لا يدور الخلل الحقيقي في السوق المصري حول نقص القوانين بقدر ما يدور حول غياب المساواة في تطبيقها على كل من يعمل داخل السوق. فالحكومة تكرر الحديث عن تشجيع الاستثمار وحماية المنافسة، لكنها تبقي في الوقت نفسه على بنية اقتصادية تمنح جهات تابعة للدولة مزايا لا يحصل عليها المستثمر الخاص، ثم تطلب من الجميع أن يتسابقوا داخل المسار نفسه. وهذا التناقض لا يضر فقط بالشركات الصغيرة والمتوسطة، بل يضرب أصل فكرة السوق المنظمة، لأن المستثمر لا يقيس النصوص بقدر ما يقيس الكلفة والفرصة والمخاطرة. وعندما يرى أن بعض الكيانات تدخل السوق بأعباء أقل وقدرة أسرع على التنفيذ وحضور أوسع في التعاقدات، فإنه يقرأ المشهد بوصفه سوقا غير متكافئة، حتى لو حملت القوانين عبارات صريحة عن العدالة والتنافس. وقد أعاد صندوق النقد الدولي هذا المعنى بوضوح في تقريره الأخير عندما ربط توسيع دور القطاع الخاص بتقليص بصمة الدولة الاقتصادية وتحقيق الحياد التنافسي بين العام والخاص.

 

تكشف الوقائع الأحدث أن هذه المشكلة لم تعد موضع جدل نظري، بل صارت عبئا مباشرا على النشاط الخاص نفسه. فقد أظهر مؤشر مديري المشتريات أن القطاع الخاص غير النفطي واصل الانكماش في مارس 2026، وسجل 48.0 نقطة، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة وارتفاع الضغوط على الكلفة. وفي الوقت نفسه، واصلت الحكومة الحديث عن بيع حصص في شركات مملوكة للدولة والجيش ضمن برنامج أوسع يطالب به صندوق النقد، وهو ما يعكس اعترافا ضمنيا بأن هيمنة الدولة والكيانات التابعة لها ما زالت عقبة قائمة أمام استثمار خاص طبيعي وممتد. لذلك لا تبدو أزمة المنافسة في مصر أزمة عقوبات أو مواد قانونية منفصلة، بل أزمة هيكل اقتصادي يسمح لبعض اللاعبين بالتحرك في ظروف مختلفة، ثم يعامل الاعتراض على ذلك باعتباره سوء فهم أو مبالغة من السوق. هنا تبدأ المشكلة الفعلية، وهنا أيضا يفقد أي تعديل قانوني معناه إن لم يقترب من جذور التفاوت نفسه.

 

غياب تكافؤ الفرص يبدأ من هيكل السوق

 

تبدأ أزمة المنافسة في مصر من نقطة أبسط من كل الجدل التشريعي، وهي أن الدولة ما زالت تنافس من يفترض أنها تنظم عملهم. فعندما تحتفظ الحكومة وكياناتها الاقتصادية بمواقع تنفيذية وتجارية واسعة داخل قطاعات مدنية، فإنها تجمع بين صفة المنظم وصفة المنافس، وتخلق تعارضا مباشرا في المصالح.

 

ثم يتسع هذا التعارض عندما تدخل كيانات تابعة للدولة أو للمؤسسة العسكرية إلى قطاعات إنتاج وخدمات ومقاولات وتوريد، بينما يحصل القطاع الخاص على رسالة رسمية تطلب منه قيادة النمو. وقد ربط صندوق النقد بوضوح بين نجاح الإصلاح وبين تسوية هذا الخلل من خلال تقليص بصمة الدولة الاقتصادية وضمان حياد تنافسي فعلي.

 

وفي هذا السياق، يوضح الباحث يزيد صايغ أن القطاع الخاص في مصر يواجه منافسة شديدة من الشركات التابعة للجيش في المناقصات الحكومية وفي الوصول إلى السوق، وهو توصيف يضع يد الدولة العسكرية داخل صلب أزمة السوق لا على هامشها. كما توثق دراساته اتساع النشاط العسكري إلى مجالات مدنية متعددة خلال السنوات الأخيرة.

 

بعد ذلك، لا يعود الحديث عن تكافؤ الفرص حديثا قانونيا مجردا، لأن الفارق يظهر في شروط التشغيل نفسها. فالمحللون الاقتصاديون يشيرون إلى أن بعض الكيانات التابعة للدولة تستفيد من سرعة في تخصيص الأرض، ومن مرونة في التعاقد، ومن قدرة تنفيذية مدعومة سياسيا، وهو ما يرفع قدرتها التنافسية أمام شركات تتحمل كلفة تمويل وتشغيل وضريبة كاملة.

 

ولذلك لا تنشأ الفجوة من مخالفة ظاهرة دائما، بل من تفاوت ثابت في القواعد الفعلية. فعندما يدخل طرف إلى السوق بكلفة أقل وغطاء مؤسسي أكبر، ثم يطلب من بقية الأطراف خوض المنافسة على النتيجة نفسها، فإن الدولة تكون قد صنعت تشوها سابقا على أي اتفاق احتكاري أو ممارسة ضارة يمكن للقانون أن يعاقبها لاحقا.

 

تنفيذ القانون يصطدم بامتيازات الدولة والجيش

 

ينكشف العجز التنفيذي في قانون المنافسة عندما تصل الدولة إلى الكيانات الخاصة بسرعة، بينما تتردد أمام الكيانات التي تملكها أو تغطيها أو تمنحها امتيازات غير متاحة لغيرها. فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود استثناءات مكتوبة، بل بوجود استثناءات عملية تصنعها موازين القوة والنفوذ داخل السوق المصري.

 

ثم تصبح الاستقلالية التي يتحدث عنها المسؤولون محدودة الأثر إذا لم تشمل كل الفاعلين الاقتصاديين بلا استثناء. وقد أكد صندوق النقد أن تنفيذ القانون رقم 159 لسنة 2023، الهادف إلى إلغاء إعفاءات ضريبية ورسوم كانت ممنوحة لشركات مملوكة للدولة وجهات عامة، ما زال جاريا، وهو اعتراف رسمي بأن غياب المساواة كان قائما أصلا.

 

وفي هذا الموضع، يقدم الخبير الاقتصادي هاني جنينة توصيفا مباشرا للمشكلة عندما يقول إن هيكل التكاليف لدى الحكومة يختلف تماما عن القطاع الخاص، وإن المستثمر الأجنبي لا يريد أن ينافس سعرا أقل ناتجا عن هذا الاختلاف. وهذا الكلام لا يهاجم القانون، بل يحدد الشرط الذي يجعل القانون قابلا للحياة أو عديم الجدوى.

 

كذلك يزداد الخلل عندما تعتمد بعض نماذج التشغيل التابعة للدولة على موارد منخفضة التكلفة، وبينها العمالة، أو على قدرة استثنائية في تنفيذ المشروعات بسرعة إدارية لا تتاح للشركات الخاصة. وعندها ينعكس الفرق مباشرة على التسعير وعلى فرص الفوز بالعقود، فتتحول المنافسة من تنافس في الكفاءة إلى تنافس في الامتياز المؤسسي.

 

ومن هنا، لا يكفي أن يملك جهاز حماية المنافسة أدوات للتدخل المبكر إذا كانت البيئة التي يعمل داخلها تقسم السوق فعليا إلى أطراف تخضع لكلفة عادية وأطراف تتحرك بكلفة مدعومة أو بحماية ضمنية. فالتنفيذ الصارم يبدأ عندما تخضع الشركات العامة والعسكرية والخاصة للقواعد نفسها، لا عندما تتساوى فقط في الخطاب الرسمي.

 

السوق لا يصلح من دون تقليص دور الدولة وتحديث القواعد المكملة

 

لا يتوقف إصلاح المنافسة عند قانون واحد لأن التشوه أوسع من ملف الاحتكار المباشر. فالسوق يحتاج أيضا إلى منظومة متكاملة تشمل مكافحة الإغراق، وضبط السوق السوداء، وتوحيد الاختصاصات الرقابية، وربط السياسات التجارية والصناعية والضريبية بهدف واحد هو منع الدولة من صناعة مزاحمة غير عادلة بيدها اليسرى ثم علاج آثارها بيدها اليمنى.

 

وبعد ذلك، يصبح تحديث القوانين المرتبطة بالسوق ضرورة تنفيذية لا ترفا تشريعيا، لأن الشركات الخاصة لا تتحرك داخل فراغ. فهي تواجه سلعا مدعومة أحيانا، وتواجه اضطرابا في الكلفة، وتواجه منافسين يملكون قدرة أكبر على تحمل الصدمات. كما أن استمرار انكماش القطاع الخاص غير النفطي في مارس 2026 يوضح أن البيئة الحالية لا تنتج سوقا سليمة.

 

وفي هذا الإطار، كتب الخبير الاقتصادي مدحت نافع في أبريل 2026 أن تحقيق نمو يقوده القطاع الخاص يتطلب أكثر من تحسين بيئة الأعمال أو تسهيل الإجراءات، مؤكدا أن غياب تقليص حقيقي لدور الدولة في النشاط الاقتصادي يجعل تلك الإصلاحات محدودة الأثر. وهذا التقدير يربط بين أصل المشكلة وبين حدود الحلول الحكومية الحالية.

 

ثم يكتمل المعنى عندما تتكرر شكاوى المستثمرين من البيروقراطية وضعف الشفافية وعدم وضوح الدور الاقتصادي للدولة. وقد قال محمد فؤاد في فبراير 2026 إن الواقع الحقيقي لا يعكس الخطاب الحكومي الدائم عن تشجيع الاستثمار، وإن المصنع ما زال يعاني من البيروقراطية وعدم الشفافية. وهذه الشهادة تضع فجوة التطبيق في قلب المشهد اليومي للسوق.

 

لذلك لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت مصر تحتاج إلى تعديل قانون المنافسة، بل ما إذا كانت السلطة مستعدة لإخضاع نفسها والكيانات التابعة لها للقواعد نفسها التي تطبقها على غيرها. فإذا بقيت الدولة لاعبا منظما ومنافسا ومقررا في الوقت نفسه، فإن أي تشريع جديد سيظل أقل من أصل الأزمة التي يدعي معالجتها.

 

لهذا تنتهي القضية إلى حقيقة واحدة لا تحتاج إلى تجميل سياسي. السوق المصري لن يعرف منافسة عادلة ما دامت الحكومة تحتفظ بامتيازات مباشرة أو غير مباشرة لكياناتها، وما دام المستثمر الخاص يدخل السباق مثقلا بكلفة أعلى وبيروقراطية أبطأ وقدرة أضعف على الوصول إلى القرار والعقد والتمويل. وعندما تعجز الدولة عن إزالة هذا الخلل، فإنها لا تحمي المنافسة، بل تدير اختلالها.