكمال القرارات الوزارية المنظمة، رغم أن القرار يمنح الجهاز سلطة تنفيذية قبل اكتمال الغطاء الوزاري.

 

وفي هذا السياق، تؤكد الوقائع المنشورة سابقا أن الحكومة كانت تتجه لتصدير فائض إنتاج الأرز عبر جهاز مستقبل مصر، وأن مصادر بوزارة الزراعة قدرت صادرات الأرز منذ بداية عام 2025 بنحو 400 ألف طن دون تأثير معلن على السوق الداخلية .

 

وعلى الرغم من ذلك، سبق لمصلحة الجمارك أن جددت قرار حظر تصدير الأرز الساري منذ أكثر من 8 سنوات للحفاظ على الموارد المائية، لكن بعض الشركات حصلت على تصاريح خاصة لتنفيذ عمليات تصدير محدودة وفق ما نشرته البورصة في أكتوبر 2025 .

 

حظر قديم واستثناءات تكشف ازدواجية السوق

 

في المقابل، أكدت مصلحة الجمارك في فبراير 2025 استمرار سريان قرار حظر تصدير الأرز منذ أكثر من 8 سنوات، وربطت القرار بالحفاظ على الموارد المائية الشحيحة، لكن استمرار إعلانات التصدير كشف أن الحظر لم يطبق على الجميع بنفس القاعدة.

 

وبعد ذلك، ظهرت شركة أبناء سيناء التابعة لمجموعة العرجاني في قلب الجدل، بعدما أعلنت تصدير الأرز إلى 18 دولة رغم استمرار قرار الحظر، وفق ما نشرته مدى مصر وتداولته منصات إخبارية في فبراير 2025 .

 

وبالتالي، لا تبدو مخاطبة جهاز مستقبل مصر للجمارك مجرد إجراء تنظيمي، لأنها تأتي بعد فترة شهدت عمليات تصدير واستثناءات وتصاريح محددة، بينما بقيت الشركات العادية تحت ضغط الحظر أو انتظار الموافقات من جهات لا تخضع لشفافية كافية.

 

ومن جهة أخرى، قال 3 مصادر مرتبطين بإنتاج وتصدير الأرز إن عمليات تصدير جرت خلال الفترة الأخيرة، لكنهم اعتبروا تأثيرها محدودا بسبب وفرة المعروض، وربطوا توحيد جهة التصدير باستقرار أسعار المنتج داخل السوق المحلية.

 

في السياق نفسه، قال مصدر بشعبة الأرز في غرفة الحبوب باتحاد الصناعات إن الكميات المصدرة محدودة جدا ولا تؤثر على حجم المعروض، وأضاف أن أغلبها يتجه إلى دول الجوار مثل السودان وليبيا والعراق، بينما تتم العمليات عبر جهات وشركات تابعة للدولة.

 

غير أن هذا التفسير لا يلغي جوهر الأزمة، لأن إلزام الشركات بتصدير الكميات المصرح بها فقط من جانب الجهاز يعني أن القرار لا يفتح سوقا منظمة، بل ينقل الحق في التصدير من قاعدة عامة إلى موافقة مركزية تتحكم في المنتج والمصدر والحصيلة.

 

وفي قراءة أوسع لسياسات السيطرة على السلع، انتقد الصحفي الاقتصادي ممدوح الولي الإجراءات الحكومية المتشددة في السلع الأساسية، واعتبر أن سياسات المصادرة والعقوبات في ملف القمح مثلت توسعا في الإكراه الإداري على حساب المنتجين والتجار .

 

الأسعار والفائض والمياه بين المزارع والمستهلك والدولار

 

لاحقا، اعتبر عضو شعبة الأرز بغرفة الحبوب باتحاد الصناعات مصطفى السلطيسي أن توحيد جهة التصدير من خلال جهاز مستقبل مصر يضمن استقرار العمليات، وأشار إلى وجود فائض يسمح بالتصدير في الوقت الحالي، مع طلب كبير على الأرز المصري خارجيا.

 

وبحسب السلطيسي، استقرت أسعار الأرز الشعير عند 16.4 ألف جنيه للطن عريض الحبة و14.4 ألف جنيه للطن رفيع الحبة، بينما تراوح سعر طن الأرز الأبيض بين 20.5 و25.5 ألف جنيه، وسط طلب من الخليج وسوريا ولبنان والمغرب وليبيا والسودان.

 

كما قال رئيس إحدى شركات إنتاج الأرز إن دور الجهاز يحقق توازنا بين استيراد الأرز البسمتي وتصدير أنواع أخرى مثل قصير الحبة، بما لا يضغط على المعروض المحلي أو الأسعار، حسب تقديره، وبما يحافظ على موارد النقد الأجنبي.

 

وعلى هذا الأساس، أوضح رئيس الشركة أن الآلية تعيد تدوير الدولار الناتج عن التصدير لتعويض تكلفة استيراد الأرز البسمتي، وذكر أن السوق تمتلك حاليا كميات تكفي الاستهلاك المحلي لنحو 5 إلى 6 أشهر حتى طرح المحصول الجديد في أغسطس.

 

في المقابل، حذر أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين في مواقف سابقة من ربط ملف الأرز بالمياه دون خطة زراعية بديلة للفلاح، وطالب بتخفيض تدريجي وتوفير محاصيل بديلة وتسليم بذور وضمان أسعار مناسبة للمنتجين .

 

وبالإضافة إلى ذلك، يبدأ موسم زراعة الأرز في مصر خلال مايو من كل عام، ويجري الحصاد بين أغسطس ونهاية أكتوبر، بينما يبدأ الإنتاج والطرح عبر المضارب من نوفمبر، ولذلك تؤثر قرارات التصدير قبل الموسم الجديد على توقعات السوق والمزارعين.

 

كذلك، تؤكد بيانات منشورة أن موسم 2025 شهد مساحات أرز تجاوزت 1.6 مليون فدان بإنتاجية متوقعة 6.5 مليون طن شعير، بما يعادل 4.4 مليون طن أرز أبيض، مع فائض يقترب من مليون طن وفق مصادر نقلتها البورصة .

 

في المقابل، يضع الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق ملف السيطرة على الموارد داخل سياق أوسع من تغول الدولة على المجال الاقتصادي، وقد تعرض للحبس والمحاكمة بسبب كتاباته وآرائه الاقتصادية والسياسية الناقدة للسياسات المتبعة في البلاد .

 

ومن ثم، تتحول قضية الأرز من نقاش فني حول فائض مؤقت إلى اختبار سياسي لشفافية إدارة الغذاء، لأن المواطن لا يعرف لماذا يسمح لشركات وجهات بالتصدير في ظل حظر معلن، ولا يعرف كيف توزع الموافقات ولا من يراقب حصيلة الدولار.

 

وأخيرا، يضع خطاب جهاز مستقبل مصر الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن حماية السوق المحلية لا تتحقق باحتكار التصدير ولا بتوسيع سلطة جهاز واحد، بل تتحقق بقواعد معلنة ومحاسبة واضحة وضمان حق الفلاح والمستهلك قبل البحث عن الدولار.