أظهر فيديو متداول أشخاصا يرفعون طبقة أسفلت حديثة بأيديهم العارية، في مشهد يقدم دليلا مباشرا على رداءة تنفيذ طريق يفترض أن يكون جزءا من مشروعات الحكومة التي تملأ بها بياناتها وشاشاتها.
يعيد الفيديو قضية جودة الطرق إلى مربع المحاسبة، لأن الحكومة التي تفاخر بالأرقام لا تستطيع إقناع الناس بجودة طريق تتمزق طبقته السطحية باليد، ولا تستطيع الهروب من سؤال المقاول والاستشاري والجهة التي تسلمت العمل.
فيديو يكسر دعاية الطرق ويكشف رداءة التنفيذ
في بداية الواقعة ظهر عدد من الأشخاص داخل موقع طريق حديث الرصف وهم يمسكون بطبقة الأسفلت ويرفعونها من الأرض بأيديهم، بينما وثق الفيديو سهولة انفصال الطبقة عن سطح الطريق بطريقة لا تحتاج إلى معدات أو تكسير أو اختبار معقد.
وبعد ذلك تداول رواد السوشيال ميديا المقطع باعتباره دليلا على أن مهندسين غيورين كشفوا رداءة جودة الطريق، وقالوا إن الطبقة الموضوعة ليست أسفلتا كاملا، بل خليطا رديئا وصفوه بأنه مضاف إليه روث ماعز.
🔴 غير عادي
— الصين بالعربية (@mog_china) April 24, 2026
في مصر العربية، قامت مهندسون غيورون، لإظهار رداءة جودة الطرق التي بنتها الحكومة، بتمزيق طبقة الأسفلت التي تم وضعها حديثاً بأيديهم العارية وادعوا أنها ليست أسفلت كامل، بل ماكس مع روث ماعز. pic.twitter.com/aigCn4z3KZ
وبناء على ما يظهر في الفيديو لا تبدو المشكلة مجرد شروخ عادية أو تلف محدود، لأن الطبقة السطحية تنفصل كقطعة ضعيفة عن جسم الطريق، وهذا يعني أن الخلل يرتبط بجودة الخلطة أو درجة الدمك أو الإشراف أو توقيت التنفيذ.
ثم يطرح المشهد سؤالا مباشرا عن الجهة التي دفعت أموال المشروع، لأن أي طريق جديد لا يجب أن يصل إلى المواطنين بهذه الصورة، ولا يجب أن يحتاج الناس إلى فضح العيب بأيديهم كي تتحرك الجهات المسؤولة بعد انتشار الفيديو.
وفي هذا السياق قال الدكتور حسن مهدي أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس إن عيوب الأسفلت ترتبط بعوامل مثل الأحمال الزائدة والمياه بين طبقات الرصف واختلاف درجات الحرارة، وهذا الرأي يوضح أن العيب الظاهر في الفيديو يحتاج محاسبة فنية لا بيانات تبرير.
ولذلك تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية قبل المقاول، لأنها تملك جهات الإسناد والرقابة والاستلام، ولأن الطريق العام لا يمر من يد المقاول إلى يد المواطن إلا بعد توقيع استشاري ومسؤول وموظف يعرف أن المال المستخدم مال عام.
المقاول والاستشاري والحكومة في قفص واحد
بعد انتشار الفيديو لا يصبح السؤال عن الطريق وحده، بل يصبح السؤال عن سلسلة كاملة من المسؤولين، تبدأ من المقاول الذي نفذ، وتمر بالمهندس الذي أشرف، وتنتهي عند الجهة الحكومية التي قبلت العمل أو سكتت عليه حتى فضحه المواطنون.
وبسبب سهولة نزع طبقة الأسفلت تبدو الرقابة غائبة أو شكلية، لأن الاختبار الحقيقي لأي طريق لا يبدأ بعد شكاوى الناس، بل يبدأ أثناء التنفيذ من فحص الخلطة وحرارتها وسمكها ونسبة البيتومين ودرجة الدمك قبل فتح الطريق للاستخدام.
كما أن ادعاء وجود خليط رديء داخل الرصف، بحسب ما تداوله ناشرو الفيديو، يضع الحكومة أمام شبهة أخطر من مجرد سوء تنفيذ، لأن القضية هنا تمس احتمال إهدار مواد المشروع واستبدال الجودة بخلطة منخفضة التكلفة على حساب السلامة.
ومن هنا لا يكفي أن تصدر جهة محلية بيانا عاما أو ترسل معدات لترقيع المكان، لأن المطلوب هو إعلان اسم المشروع واسم الشركة المنفذة واسم الاستشاري وقيمة الأعمال ونتيجة الفحص الفني ونوع العقوبة التي ستطبق على المسؤولين.
وفي هذا الإطار يرى الدكتور أسامة عقيل أستاذ هندسة الطرق والمرور والمطارات بجامعة عين شمس أن اختيار نوع الرصف يجب أن يرتبط بطبيعة الأحمال وطول العمر الافتراضي، وهذا الرأي يجعل فشل طريق حديث دليلا على خلل في القرار والتنفيذ معا.
ولذلك لا تستطيع الحكومة أن تختبئ وراء شعار تطوير الشبكة القومية للطرق، لأن الشبكة التي تضم طريقا يتفكك باليد لا تعاني من خطأ صغير، بل تعاني من نظام استلام يسمح بمرور الرداءة تحت لافتة الإنجاز.
ثم إن المشكلة لا تقف عند منطقة واحدة أو طريق واحد، لأن تكرار الشكاوى من هبوط الأسفلت والحفر وسوء الصيانة يجعل الفيديو نموذجا مصورا لما يقوله المواطنون يوميا عن طرق تنفق عليها الدولة مليارات ثم تحتاج إلى إصلاح سريع.
دعاية الإنجازات تسقط أمام يد مواطن
في المقابل تواصل الحكومة استخدام لغة الأرقام عن الطرق والكباري والتصنيفات الدولية، لكنها لا تقدم للناس سجلا منشورا يوضح اختبارات الجودة ونسب رفض الأعمال وقرارات محاسبة المقاولين الذين ينفذون مشروعات ضعيفة أو قصيرة العمر.
وبسبب هذا التناقض يتحول الفيديو إلى إدانة سياسية واضحة، لأن السلطة التي تطلب من الناس تصديق بياناتها عن الجودة تواجه مشهدا بسيطا يقول إن الطريق قد لا يحتاج إلى شاحنة ثقيلة كي يتلف، بل إلى يد تكشف ما تحت السطح.
كما أن المواطن لا يستفيد من أي تصنيف دولي إذا كان الطريق أمامه يتفتت بعد الرصف، لأن الجودة بالنسبة له تعني طريقا آمنا يتحمل الاستخدام والمطر والحرارة ولا ينهار بعد أيام أو أسابيع من انتهاء أعمال المقاول.
وفي هذا السياق قال الدكتور مجدي صلاح الدين أستاذ هندسة الطرق بجامعة القاهرة إن حالة الطريق وتصميمه وتجهيزات السلامة تؤثر في حوادث الطرق، وهذا الرأي يجعل رداءة الرصف قضية حياة وسلامة لا مجرد ملف هندسي داخل مكتب حكومي.
ولذلك تصبح المحاسبة واجبة قبل أي حديث عن الصيانة، لأن إصلاح العيب من دون كشف المسؤول يعني أن الدولة تكافئ الفشل، وتعطي المقاول فرصة ثانية من المال العام، وتترك المواطن يدفع ثمن الطريق مرتين من الضرائب ومن الخطر اليومي.
ثم يجب أن تعلن الحكومة فورا فحص الطريق الذي ظهر في الفيديو، وأن تنشر نتيجة العينات، وأن تحيل المسؤولين للتحقيق، لأن تجاهل الفيديو يعني أن السلطة تعتبر فضائح التنفيذ جزءا عاديا من المشهد ما دام الغضب سينتهي خلال أيام.
وبعد ذلك تحتاج الدولة إلى تغيير قواعد الاستلام نفسها، لأن أي مشروع طريق يجب أن يخضع لاختبارات مستقلة معلنة، ويجب أن تتاح نتائجها للمواطنين، ويجب أن يمنع المقاول المخالف من الحصول على أعمال جديدة قبل إصلاح الضرر ومحاسبته.
وفي النهاية لا يفضح الفيديو طبقة أسفلت ضعيفة فقط، بل يفضح طريقة إدارة تعتبر الطريق منجزا بمجرد افتتاحه، وتعتبر المواطن متلقيا للدعاية لا صاحب حق في جودة المشروع، بينما تؤكد يد واحدة نزعت الأسفلت أن الحقيقة أقوى من كل بيانات الحكومة.

