سجلت السوق المصرية خلال الساعات الماضية حركة مزدوجة أربكت المدخرين والمشترين معاً، بعدما ارتفع الذهب محلياً بصورة طفيفة لكنه ظل متقلباً بعنف، فيما قفز الدولار فوق حاجز 53 جنيهاً في عدد من البنوك للمرة الأولى.

وبذلك لم تعد الأزمة في رقم واحد، بل في تزامن صعود العملة الأميركية مع اضطراب الذهب تحت ضغط الحرب في إيران وخروج الأموال الساخنة.

 

الذهب يرتفع محلياً رغم اضطراب السوق العالمية

 

أوضح سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة”، أن أسعار الذهب في السوق المصرية ارتفعت بنحو 10 جنيهات خلال الأسبوع، إذ افتتح غرام عيار 21 التداولات عند 6915 جنيهاً، ولامس 6730 جنيهاً، ثم أغلق عند 6925 جنيهاً. كما بلغ عيار 24 نحو 7914 جنيهاً، وعيار 18 نحو 5936 جنيهاً، فيما وصل الجنيه الذهب إلى نحو 55.4 ألف جنيه.

 

ولفت إمبابي إلى أن السوق المصرية تتداول الذهب بفارق 292 جنيهاً عن السعر العالمي وفق سعر الصرف الرسمي، في ظل ضعف واضح في الطلب المحلي. ويكشف هذا الفارق أن التسعير لم يعد يتحرك فقط مع الأونصة العالمية، بل صار يتأثر أيضاً بحالة الترقب داخل السوق المصرية، حيث يفضل كثيرون التوقف عن الشراء انتظارا لاتجاه أوضح في الدولار والذهب معاً.

 

وفي ظل هذا الاضطراب، افتتحت الأونصة عالمياً تداولات الأسبوع الماضي عند 4497 دولاراً، وهبطت إلى 4098 دولارات يوم الاثنين، قبل أن تغلق عند 4494 دولاراً يوم الجمعة، وسط تذبذب واسع بين 4100 و4600 دولار. ويؤكد هذا المسار أن السوق العالمية لم تمنح المتعاملين استقراراً، بل دفعتهم إلى إعادة تسعير المخاطر كل يوم تقريباً.

 

النفط والدولار يعيدان رسم حركة الذهب

 

أكد أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، أن الذهب لم يعد يتحرك فقط باعتباره ملاذاً آمناً، لأن قفزة النفط غيرت أولويات السيولة عالمياً. وقال معطي إن صعود برنت إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل دفع الأسواق إلى توجيه جزء من الأموال نحو تغطية كلفة الطاقة وتأمين الإمدادات، وهو ما حدّ من اندفاعة الذهب رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.

 

وأشار هذا التفسير إلى عامل ثانٍ ضاغط، هو قوة الدولار الأميركي التي رفعت مؤشره إلى 100.17، بالتزامن مع استقرار عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند 4.438 في المئة. ويعني ذلك أن الذهب واجه في الوقت نفسه نفطاً مرتفعاً، ودولاراً أقوى، وسندات تمنح عائداً، وهي ثلاثة عوامل قلصت جاذبيته الاستثمارية حتى مع بقاء التوتر العسكري قائماً.

 

وفي موازاة ذلك، تبرز قراءة مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد، لتضيف بعداً محلياً لا يقل خطورة، إذ قال إن المصريين يعيشون يومياً تحت ضغط تقلب الجنيه وارتفاع الذهب، بينما لا تزال الأعطاب الهيكلية تمسك باقتصاد غير مستقر تماماً. وبذلك فإن حركة الذهب في مصر لا تنفصل عن هشاشة أوسع في بنية السوق والادخار والعملة.

 

قفزة الدولار تضغط على الجنيه وتغذي سوق التحوط

 

أوضح مسار سعر الصرف، اليوم الأحد، أن الدولار تجاوز 53 جنيهاً في بنوك عدة، فيما سجل في البنك الأهلي المصري 53.47 جنيهاً للشراء و53.57 جنيهاً للبيع وفق بيانات محدثة ظهراً. كما سجلت منصات متابعة الأسعار نطاقات أعلى في بعض البنوك خلال اليوم، وهو ما أكد أن الجنيه يواجه موجة ضغط جديدة مرتبطة بالحرب في إيران وتخارج الاستثمارات قصيرة الأجل.

 

ولفتت هذه القفزة إلى أن صعود الدولار لم يأت من فراغ، إذ قالت تقارير اقتصادية إن العملة الأميركية ارتفعت أمام الجنيه منذ بداية الحرب في إيران مع زيادة وتيرة تخارج الأموال الساخنة من السوق الثانوية للدين الحكومي. كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن الجنيه فقد نحو 9 في المئة من قيمته خلال الأيام الأولى للحرب، وهو ما يفسر سرعة انتقال الضغط إلى أسعار الذهب.

 

وأكد هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في “الأهلي فاروس”، أن مصر تدخل هذه الموجة بقدر أكبر من الصلابة مقارنة بفترات سابقة، مستنداً إلى ارتفاع الاحتياطي الرسمي وأصول أجنبية إضافية داخل الجهاز المصرفي. لكن هذا التقدير لا يلغي أن السوق تدفع بالفعل ثمن الصدمة الخارجية، لأن الجنيه فقد جزءاً من مكاسبه السريعة، وعاد الدولار إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة.

 

وأشار ترابط الذهب والدولار في السوق المصرية إلى نتيجة مباشرة تمس المدخرين، لأن صعود الدولار يرفع تلقائياً كلفة تسعير الذهب المحلي حتى عندما تتراجع الأونصة أو تتحرك بشكل محدود. ولهذا، فإن المواطن الذي يلجأ إلى الذهب للتحوط لا يواجه فقط سعر المعدن، بل يواجه أيضاً سعر الصرف، وفارق التسعير المحلي، وضعف الطلب، وكلها عوامل تضغط على قراره الشرائي.

 

وفي النهاية تؤكد حركة الأسبوع الماضي أن السوق المصرية لا تعيش استقراراً حقيقياً في الذهب ولا في الدولار، بل تعيش موجة اضطراب مركبة تدفعها الجغرافيا السياسية من الخارج والهشاشة النقدية من الداخل. فالذهب ارتفع رغم تراجع عالمي جزئي، والدولار كسر حاجزاً نفسياً جديداً، والجنيه فقد مساحة مناورة إضافية. ولهذا، فإن ما يجري لا يضغط فقط على الأسعار، بل يضغط أيضاً على ثقة المصريين في قيمة مدخراتهم واتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة.