طالب المئات من أهالي وتجار محافظة أسيوط بسرعة رصف الطريق الرابط بين مصنع الرمان وسوق الجملة وصولًا إلى طريق الجيش الشرقي، بعد أن تسبب إهماله في شلل مروري وتلف مركبات وتأخر شاحنات.
وكشف هذا المطلب أن مشروعات الصعيد لا تتعطل دائمًا بسبب غياب المباني أو خطوط الإنتاج، بل تتعطل بسبب طريق غير مرصوف يحاصر الاستثمار ويترك المزارعين والتجار يدفعون كلفة الإهمال اليومي.
طريق حيوي محاصر بالإهمال
ويقول الأهالي والتجار إن الطريق تحول إلى نقطة اختناق يومية، لأن الحفر والمطبات العشوائية تعطل الحركة بين مصنع الرمان وسوق الجملة، وتدفع أصحاب المركبات إلى تحمل أعطال متكررة ومصاريف إضافية.
كما أكد تجار سوق الجملة أن تدهور الطريق يعرقل وصول الشاحنات المحملة بالخضراوات والفاكهة، ويعرض البضائع للتلف قبل دخول السوق، ما يحول المسافة القصيرة إلى خسارة مباشرة على التجار والمزارعين.
وبسبب هذه الحالة، لم يعد الطريق مجرد مطلب خدمي محلي، بل أصبح شرطًا عمليًا لتشغيل مشروع كامل، لأن المصنع والسوق لا يملكان قيمة كاملة إذا ظلت الشاحنات عالقة في طريق متهالك.
ثم جاءت مطالبة النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، لتضع الأزمة على مكتب رئيس الوزراء، بعدما تقدمت باقتراح برغبة بشأن سرعة استكمال ورصف الطريق الرابط بين مجمع مصنع الرمان وسوق الجملة وطريق الجيش الشرقي.
ويكشف تحرك النائبة أن الأزمة تجاوزت حدود الشكاوى الشعبية، لأن الطريق يخدم مركزي البداري وساحل سليم، ويربط مشروعًا إنتاجيًا وسوقًا حديثًا بمحور يفترض أن يفتح الحركة أمام محافظات الصعيد والوجه البحري.
غير أن تأخر الرصف يفضح خللًا متكررًا في إدارة المشروعات، حيث تنفق الدولة على منشآت كبيرة، ثم تترك طريق الوصول إليها خارج الأولوية، فتتآكل الجدوى الاقتصادية قبل أن تبدأ دورة التشغيل الكاملة.
وفي هذا السياق، يصبح إدراج الطريق ضمن خطة الرصف الحالية ضرورة لا رفاهية، لأن بقاءه على حالته يعني استمرار خسائر النقل والتلف والتأخير، ويعني أيضًا إهدارًا عمليًا لثقة الأهالي في وعود التنمية.
استثمارات ضخمة بلا وصلة آمنة
وتشير المذكرة البرلمانية إلى أن هيئة تنمية الصعيد ومحافظة أسيوط نفذتا مشروعًا باستثمارات تقترب من 600 مليون جنيه، يضم مصنعًا متطورًا لمنتجات الرمان ومركزات وعصائر الفاكهة بجوار سوق جملة حديث.
كما يضم المشروع سوقًا للجملة للخضر والفاكهة يحتوي على 75 وحدة تجارية وثلاجات حفظ مركزية وموقفًا للنقل الجماعي ومبنى إداريًا وفندقًا للخدمات، بما يجعله من أكبر المشروعات التجارية في صعيد مصر.
لكن هذه الأرقام تفقد أثرها حين يصطدم المنتج بطريق غير جاهز، لأن خطوط الإنتاج والثلاجات والوحدات التجارية تحتاج حركة نقل منتظمة، لا طريقًا يستهلك الوقت والوقود ويعرض البضائع للتلف.
وتوضح سناء السعيد أن الطريق يمثل شريانًا تنمويًا يربط المشروع بشبكة الطرق القومية، ويساعد على تحويل المنطقة إلى مركز صناعي وتجاري يخدم محافظات الصعيد، بدل حصره داخل نطاق محلي ضيق.
وبحسب المذكرة، يبلغ طول الوصلة المطلوبة نحو 30 كيلومترًا فقط، وقد نفذت الأجهزة التنفيذية بمحافظة أسيوط أعمال التمهيد الأولية، لكن المحافظة لا تملك إمكانيات الرصف والإنشاء بالسرعة المطلوبة.
وهنا تظهر مسؤولية الحكومة بوضوح، لأن مشروعًا بقيمة 600 مليون جنيه لا يجوز أن يبقى رهينة عجز محلي عن تمويل وصلة طريق، خاصة أن الطريق يخدم استثمارًا عامًا لا مصلحة فردية.
كذلك، يربط استكمال الطريق المشروع بمحافظات القاهرة والجيزة وبني سويف والمنيا وسوهاج والبحر الأحمر، ما يعني أن تأخر الرصف لا يضر أسيوط وحدها، بل يعطل شبكة تجارة أوسع.
ومن ثم، تبدو الأزمة نموذجًا صارخًا لمشروعات يسبق فيها الافتتاح حساب التشغيل، لأن قيمة المصنع لا تقاس بالمباني فقط، بل بقدرته على استلام المحصول ونقله وتصنيعه وتصديره في موعده.
موسم الرمان يضغط على الحكومة
ويقترب موسم حصاد وتسويق الرمان خلال شهر أغسطس المقبل، ما يجعل التأخير في رصف الطريق خطرًا مباشرًا على المزارعين والتجار، لأن المحصول يحتاج نقلًا سريعًا ومنظمًا إلى السوق والمصنع ومنافذ التصدير.
كما تمثل مراكز البداري وساحل سليم مناطق رئيسية في إنتاج وتصدير الرمان، ويعتمد آلاف الأهالي على هذا المحصول كمصدر دخل، ولذلك لا يحتمل الموسم القادم استمرار طريق يرفع التكلفة ويضعف القدرة التنافسية.
وبدل أن يتحول المصنع إلى أداة لحماية الفلاح من تقلبات الأسعار، يهدد الطريق المتهالك بتقليل استفادة المزارعين، لأن التأخير وتلف البضائع يضغطان على السعر النهائي ويمنحان الوسطاء مساحة أكبر للمساومة.
وتؤكد النائبة أن أبناء البداري وساحل سليم ينتظرون استكمال المشروع منذ سنوات، ما يعني أن مطلب الرصف ليس طلبًا طارئًا، بل استحقاق مؤجل لمناطق قدمت محصولًا مهمًا ولم تحصل على بنية مناسبة.
في المقابل، لا تستطيع الحكومة تسويق الحديث عن تنمية الصعيد بينما تترك طريقًا كهذا خارج التنفيذ السريع، لأن التنمية لا تعني صور المشروعات فقط، بل تعني طريقًا يمر عليه المنتج دون تلف.
ولهذا يجب أن تتحرك وزارة النقل والجهات المعنية لتوفير الاعتمادات اللازمة، وإدراج الوصلة ضمن تنفيذ عاجل، مع إعلان جدول زمني واضح، لا ترك الملف لوعود عامة تنتهي مع انتهاء الموسم.
وتكشف الأزمة أن المواطن في الصعيد لا يطلب مشروعًا جديدًا كل مرة، بل يطالب أحيانًا بوصلة طريق تجعل المشروع القائم صالحًا للعمل، وتمنع تحوله إلى مبنى كبير محاصر بالحفر والانتظار.
وفي النهاية، يختصر طريق مصنع الرمان بأسيوط مأزقًا أوسع في إدارة التنمية، حيث يمكن لاستثمارات ضخمة أن تتعطل بسبب تفصيلة تنفيذية مؤجلة، ويمكن لمحصول كامل أن يخسر موسمًا بسبب رصف غائب.
لذلك، لن يكون رصف الطريق مجرد استجابة لشكاوى الأهالي والتجار، بل اختبارًا جادًا لقدرة الحكومة على حماية المال العام وموسم الرمان وحقوق المزارعين قبل أن تتحول الـ600 مليون جنيه إلى رقم بلا عائد.

