مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
إذا أردت أن تعرف حجم العقم في تفكير بعض حكومات دول المنطقة وأساليبها التقليدية في معالجة الطوارئ والتحديات الاقتصادية، وتفنّن تلك الحكومات في إذلال المواطن وتجويعه وإصرارها على تجفيف جيبه الفارغ أصلًا ووضعه تحت ضغط معيشي متواصل، فطبق ذلك على أسلوب تعاملها مع أزمة الوقود الحالية الناتجة عن الحرب على إيران، وما صاحب تلك الحرب من قفزة في أسعار النفط والغاز وصدمة بأسواق الطاقة العالمية وإغلاق مضيق هرمز.
ففي الوقت الذي طبقت حكومات العالم أفكارًا إبداعية للتعامل مع أزمة الوقود وقفزة أسعار النفط والغاز من أبرزها زيادة كفاءة استهلاك الطاقة، والحدّ من الهدر، وتقليص ساعات العمل والتوسّع في العمل والتعليم عن بعد، وزيادة مخصّصات الوقود في موازنة الدولة على حساب النفقات الحكومية، وتجميد العمل بضريبة الوقود، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد من موانئ وغيرها، وإنتاج الوقود من النفايات، نجد في المقابل أن الحكومة المصرية سارعت لتحميل العبء كاملًا على المواطن عبر زيادة أسعار البنزين والسولار والغاز، وإظلام الشوارع وإطفاء الإضاءة العامة، والإغلاق المبكر للمحلات والمطاعم والمقاهي، وزيادة أسعار الخدمات العامة من مواصلات عامة ومياه، وبحث زيادة أسعار سلع حيوية أخرى أبرزها الكهرباء.
بريطانيا مثلًا قدمت دعمًا للأسر الضعيفة المتضرّرة من زيادة أسعار الوقود، وأقرت ألمانيا إجراءات عاجلة لكبح جماح الأسعار، ورفعت ماليزيا وإندونيسيا وغيرهما من دول العالم الدعم المالي المخصّص للوقود، وخصصت كوريا الجنوبية ميزانية تكميلية لدعم المتضرّرين من ارتفاع الأسعار، كما رفعت حدود توليد الكهرباء من الفحم وزادت الاعتماد على الطاقة النووية.
واتخذت أستراليا إجراءات مباشرة لدعم إمدادات الوقود بعيدًا عن جيب المواطن مع ضمان الدولة مشتريات القطاع الخاص من الأسواق الدولية، ورفعت الحكومة الأميركية القيود البيئية وغيرها عن مبيعات الوقود في المحطات بهدف خفض التكلفة، وجمّدت العقوبات على النفط الروسي والإيراني لزيادة المعروض النفطي، وسحبت من مخزوناتها الاستراتيجية في إطار تعاملها مع الأزمة.
وحظرت الصين صادرات الوقود المكرّر لضمان توفيره محليًا، وقبلها تدخلت مباشرةً للحدّ من ارتفاع أسعار الوقود، وخفّضت مقدونيا ضريبة القيمة المضافة على الوقود بنحو نصف قيمتها بهدف الحدّ من الأسعار في محطات الوقود، وسمحت الفيليبين مؤقتًا باستخدام وقود أقل نقاء، وعلقت فيتنام الرسوم الجمركية على الوقود مع اضطراب الإمدادات، وشجعت الهند المستهلك على التحول للغاز الطبيعي عبر الأنابيب بدلًا من الأسطوانات.
أما في مصر ففضلت الحكومة الحلول السهلة والسريعة، ومنها تطبيق إجراءات تقشفية بحق المواطن والاقتصاد مثل غلق المحال والمراكز التجارية والمطاعم ودور السينما وحتى قاعات الأفراح عند التاسعة مساء، وتقليص الإنارة في الشوارع، وإغلاق إنارة كل الإعلانات على الطرق، وتقليل إنارة الطرق العامة والفضاءات العمومية، وأمتد الظلام لدور العبادة والمسارح ودور السينما، وهي خطوات لها تأثيرات سلبية على الأنشطة الاقتصادية المختلفة وأبرزها قطاع السياحة الحيوي والصناعة وحركة الأسواق والشحن والنقل، وكذا على المحالّ والمقاهي وتجارة التجزئة ودور الترفيه، بل وعلى كل الأنشطة المختلفة، بل وستعمق حالة الركود التضخمي داخل الأسواق والذي يجمع بين تباطئ النمو وارتفاع الأسعار.
ونتيجة القرار الحكومي، غرقت شوارع القاهرة وكبريات المدن المصرية في ظلام دامس بعد قرار تقنين استخدام الطاقة ليلًا وإغلاق المتاجر، وأظلمت العاصمة التي لا تنام وذات الـ26 مليون نسمة في "ظلام قسري" شأنها شأن باقي المحافظات، وهذا الأمر له تأثيرات اقتصادية واجتماعية خطيرة.
لا تتوقف خطوات الحكومة المصرية الخاصة بتحميل المواطن تداعيات حرب إيران الاقتصادية عند حدّ تغذية موجة جديدة للتضخم عبر زيادة أسعار مشتقات الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30%، وزيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق والقطارات بنسبة 25%، وتطبيق إجراءات تقشفية أخرى شملت زيادات في تكلفة الخدمات والمنافع العامة.
بل لوحت الحكومة بإجراءات أخرى قد تقود إلى زيادات جديدة في أسعار السلع ومنها الأغذية والأدوية وإيجارات السكن والاتصالات والمواصلات وغيرها من كلف المعيشة. يدعم تلك الخطوات القفزات المتتالية في سعر الدولار في البنوك المصرية والذي تجاوزت قيمته اليوم 54 جنيهًا مصريًا لأول مرّة على الإطلاق.
ونظرة لتصريحات رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، يوم السبت تجد أنها تتحدث عن إجراءات استثنائية أخرى في حال استمرار الحرب على إيران، حيث أكد أنه "حال استمرار الأزمة لفترة أطول سنضطر للجوء إلى مستوى آخر من القرارات الأكثر شدة من أجل تحقيق ترشيد أكبر لإنفاقنا"، وهي رسالة ترويع للمواطن.

