لم يعد تراجع صافي الأصول الأجنبية في مصر مجرد تفصيل مصرفي فني يخص دفاتر البنك المركزي والبنوك التجارية، لأن الهبوط الذي تجاوز ملياري دولار خلال شهر واحد يفتح سؤالًا مباشرًا عن أين ذهب هذا الفارق، ومن يتحمل مسؤولية ضياعه، ولماذا تستمر الحكومة في إدارة الاقتصاد بطريقة تستنزف الأصول الأجنبية بدل أن تحافظ عليها.

وحين ينخفض صافي الأصول من 29.49 مليار دولار في يناير إلى 27.37 مليارًا في فبراير، فإن ما يتراجع ليس رقمًا معزولًا، بل قدرة البلد نفسها على مواجهة الضغط الخارجي بثقة واستقرار.

 

تكشف هذه الحركة أن الحكومة لم تنجح في تحويل التدفقات السابقة إلى قاعدة ثابتة تحمي السوق المصرفية من التآكل السريع، بل تركت البنوك التجارية تواجه نزفًا واضحًا في أصولها الأجنبية، بينما اكتفت بزيادة محدودة داخل البنك المركزي لا تكفي لتعويض التراجع الأكبر. ولهذا لا يبدو الفارق الضائع لغزًا تقنيًا بقدر ما يبدو نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة في إدارة العملة والدين والالتزامات الخارجية، وهي سياسات جعلت مصر أكثر هشاشة أمام أي ضغط جديد على الدولار أو على ميزان المدفوعات.

 

الفارق لم يختف غامضًا بل خرج من البنوك التجارية تحت ضغط الالتزامات وسوء الإدارة

 

انخفض صافي الأصول الأجنبية في مصر بأكثر من ملياري دولار خلال فبراير الماضي ليسجل 27.37 مليار دولار، مقابل 29.49 مليار دولار في يناير. وهذه القفزة العكسية لا يمكن التقليل من شأنها، لأن شهرًا واحدًا فقط كان كافيًا لابتلاع 2.12 مليار دولار من الفائض الذي كانت الحكومة تقدمه في الشهور السابقة بوصفه دليلًا على التعافي واستعادة التوازن النقدي.

 

ثم تكشف الأرقام نفسها أين ذهب هذا الفارق بصورة مباشرة، لأن صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي المصري ارتفع بنحو 620 مليون دولار، بينما تراجع لدى البنوك التجارية بنحو 2.7 مليار دولار. وهذا يعني أن المشكلة الفعلية لم تكن داخل البنك المركزي، بل داخل الجهاز المصرفي التجاري الذي فقد الجزء الأكبر من الفائض، فمحا أثر الزيادة المحدودة التي حققها المركزي، وانتهى الأمر إلى هبوط المؤشر الكلي.

 

كما أوضح البنك المركزي أن هذا التراجع في البنوك التجارية يعود إلى انخفاض الأصول الأجنبية نفسها بنحو 5.46 مليار دولار لتصل إلى 42.98 مليار دولار، في حين تراجعت الالتزامات الأجنبية بنحو 2.7 مليار دولار لتبلغ 31.2 مليار دولار. وبذلك يصبح الجواب على سؤال أين ذهب الفارق واضحًا حسابيًا، لأنه خرج من بند الأصول بسرعة أكبر من تراجع بند الالتزامات، وهو ما أنتج هذا الانكماش الحاد في صافي المركز الأجنبي.

 

وبسبب ذلك، لا يعود النقاش مجرد نقاش في الدفاتر، لأن تراجع الأصول يعني أن البنوك التجارية فقدت جزءًا من قدرتها على تلبية الطلب على النقد الأجنبي بأمان ومرونة. وعندما يحدث هذا التراجع داخل البنوك لا داخل المركزي فقط، فإن السوق كلها تتلقى إشارة سلبية، لأن الضغط ينتقل من مستوى المؤشر العام إلى مستوى القدرة اليومية على تمويل الواردات والتعامل مع الاحتياجات الدولارية المتزايدة.

 

تآكل الأصول يرتبط بدين خارجي ضاغط وجنيه ضعيف واقتصاد يعيش على تدوير الأزمة

 

لا ينفصل هذا التراجع عن الصورة الخارجية الأوسع، لأن الدين الخارجي المصري بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مع بقاء نسبة معتبرة من هذا الدين في شريحة قصيرة الأجل، وهو ما يجعل الحاجة إلى الدولار متكررة وثقيلة على النظام المصرفي. ولذلك فإن أي تراجع في صافي الأصول الأجنبية لا يظهر كحادث منفصل، بل كعرض جديد لأزمة أكبر تتعلق ببنية التمويل الخارجي نفسها.

 

ثم يزداد هذا الضغط مع خريطة السداد المقبلة، إذ تواجه مصر استحقاقات دين خارجي تصل إلى نحو 50.8 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر 2026، بينما رفع البنك المركزي تقديراته لخدمة الدين الخارجي في 2026 إلى 29.18 مليار دولار. وهذه الأعباء تفسر لماذا يتآكل ما يتجمع من أصول أجنبية بسرعة، لأن جانبًا من الفائض الظاهر لا يذهب إلى بناء حماية مستقرة، بل يذهب إلى تغطية التزامات متراكمة ومكلفة.

 

كما ينعكس هذا كله على العملة نفسها، لأن الجنيه المصري واصل تسجيل مستويات ضعف قاسية خلال مارس 2026 مع تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط على السوق، بينما أظهرت بيانات السوق أنه اقترب من مستويات قياسية منخفضة أمام الدولار. وهذا يعني أن الأصول الأجنبية التي كان يفترض أن تمنح الاقتصاد بعض الحصانة لم تنجح في فرض استقرار فعلي على سعر الصرف، وهو أحد أهم اختبارات كفاءة الإدارة النقدية.

 

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن تحسن بعض المؤشرات لا يلغي أن الخطر الحقيقي ما زال في الدين والمشكلات الهيكلية والعجز التوأم. وتكتسب هذه الملاحظة معناها المباشر هنا، لأن تراجع الأصول الأجنبية خلال فبراير لا يبدو حدثًا معزولًا، بل يبدو جزءًا من صورة أوسع تقول إن الحكومة لم تعالج جذور الأزمة، بل اكتفت بتأجيل آثارها من شهر إلى آخر.

 

فشل الحكومة في الحفاظ على الأصول يؤكد أن التحسن السابق كان هشًا ومؤقتًا

 

قدمت الحكومة في الأشهر الماضية تحسن صافي الأصول الأجنبية بوصفه علامة على عودة الاستقرار النقدي، لكن ما جرى في فبراير كشف هشاشة هذا الادعاء. فالمؤشر الذي ارتفع في يناير إلى 29.5 مليار دولار عاد وتراجع سريعًا في الشهر التالي، بما يعني أن التحسن لم يكن قد تحول إلى قاعدة راسخة داخل البنوك التجارية، بل ظل معرضًا للتآكل السريع بمجرد تجدد الضغوط على الأصول الأجنبية.

 

ثم يظهر الفشل الحكومي بوضوح أكبر حين نلاحظ أن المركزي وحده حقق زيادة قدرها 620 مليون دولار، بينما تركت الحكومة البنوك التجارية تفقد 2.7 مليار دولار من صافي أصولها. وهذا الاختلال يعني أن ما حققه المركزي لم يكن انعكاسًا لقوة اقتصادية شاملة، بل كان تحسنًا جزئيًا لم يمنع نزف الحلقة الأوسع في الجهاز المصرفي، وهي الحلقة التي تتعامل يوميًا مع الطلب الفعلي على الدولار.

 

كما أن الحكومة لم تنجح في حماية الأصول الأجنبية رغم كل ما تلقته من تدفقات استثنائية وصفقات وتمويلات وبرامج دعم، وهو ما يعيد طرح السؤال بصيغة أكثر حدة. فإذا كانت الدولة لم تستطع الحفاظ على هذه الأصول في لحظة يفترض أنها أفضل نسبيًا من سنوات العجز الحاد، فكيف ستفعل ذلك مع استمرار الحرب الإقليمية وضغط خدمة الدين وتباطؤ أي انفراجة حقيقية في موارد النقد الأجنبي؟

 

وفي هذا المعنى، حذر ممدوح الولي من أن عجز العملات الأجنبية في المصارف يحمل آثارًا مباشرة على قدرة البنوك على تلبية الطلب على النقد الأجنبي وتمويل الواردات، ويضغط بالتبعية على الاحتياطي وسعر الصرف. وتساعد هذه القراءة على فهم ما حدث في فبراير، لأن تراجع صافي الأصول ليس مجرد رقم سلبي، بل مؤشر على أن الجهاز المصرفي يتحمل كلفة الاختلال الخارجي بصورة متزايدة.

 

بعد ذلك، يصبح تحميل الحكومة المسؤولية أمرًا مباشرًا لا يحتاج إلى مواربة، لأن إدارة الأصول الأجنبية ليست شأنًا قسريًا فرضته السوق وحدها، بل نتيجة قرارات تتعلق بالدين والاستيراد والعملة وتوزيع الموارد وأولويات الإنفاق. وعندما تفشل الحكومة في تثبيت ما تراكم من أصول خلال شهر واحد فقط، فإنها تكشف أن سياساتها لم تبنِ توازنًا حقيقيًا، بل صنعت هدنة قصيرة سرعان ما انهارت أمام أول اختبار جدي.

 

وفي هذا الإطار، حذر محمد بدراوي، عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، من أن تفاقم الإنفاق على فوائد الدين يزاحم باقي بنود الإنفاق ويضغط على الدولة كلها. وتبرز أهمية هذا التحذير هنا لأن الأصول الأجنبية لا تتآكل في فراغ، بل داخل اقتصاد تلتهمه خدمة الدين وتضعف فيه الإيرادات الحقيقية المنتجة، ما يجعل أي فائض دولاري مؤقتًا وعرضة للذوبان السريع.

 

وأخيرًا، فإن تراجع صافي الأصول الأجنبية من 29.49 مليار دولار في يناير إلى 27.37 مليارًا في فبراير لا يكشف فقط أين ذهب الفارق، بل يكشف أيضًا من أضاعه. فقد خرج الجزء الأكبر من البنوك التجارية مع انخفاض أصولها الأجنبية بمقدار 5.46 مليار دولار، بينما عجزت الحكومة عن حماية هذا الرصيد أو تحويله إلى مظلة استقرار حقيقية. ولذلك لا تبدو الأزمة في الفارق الضائع وحده، بل في حكومة تستهلك ما تملكه من هوامش الأمان ثم تطلب من الناس أن يصدقوا أن الاقتصاد ما زال يتعافى.