في الوقت الذي يواصل فيه صندوق النقد الدولي تقديم مصر باعتبارها مثالًا على القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، يتسع داخل البلاد سؤال أكثر إلحاحًا من كل بيانات الإشادة القادمة من واشنطن. ذلك السؤال لا يتعلق بقدرة الحكومة على إرضاء المقرضين ولا بقدرة البنك المركزي على تثبيت سوق الصرف لبضعة أسابيع، بل يتعلق بما إذا كانت هذه السياسات قد حسنت بالفعل حياة الناس أو أنها اكتفت بتحسين صورة الحسابات الكلية أمام المؤسسات الدولية. هذا السؤال فرض نفسه مجددًا بعد تصريحات جهاد أزعور في 16 إبريل 2026 عن أن مرونة سعر الصرف وتعزيز الاحتياطيات ساعدا مصر على التعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، وبعد إشادة كريستالينا غورغييفا بما سمته الإصلاحات الصعبة والضرورية التي جعلت مصر في وضع أفضل لمواجهة الصدمات.

 

لكن هذه اللغة التي تركز على الاستقرار المالي تتجاهل أن المواطن المصري لم يدخل هذه المرحلة من موقع قوة اجتماعية أو معيشية. الحكومة دخلت موجة الصدمات الجديدة بينما كانت الأسر قد استنزفت أصلًا تحت ضغط الغلاء وتراجع القوة الشرائية وارتفاع كلفة النقل والطاقة والغذاء والخدمات. لذلك بدا الاحتفاء الدولي بما تسميه المؤسسات المالية مرونة الاقتصاد أقرب إلى احتفاء بقدرة الدولة على تمرير الكلفة إلى المجتمع، لا إلى نجاح في حماية الناس منها. وما زاد هذا الانطباع وضوحًا أن الصندوق نفسه ربط تحسن الوضع الكلي بسياسات الانضباط النقدي والمالي ومرونة الصرف واحتواء الاستثمار العام وتعديلات أسعار الوقود، وهي الأدوات نفسها التي دفعت المصريين إلى جولة جديدة من الضغوط المعيشية.

 

صندوق النقد يمدح الإصلاحات والحكومة تشدد القبضة على المجتمع

 

جاءت إشادة صندوق النقد في سياق رسمي واضح. أزعور قال إن مصر اتخذت خطوات مبكرة وحاسمة للحد من أثر الصدمات الخارجية، بينما أكدت غورغييفا أن القاهرة أصبحت من الأمثلة الجيدة على الدول التي مرت بإصلاحات صعبة وبنت سياسات مسؤولة. وبعد أسابيع قليلة من موافقة الصندوق في 25 فبراير 2026 على استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة، حصلت مصر على نحو 2.3 مليار دولار إضافية ضمن البرنامج القائم.

 

ثم إن هذا التقدير لم يأت من فراغ مؤسسي، لأن تقرير الصندوق عن مصر كرر بوضوح أن مرونة سعر الصرف تمثل خط الدفاع الأول ضد الصدمات الخارجية. كما ربط التقرير استعادة الاستقرار الكلي بتشديد السياسة النقدية والمالية، واحتواء الاستثمار العام، وتعديلات أسعار الوقود، مع اعترافه في الوقت نفسه بأن الإصلاحات الهيكلية الأعمق ما زالت أبطأ من المخطط.

 

وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب إن التراجع الذي أصاب الجنيه في بداية الأزمة الإقليمية لم يكن مرتبطًا بالحرب وحدها، بل برغبة الحكومة أيضًا في توجيه رسالة إلى صندوق النقد بأنها ماضية نحو مزيد من مرونة سعر الصرف بعد ملاحظاته على عدم الالتزام الكامل بالتحرير. هذا التوصيف يوضح أن الحكومة لم تكن تتحرك فقط وفق احتياجات السوق، بل أيضًا وفق مقتضيات التفاهم مع الصندوق.

 

وبعد ذلك يصبح معنى الإشادة الدولية أكثر وضوحًا. الصندوق يثني على التزام الحكومة بالوصفة المالية والنقدية، بينما لا يظهر في هذه الإشادة أي وزن مماثل لكلفة هذه الوصفة على الأجور الحقيقية أو على قدرة الأسر على الاحتمال. لذلك لم تكن المشكلة في التصريحات نفسها، بل في معيار النجاح الذي تقيس به المؤسسات الدولية الحالة المصرية.

 

الجنيه يستعيد بعض الخسائر والأسعار تواصل ابتلاع الدخول

 

تزامنت لغة الإشادة مع تحسن نسبي في بعض المؤشرات المالية. فقد سجل صافي الأصول الأجنبية في يناير 2026 مستوى قياسيًا بلغ 29.54 مليار دولار، ثم ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 52.83 مليار دولار بنهاية مارس. كما أشار البنك المركزي والصندوق إلى أن مرونة الصرف ساعدت على الحفاظ على الاحتياطيات وامتصاص جزء من الضغوط الخارجية.

 

لكن هذا الوجه المالي لا يلغي أن الحرب الإقليمية نفسها دفعت مستثمرين أجانب إلى التخارج من أدوات الدين المحلية بما تراوح بين 5 و8 مليارات دولار منذ 28 فبراير، وفق تقديرات مصرفيين نقلتها رويترز، كما دفعت الجنيه من نحو 47 إلى ما يزيد على 52 مقابل الدولار قبل أن يستعيد جزءًا من خسائره لاحقًا مع هدوء نسبي في التوترات. هذا يعني أن الاستقرار بقي معتمدًا على تدفقات سريعة الحركة وقابلة للانسحاب بالسرعة نفسها.

 

وبسبب هذا الوضع أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة مرتفعة وتحول مسار التيسير النقدي إلى حالة حذر واضحة. رويترز نقلت في 30 مارس أن مخاوف التضخم ورفع أسعار الوقود والبيئة الخارجية غير المستقرة دفعت المحللين إلى توقع تثبيت الفائدة. كما أظهر تقرير الصندوق أن أولوية البنك المركزي ما تزال خفض التضخم مع الحفاظ على الاستقرار السوقي.

 

لكن أثر هذه السياسة ظهر سريعًا على الناس. الجهاز المركزي أعلن أن التضخم الحضري السنوي ارتفع إلى 15.2 في المئة في مارس 2026 بعد أن كان 13.4 في المئة في فبراير. وقبل ذلك بأيام رفعت الحكومة أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استخدامًا وعلى الأنشطة التجارية اعتبارًا من إبريل، بعدما كانت قد رفعت أسعار الوقود أيضًا في مارس تحت ضغط أزمة الطاقة وكلفة الاستيراد.

 

وفي هذا الإطار كتب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في يناير 2026 أن المواطن لا يأكل المؤشرات الاقتصادية، وأن الأسعار لا تنخفض بل تتراجع فقط وتيرة ارتفاعها، بينما تظل السلع والخدمات أعلى كلفة عامًا بعد عام. هذا التوصيف يطابق ما جرى لاحقًا على الأرض، لأن تراجع بعض المؤشرات الكلية لم ينعكس على الأسواق بانخفاض سعري حقيقي.

 

الخبراء يوثقون الفجوة بين رضا الصندوق وغضب السوق

 

نتيجة ذلك لم تظهر فقط في جيوب المواطنين، بل ظهرت أيضًا في النشاط الاقتصادي نفسه. مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي هبط إلى 48.0 نقطة في مارس 2026، وهو أدنى مستوى منذ إبريل 2024، مع تراجع الإنتاج والطلبات الجديدة بسبب ارتفاع الكلفة وضعف الطلب. هذا التطور يوضح أن تشدد السياسات لم ينتج اقتصادًا أكثر حيوية بقدر ما أنتج اقتصادًا أكثر انكماشًا خارج القطاع الحكومي.

 

كما أن كلفة الحرب والطاقة أضافت ضغطًا جديدًا على الموازنة. رويترز نقلت عن تقديرات بحثية أن ارتفاع الأسعار العالمية وتعطل إمدادات الغاز قد يرفع فاتورة الواردات البترولية لمصر بين 1 و2.4 مليار دولار خلال ما تبقى من السنة المالية، بينما قد تتضاعف مخصصات دعم المواد البترولية مقارنة بما خُطط له في الموازنة. هذا يعني أن الحكومة لم تحقق استقرارًا مستدامًا، بل اشترت وقتًا جديدًا بكلفة أعلى.

 

وفي هذا المسار قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن ترجمة الأرقام الرسمية الخاصة بخطة ترشيد الاستهلاك تؤكد أنها لم تحقق الهدف المعلن منها، لأن الحكومة لم تقدم حسابًا واضحًا لكلفة التنفيذ والرقابة مقارنة بحجم الوفر المتحقق. هذه الملاحظة مهمة لأن السلطة تواصل تقديم كل إجراءات الخفض والرفع والتقييد باعتبارها إنجازًا، بينما يكشف الحساب الفعلي أن المجتمع يدفع أكثر مما تسترده الخزانة.

 

ثم إن الصورة الأشمل تبدو أكثر قسوة عندما تُجمع عناصرها معًا. فالصندوق يطالب بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتسريع التخارج من الأصول واحتواء الإنفاق الاستثماري، بينما تعترف تقاريره نفسها بأن الديون المرتفعة واحتياجات التمويل الضخمة ما تزال تقيد الحيز المالي وتضغط على النمو المتوسط الأجل. لذلك فإن الحكومة لم تنجح في إنهاء الأزمة، بل نجحت فقط في إدارتها بما يرضي الدائنين ويؤجل الانفجار الاجتماعي.

 

وأخيرًا تكشف الحالة المصرية مفارقة لا يمكن إخفاؤها بخطاب النجاح الرسمي. المؤسسات الدولية ترى احتياطيات أعلى وسوق صرف أكثر مرونة وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات. أما المصريون فيرون كهرباء أغلى ووقودًا أعلى كلفة وطعامًا يبتلع الدخل ووظائف أضعف ونشاطًا خاصًا يتراجع. وبين الرؤيتين تختار الحكومة ما يرضي صندوق النقد، ثم تطلب من المجتمع أن يسدد الفاتورة بصمت. وهذه ليست مرونة اقتصادية كما يقال في التقارير، بل إعادة تحميل الأزمة على الناس حتى آخر جنيه.