تكشف موازنة مصر للعام المالي 2026 و2027 عن مأزق مالي حاد لا يمكن تغطيته بالخطاب الرسمي عن الانضباط والاستدامة، لأن الأرقام نفسها تقول إن الدولة تدخل عامًا ماليًا جديدًا بإيرادات مستهدفة تبلغ 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات تصل إلى 5.1 تريليون جنيه، بما يعني عجزًا واسعًا في لحظة تتزايد فيها كلفة الطاقة ويشتد الضغط على العملة وتتراجع قدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد موارد مستقرة. هذا الاختلال لا يظهر في رقم العجز وحده، بل يظهر أيضًا في أن خدمة الدين تواصل التهام الحصة الأكبر من الموارد، بينما تواصل الحكومة تقديم الموازنة باعتبارها أداة دعم للمواطن والمستثمر معًا، رغم أن الوقائع المنشورة منذ مارس وأبريل 2026 تظهر بوضوح أن أولويات السداد وتدبير التمويل صارت تتقدم على أي توسع فعلي في الإنفاق المنتج أو الاجتماعي.

 

وتزداد خطورة الصورة حين تُقرأ الموازنة الجديدة في سياق الحرب الإقليمية وتداعياتها المباشرة على مصر، لأن الحكومة نفسها لجأت إلى إبطاء بعض المشروعات الحكومية كثيفة الاستهلاك للوقود، وخفض مخصصات وقود المركبات الحكومية، ورفع أسعار الكهرباء على شرائح ومستهلكين تجاريين، بعدما تضاعفت تقريبًا ضغوط فاتورة الطاقة واتسعت هشاشة المالية العامة أمام أي صدمة خارجية جديدة. وفي الوقت نفسه، سجل نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مارس تراجعًا هو الأشد في نحو عامين، مع هبوط مؤشر مديري المشتريات إلى 48.0، وارتفاع تضخم المدن إلى 15.2% في مارس بعد 13.4% في فبراير، ما يعني أن الموازنة لا تبدأ من أرض صلبة كما توحي البيانات الرسمية، بل من بيئة مضطربة تضعف فيها الإيرادات الحقيقية ويتزايد فيها عبء الأسعار على المجتمع.

 

عجز يتسع تحت ضغط الطاقة والدين وتباطؤ النشاط

 

وبدايةً، أعلنت الحكومة أن الموازنة تستهدف رفع الإيرادات العامة بنسبة 27.6% إلى 4 تريليونات جنيه، مقابل زيادة المصروفات بنسبة 13.2% إلى 5.1 تريليون جنيه، مع السعي لتحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه وخفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027. غير أن هذه المستهدفات تصدر في لحظة تعترف فيها الدولة نفسها بتزايد المخاطر الاستثنائية على المالية العامة.

 

ثم إن هذه الأرقام لا تنفصل عن واقع قائم بالفعل، إذ أظهرت بيانات منشورة في فبراير 2026 أن خدمة الدين استحوذت على نحو 83% من إجمالي إيرادات الموازنة خلال النصف الأول من العام المالي الجاري، وهو ما يكشف أن أي حديث عن توسيع المساحة المالية يظل مشروطًا أولًا بقدرة الدولة على السداد قبل أي إنفاق آخر. هذا هو جوهر الأزمة لا هامشها.

 

كذلك، جاء أثر الحرب على إيران مباشرًا على الاقتصاد المصري، إذ أفادت رويترز بأن الحكومة أبطأت بعض المشروعات العامة بسبب ارتفاع كلفة الوقود، بينما أظهر مسح النشاط الخاص أن الحرب رفعت تكاليف الإنتاج وأضعفت الطلب وأدخلت توقعات الشركات إلى المنطقة السلبية للمرة الأولى. وفي الخلفية نفسها، حذرت رويترز من أن صعود أسعار النفط وتراجع الجنيه يزيدان كلفة الغذاء والديون والأسمدة والمدفوعات الخارجية.

 

وفي هذا السياق، قال مدحت نافع إن الإجراءات التقشفية التي تتخذها الحكومة أصبحت الخيار المتاح في ظل الضغوط القائمة، كما ربط بين مرونة سعر الصرف وارتفاع الضغوط التضخمية الناتجة عن رفع أسعار الوقود والكهرباء. غير أن هذا التقدير نفسه يفضح مأزق الموازنة، لأن التقشف هنا لا يأتي من قوة مالية، بل من عجز عن تمويل الاحتياجات الأساسية دون تحميل المجتمع الكلفة.

 

جباية ضريبية تتوسع بينما تتراجع قدرة المجتمع على الاحتمال

 

ومن ثم، يصبح الاعتماد على الضرائب هو الأداة الأساسية لسد الفجوة، لأن وزير المالية أعلن استهداف زيادة الحصيلة الضريبية بنحو 27% مع ضم 100000 ممول جديد، وبحساب الأرقام المعلنة فإن الضرائب المستهدفة تقترب من 3.7 تريليون جنيه، أي ما يعادل نحو 93% من إجمالي الإيرادات العامة البالغة 4 تريليونات جنيه. هذا ليس ترشيدًا، بل نقل مباشر لأزمة الموازنة إلى المجتمع والقطاع الخاص.

 

وبعد ذلك، كشفت تقارير منشورة في مارس 2026 أن الحكومة تتجه إلى حزمة ضريبية جديدة تشمل تقليص مزيد من الإعفاءات على ضريبة القيمة المضافة، وتطبيق قواعد أكثر صرامة على تسعير المعاملات بين الأطراف المرتبطة، وفرض ضريبة على توزيعات أرباح الشركات المملوكة للدولة، على أن تُدرج التعديلات ضمن موازنة 2026 و2027 مع استهداف موافقة البرلمان عليها بحلول نهاية يونيو 2026.

 

وفي المقابل، يرى محمد فؤاد أن خفض العجز في الخطة متوسطة الأجل قد يبدو ممكنًا محاسبيًا، لكنه شديد الحساسية على أرض الواقع إذا لم يصاحبه انخفاض حقيقي في الديون وعوائد أذون الخزانة، كما يحذر من الاكتفاء بانضباط محاسبي يرحل الأعباء بين أبواب الموازنة دون أثر محسوس على حياة المواطنين. هذا التوصيف يطابق بنية الموازنة الحالية حرفيًا.

 

وفوق ذلك، لا تأتي الزيادة الضريبية في وقت اتساع إنتاج أو رخاء أسعار، بل في لحظة يتراجع فيها القطاع الخاص غير النفطي، وترتفع فيها تكاليف المدخلات بوتيرة حادة، وتزيد فيها الحكومة أسعار الكهرباء على الاستخدامات الأعلى والمحال التجارية، وهو ما يعني أن التوسع في التحصيل الضريبي يجري فوق اقتصاد يتعرض أصلًا للضغط من ناحية الطلب والتكلفة معًا.

 

اقتراض مستمر وتأجيل مكلف لفاتورة الأزمة

 

وفي المحور الثالث، تواصل الحكومة تقديم خفض الدين باعتباره هدفًا مركزيًا، إذ تستهدف الوصول بدين أجهزة الموازنة إلى 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، وخفض خدمة الدين إلى 35% من المصروفات على المدى المتوسط، مع تنويع أدوات التمويل والتوسع في التمويلات الميسرة. لكن هذا التعهد يظل هدفًا معلنًا لا حقيقة قائمة، لأن هيكل التمويل نفسه ما زال قائمًا على الاستدانة المتواصلة.

 

وفي هذا الإطار، قال وائل النحاس إن صافي العجز المزمن بين الإيرادات والمصروفات يقترب من 20 مليار دولار، وإن انتهاء القروض الرخيصة عالميًا يدفع مصر إلى إعادة هيكلة ديونها والاعتماد على أدوات أطول أجلًا. هذا الرأي لا يخفف خطورة الأزمة، بل يؤكد أن الحكومة لا تعالج أصل الاختلال، وإنما تطيل عمره وتعيد توزيعه زمنيًا.

 

كما أن الضغوط الخارجية لا تمنح الحكومة مساحة مريحة للمناورة، إذ أفادت رويترز بأن مصر ما زالت تعتمد على التمويلات الأوروبية والدولية، وأن تعرضها لواردات الطاقة وتحويلات العاملين والسياحة يجعلها أكثر هشاشة أمام ارتدادات الحرب. وأشارت أيضًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يزيد الإنفاق بما يتراوح بين 0.2% و0.55% من الناتج المحلي، وهو ما يهدد أي مستهدفات مالية قبل نهاية السنة المالية.

 

وعلاوة على ذلك، فإن صندوق النقد خفّض في أبريل 2026 توقعاته للنمو العالمي إلى 3.1% تحت افتراض بقاء الصراع محدودًا، مع تحذير واضح من أن استمرار الحرب يرفع التضخم ويبطئ النمو ويشدد الأوضاع المالية عالميًا. وبالنسبة لمصر، لا يعني ذلك سوى شيء واحد، وهو أن الاقتراض سيبقى أكثر كلفة وأن هامش الخطأ في الموازنة سيكون أضيق من أي وقت سابق.

 

ولهذا، لا تبدو موازنة 2026 و2027 وثيقة إنقاذ اقتصادي بقدر ما تبدو وثيقة إدارة أزمة مفتوحة، لأن الحكومة تبني الإيرادات على الجباية، وتبني التوازن على الفائض الأولي، وتبني الاستقرار على استمرار الاقتراض، بينما يتحمل المواطن أثر الكهرباء والوقود والأسعار والضرائب في الوقت نفسه. وعندما تصبح الموازنة رهينة الفوائد والدين والتمويل الخارجي، فإن المشكلة لا تعود في بند هنا أو رقم هناك، بل في نهج كامل يدفع البلد إلى سداد الماضي من حساب المستقبل.