تعود أزمة التأمينات والمعاشات إلى الواجهة مع تعديل جديد يقدمه الخطاب الرسمي بوصفه ضمانا للاستدامة بينما يراه أصحاب المعاشات اختبارا لحقهم في أموال دفعوها من أجورهم طوال سنوات العمل.

 

تظهر المشكلة في أن الحكومة تتعامل مع أموال التأمينات كملف تمويل طويل الأجل لا كحق مباشر لأصحابه لذلك يبقى أصحاب المعاشات في مواجهة معاشات ضعيفة وأسعار مرتفعة وإجراءات لا تعالج جوهر الأزمة.

 

أموال المعاشات حق لأصحابها وليست منحة حكومية

 

في البداية أعلن النائب إسماعيل الشرقاوي رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل رفضه لقانون التأمينات والمعاشات بصيغته المطروحة مؤكدا أن أصحاب المعاشات هم أصحاب الفضل الحقيقيون لأنهم تحملوا شقاء العمر وأدوا واجبهم تجاه الوطن عبر سنوات طويلة من العمل.

 

وبحسب الشرقاوي فإن أموال المعاشات حق أصيل لأصحابها وليست منحة ولا إحسانا بل دين مستحق السداد لا يقبل التسويف أو التسرع ويجب أن تدار بعدالة وشفافية بعيدا عن أي حلول جزئية لا تمس جوهر الأزمة.

 

ثم شدد الشرقاوي على أن القضية لا تتعلق بأرقام أو مواد قانونية فقط بل تتعلق بأعمار كاملة من الكفاح والتضحية لأن صاحب المعاش لا يجوز أن ينهي حياته العملية بلا كرامة أو أمان في نهاية العمر.

 

وبناء على هذا الموقف قال الشرقاوي إن الملف يحتاج إلى رؤية شاملة وعادلة تحفظ حقوق أصحاب المعاشات كاملة وتعيد بناء الثقة في منظومة يفترض أن تقوم على العدالة الاجتماعية والإنصاف لا على المعالجات المؤقتة.

 

وفي المسار نفسه أكد الشرقاوي أن إدارة أموال أصحاب المعاشات مسؤولية وأن أصحاب المعاشات أصحاب فضل ودين مستحق السداد لذلك لا يجوز أن تمن عليهم الحكومة بحقوقهم بل يجب أن تعيدها إليهم كاملة غير منقوصة.

 

وبسبب هذا المعنى ختم الشرقاوي موقفه بالتأكيد على أن كرامة أصحاب المعاشات خط أحمر وأن أي قانون لا يحقق لهم الأمان والعدالة والاستقرار يحتاج إلى مراجعة شاملة وجادة تليق بحجم ما قدموه للوطن.

 

تعديل المادة 111 لا يحل أزمة الثقة في أموال التأمينات

 

بعد ذلك وافق مجلس الشيوخ برئاسة المستشار عصام الدين فريد خلال جلسته العامة يوم الاثنين 27 أبريل 2026 نهائيا على مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات الصادر بالقانون رقم 148 لسنة 2019.

 

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية فإن التعديل يستهدف تعزيز استدامة التمويل واستمرارية صرف المستحقات لكنه يمس مادة واحدة هي المادة 111 بعد حذف المادتين 22 فقرة ثانية و156 من مشروع الحكومة بالاتفاق مع ممثلي الحكومة.

 

ثم نصت الصيغة المعروضة على التزام الخزانة العامة خلال العام المالي 2025 و2026 بسداد قسط سنوي قيمته 238.55 مليار جنيه مع زيادة مركبة بنسبة 6.4% اعتبارا من 1 يوليو 2026 ثم زيادة تدريجية حتى 7% في يوليو 2029.

 

كما أضاف التعديل مبلغ مليار جنيه سنويا إلى القسط السنوي بدءا من 1 يوليو 2026 لمدة 5 سنوات مع استمرار أداء القسط لمدة 50 سنة وهو ترتيب طويل المدى لا يجيب وحده عن أسئلة القيمة الحقيقية للمعاشات أمام التضخم.

 

وفي هذا السياق طالب نواب في مجلس الشيوخ بربط الزيادة السنوية بمعدل التضخم ووضع حد أدنى للمعاشات وتعزيز الحماية الاجتماعية لأصحاب المعاشات لأن النص المالي وحده لا يضمن حياة كريمة لمن تآكل دخله بفعل الأسعار.

 

كما قدم النائب حازم الجندي تعديلا يقضي بألا تقل نسبة الزيادة السنوية للقسط عن معدل التضخم المعلن من البنك المركزي حتى يحافظ القانون على القيمة الحقيقية لأموال التأمينات ويمنع تآكلها مع انخفاض القوة الشرائية.

 

أصل الأزمة في إدارة أموال التأمينات لا في صياغة القانون

 

لذلك لا تقف المشكلة عند صياغة مادة واحدة لأن أصل الأزمة يتعلق بطريقة إدارة أموال التأمينات وشفافية العلاقة المالية بين الخزانة العامة والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وحق أصحاب المعاشات في معرفة مصير أموالهم وعوائدها.

 

وفي هذا الاتجاه قال الدكتور أحمد البرعي وزير القوى العاملة الأسبق إن أي قانون للتأمينات لا يجب أن يفصل بين الأجيال المؤمن عليها بل يجب أن يقوم على التضامن بين الأجيال والمؤمن عليهم وأصحاب الأعمال.

 

وبناء على رؤية البرعي يصبح التعامل مع المعاشات كعبء مالي على الموازنة انحرافا عن طبيعة التأمين الاجتماعي لأن النظام يقوم على اشتراكات وعوائد وحقوق متراكمة لا على منح مؤقتة تقررها الحكومة وفقا لضغط المرحلة.

 

كما قال القيادي العمالي كمال عباس المنسق العام لدار الخدمات النقابية إن دار الخدمات نظمت ندوات حول قانون التأمينات الجديد بعد إقراره في 2019 وهو ما يعكس وجود مخاوف عمالية مبكرة من أثر القانون على المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.

 

وفي الخلفية التاريخية حذر البدري فرغلي رئيس الاتحاد العام لأصحاب المعاشات سابقا من غياب إعلان الوضع الحقيقي لأموال التأمينات وأكد أن أصحاب المعاشات لا يصرفون معاشاتهم من الخزانة العامة بل من إيرادات التأمينات وفوائد الأموال.

 

وبسبب استمرار هذه الخلفية لا يكفي أن تعلن الحكومة زيادة قسط أو تعديل مادة لأن أصحاب المعاشات يحتاجون إلى كشف مالي واضح عن الأموال والعوائد والالتزامات وآلية ربط المعاشات بالتضخم ومستوى الأسعار الفعلي.

 

وفي النهاية يكشف تعديل قانون التأمينات أن الحكومة تعالج ملف المعاشات من زاوية استدامة السداد لا من زاوية العدالة لأصحاب الحق لذلك تبقى الأزمة قائمة ما لم تحصل هذه الفئة على معاش كريم وشفافية كاملة ورد عملي لحقوقها بلا تأجيل.