تواجه الحكومة ملف القمح بتقليل الواردات ورفع مشتريات المحلي، بينما يبقى الخبز المدعم معلقا على سوق خارجي مضطرب، ودولار شحيح، وجهاز جديد يمسك استيراد الحبوب بعيدا عن الهيئة التقليدية.

 

تكشف أرقام الأشهر الأربعة الأولى من 2026 أن تراجع واردات القمح لا يعني اكتفاء آمنا، بل يعكس إدارة أزمة تحاول تقليل الفاتورة من دون علاج جذور الاعتماد على الخارج.

 

واردات أقل وفاتورة أمن غذائي لا تتراجع

 

في البداية، تراجعت واردات القمح المصرية بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وجاء التراجع في وقت تعلن فيه وزارة التموين استهداف زيادة مشترياتها من القمح المحلي لتخفيف الضغط على الاستيراد.

 

وبحسب مصدر مطلع على ملف الواردات المحلية والعالمية بوزارة التموين، استوردت مصر نحو 5.7 مليون طن قمح منذ بداية 2026 من مناشئ مختلفة، بينها روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وفرنسا، مقابل نحو 6.3 مليون طن خلال الفترة المقابلة من العام الماضي.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو نسبة التراجع محدودة قياسا بحجم اعتماد مصر على الخارج، لأن الفارق البالغ نحو 600 ألف طن لا يغير طبيعة الأزمة، ولا ينقل مصر من دائرة الاستيراد الثقيل إلى دائرة تأمين القمح من إنتاج محلي مستقر وكاف.

 

ثم جاء توزيع الواردات ليكشف أن الحكومة حصلت على 2.7 مليون طن عبر جهاز مستقبل مصر لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية، بينما استورد القطاع الخاص نحو 3 ملايين طن، وهو توزيع يوضح أن السوق لم يتحرر من قبضة الحاجة اليومية للقمح المستورد.

 

وفي المقابل، تستهدف وزارة التموين استلام 5 ملايين طن قمح محلي من المزارعين خلال موسم التوريد الذي بدأ في منتصف أبريل، مقابل 4 ملايين طن في الموسم الماضي، بزيادة 25%، وهي زيادة حكومية مطلوبة لكنها لا تلغي فجوة الاستيراد.

 

لذلك، لا يمكن للحكومة أن تقدم انخفاض الواردات كإنجاز مكتمل، لأن البلاد ما زالت أكبر مستورد ضخم للقمح في محيطها، ولأن الخبز المدعم يظل مرتبطا بالأسعار العالمية وسلاسل الإمداد الخارجية وحركة الدولار داخل الاقتصاد المصري.

 

وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين أن تقديم حوافز أكبر للمزارعين من أجل التوسع في زراعة القمح يقلل الضغط على الخزانة العامة ويوفر السيولة الدولارية، وهو ما يكشف أن جوهر الأزمة يرتبط بسياسات التحفيز لا بإعلان أرقام موسمية فقط .

 

وبناء على ذلك، يظل تراجع الواردات مؤشرا ناقصا إذا لم تربطه الحكومة بخطة معلنة لزيادة المساحات المزروعة وتحسين الإنتاجية وتوفير مستلزمات الزراعة بسعر عادل، لأن تقليل الشراء الخارجي من دون قاعدة إنتاج قوية يضع الخبز تحت ضغط أي أزمة دولية جديدة.

 

جهاز مستقبل مصر يمسك القمح بدل هيئة السلع

 

بعد ذلك، يبرز انتقال ملف استيراد الحبوب إلى جهاز مستقبل مصر كأحد أكثر عناصر الملف حساسية، إذ تولى الجهاز في نوفمبر 2024 عمليات استيراد الحبوب والسلع عبر الشراء المباشر والمناقصات من الجهات والمناشئ المعتمدة بدلا من هيئة السلع التموينية.

 

ومنذ هذا القرار، أصبح الجهاز طرفا رئيسيا في شراء القمح الحكومي، حيث وفر 2.7 مليون طن لصالح الهيئة العامة للسلع التموينية تمهيدا لصرف حصص المخابز المعنية بإنتاج الخبز المدعم، بينما بقيت الهيئة في موقع المستفيد لا المستورد المركزي كما كان سابقا.

 

وبالتوازي، يسعى جهاز مستقبل مصر إلى التعاقد على استيراد 1.5 مليون طن قمح أخرى حتى نهاية يونيو، وفق المصدر نفسه، من خلال مفاوضات مع مسؤولين في دول مختلفة للوصول إلى عروض تناسب الجودة والسعر وتوقيت وصول المحصول.

 

إلا أن هذا المسار يوسع أسئلة الرقابة والشفافية، لأن نقل سلعة استراتيجية مثل القمح من هيئة مدنية ذات مسار معروف إلى جهاز جديد واسع الاختصاص يحتاج إفصاحا أكبر عن الأسعار والمناقصات والموردين وشروط التعاقد وتكاليف النقل والتخزين.

 

كما أن تجربة الشهور الماضية لا تسمح بالاطمئنان الكامل إلى الخطاب الرسمي، لأن وكالة رويترز نقلت سابقا عن متعاملين مخاوف من غياب تفاصيل عن توقيتات الشحن والأسعار وطبيعة بعض التعاقدات المرتبطة بجهاز مستقبل مصر، في ملف يمس الخبز اليومي لملايين المصريين.

 

ومن ناحية أخرى، تشير الأرقام المنشورة إلى أن روسيا ظلت أكبر مورد للقمح لمصر بفارق واسع، إذ صدرت للبلاد في موسم 2024 و2025 نحو 8.3 مليون طن متري، تلتها أوكرانيا بنحو 2.1 مليون طن متري .

 

لهذا السبب، لا تكفي تصريحات تنويع المناشئ لطمأنة السوق، لأن الاعتماد الكبير على منطقة البحر الأسود يستبقي مصر داخل نطاق مخاطر الحرب والعقوبات والشحن والأسعار، خصوصا بعدما كشفت حرب روسيا وأوكرانيا في 2022 هشاشة الدول المستوردة للغذاء.

 

وفي هذا الإطار، يرى مستشار وزير التموين الأسبق عبد التواب بركات أن الاعتماد على استيراد الأغذية بالعملة الصعبة يحمل تداعيات مباشرة على الموازنة العامة وعلى المواطن، وقد ربط سابقا بين فاتورة الغذاء المستورد وأعباء القمح الذي يدخل في الخبز التمويني والمكرونة .

 

وعلى ضوء ذلك، يصبح نقل ملف القمح إلى جهاز مستقبل مصر إجراء يحتاج مساءلة لا دعاية، لأن سلعة تمس نحو 70 مليون مستفيد من الخبز المدعم لا تحتمل إدارة غامضة أو تفاوضا مغلقا أو أرقاما لا يعرف المواطن تفاصيلها.

 

قمح محلي أغلى وخبز مدعم تحت الضغط

 

في المقابل، تقول الحكومة إن موسم توريد القمح المحلي يسير بمعدلات جيدة، إذ تسلمت 440 ألف طن منذ انطلاق الموسم، مقابل نحو 388 ألف طن في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تتخطى 13%، وهي بداية تستخدمها الحكومة لتأكيد نجاح السعر الجديد.

 

وقبل ذلك، أعلنت الحكومة رفع سعر توريد القمح المحلي من 2350 جنيها للأردب إلى 2500 جنيه، في محاولة لدفع المزارعين إلى التوريد الرسمي بدل البيع في السوق، بعدما أصبحت الدولة في حاجة إلى كل طن محلي لتقليل فاتورة الخارج.

 

غير أن رفع السعر لا يكفي وحده لحل الأزمة، لأن المزارع يحسب تكلفة السماد والوقود والعمالة والإيجار والري قبل أن يقرر حجم التوريد، وإذا لم تغط الدولة هذه الضغوط بسياسات عادلة فإن السعر الأعلى سيتحول إلى تعويض جزئي لا حافز طويل المدى.

 

وفي هذا السياق، قال نقيب الفلاحين حسين أبو صدام إن رفع سعر أردب القمح من 2350 إلى 2500 جنيه يساعد على تخفيف الأعباء عن الفلاحين وزيادة توريد الأقماح للحكومة، وتوقع أن تصل الكميات الموردة إلى 5 ملايين طن .

 

لكن هذا الرأي لا يعفي الحكومة من مسؤولية أوسع، لأن تحفيز الفلاح يجب أن يبدأ قبل موسم الحصاد عبر مستلزمات إنتاج ميسرة وضمانات تسلم وصرف سريع للمستحقات وسعر معلن مبكر، لا عبر قرارات متأخرة تعالج آثار الغلاء بعد وقوعها.

 

إلى جانب ذلك، تواجه مصر ضغوطا ممتدة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، بعدما قفزت أسعار القمح عالميا وارتفعت كلفة تأمين الخبز المدعم، وهو التزام تمسكت به الدولة أمام نحو 70 مليون مواطن يعتمدون على منظومة الدعم.

 

ومن ثم، يصبح التراجع الحالي في واردات القمح رقما قابلا للارتداد إذا فشل موسم التوريد أو ارتفعت الأسعار الدولية أو تعطلت الشحنات، لأن الحكومة لم تبن بعد قاعدة اكتفاء مستقرة، ولم تحرر الخبز من ضغط الدولار والأسواق الخارجية.

 

وفي الخلاصة، تكشف أرقام القمح أن الحكومة تدير الأزمة بخليط من تقليل الواردات ورفع سعر التوريد وتوسيع دور جهاز مستقبل مصر، لكنها لا تقدم ضمانة شفافة للمواطن بأن رغيف الخبز خرج من دائرة الخطر أو أن فاتورة الاستيراد لم تعد عبئا على الاقتصاد.

 

لذلك، تظل القضية أبعد من 10% تراجع في الواردات، لأن الأمن الغذائي لا يقاس بانخفاض مؤقت في الشراء الخارجي، بل يقاس بقدرة الدولة على حماية الفلاح والمستهلك وكشف التعاقدات وضمان رغيف مدعم لا يتحكم فيه الدولار ولا الموانئ ولا الأجهزة المغلقة.