سجلت أسعار الذهب في السوق المحلية، اليوم السبت 28 مارس 2026، ارتفاعًا جديدًا دفع جرام عيار 21 إلى نحو 6890 جنيهًا، بينما بلغ عيار 24 نحو 7874 جنيهًا، في وقت أظهرت فيه بيانات السوق العالمية أن الأوقية أنهت الأسبوع قرب 4494 دولارًا بعد خسارة أسبوعية طفيفة وتراجع شهري لافت. هذا التباين لا يعكس قوة مستقرة بقدر ما يكشف سوقًا يتحرك تحت ضغط متشابك من الدولار والطاقة والفائدة.
صعود محلي يواكب القلق ولا يبدده
أوضح هذا الارتفاع أن السوق المحلية لم تتحرك بسبب تحسن جوهري في الأساسيات، بل بسبب تفاعل سريع مع موجة قلق واسعة دفعت المتعاملين إلى إعادة التسعير خلال عطلة البورصة العالمية. وتُظهر منصة آي صاغة أن الزيادة اليومية كانت محدودة نسبيًا، فيما بقيت الأوقية عالميًا على تراجع أسبوعي، بما يعني أن الصعود المحلي جاء فوق أرضية مرتبكة لا فوق اتجاه صاعد محسوم.
لفت هذا التناقض الانتباه إلى أن رواية “الملاذ الآمن” لم تعد كافية وحدها لتفسير حركة الذهب. فالسوق لم تتصرف كما جرى الترويج له خلال فترات سابقة، لأن المستثمرين واجهوا في الوقت نفسه ارتفاعًا في توقعات التضخم واحتمال استمرار الفائدة المرتفعة، وهو ما جعل المعدن الأصفر يتحرك بعصبية بين طلب التحوط وضغط العائد على الدولار والسندات.
وفي هذا السياق، رأى بارت ميليك، رئيس استراتيجية السلع في تي دي سيكيوريتيز، أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة ليسا خبرًا جيدًا للذهب على المدى القريب، لأن السوق تعيد تسعير الفائدة لصالح بقاء السياسة النقدية مشددة فترة أطول. هذا التفسير ينسف الخطاب المبسط الذي يربط كل توتر جيوسياسي بصعود تلقائي ودائم للذهب دون النظر إلى كلفة العائد الضائع.
ضغط الطاقة والدولار يطارد المعدن الأصفر
ويبين مسار الأسعار خلال مارس أن الذهب لم يكن بمنأى عن موجة بيع واسعة، إذ تشير البيانات إلى تراجع شهري تجاوز 15 بالمئة، رغم بقاء الأسعار أعلى بكثير من مستويات العام الماضي. هنا تظهر المشكلة بوضوح، لأن السوق لم تعد تتعامل مع الذهب كأصل معزول، بل كأداة تتأثر فورًا بقفزات النفط، وبتشدد البنوك المركزية، وبالتحول السريع نحو الدولار عند اتساع المخاطر.
وأكد أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك، أن تعثر الذهب في الصعود رغم التوترات الجيوسياسية يعود إلى هيمنة عوامل الاقتصاد الكلي والعوامل الفنية، وفي مقدمتها ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار وتصفية المراكز المزدحمة. وبذلك يصبح الصعود المحلي الحالي أقل دلالة على متانة السوق، وأكثر تعبيرًا عن ارتداد محدود داخل موجة عالمية ما زالت قابلة للضغط والتراجع.
وفي موازاة ذلك، زادت اضطرابات الطاقة من تعقيد الصورة، بعدما بقي خام برنت قريبًا من مستوى 100 دولار للبرميل وسط اضطراب تدفقات الشحن ومخاوف الإمداد المرتبطة بمضيق هرمز. هذه التطورات ترفع كلفة النقل والتصنيع وتغذي توقعات التضخم، لكنها في الوقت نفسه تدفع البنوك المركزية إلى مزيد من الحذر، وهو ما يسحب من الذهب جزءًا مهمًا من بريقه قصير الأجل.
الملاذ الآمن تحت اختبار الثقة
وأشار هذا الأداء المتقلب إلى أن الذهب يمر باختبار ثقة حقيقي، لا سيما بعد هبوطه من قمم يناير 2026 التي تجاوزت 5400 دولار للأوقية إلى مستويات تدور قرب 4494 دولارًا في نهاية الأسبوع الماضي. الفارق هنا ليس رقمًا عابرًا، بل إشارة إلى أن السوق تعاقب المبالغة في التوقعات عندما تتغير شروط السيولة والفائدة، حتى لو بقيت التوترات السياسية قائمة.
ويرى نِكي شيلز، من إم كي إس بامب، أن الذهب ما زال يحتفظ بعوامل دعم هيكلية، تشمل استمرار التنويع في مشتريات البنوك المركزية وعودة المخاوف التضخمية وتراجع الحساسية التقليدية تجاه الدولار والعوائد. لكن هذا الرأي، على أهميته، لا يلغي أن السوق الحالية تعيش فجوة واضحة بين الدعم طويل الأجل والضغط قصير الأجل، وهي فجوة يدفع ثمنها المتعامل المحلي أولًا.
وفي ظل هذا التباين، يصبح الاندفاع وراء الصعود المحلي اليومي قراءة ناقصة إذا لم يُنظر إلى الخلفية الأوسع. فالمستهلك الذي يرى زيادة ثلاثين جنيهًا في الجرام قد يظن أن السوق استعادت توازنها، بينما الوقائع تشير إلى أن هذا الصعود جرى داخل مناخ عالمي ما زال هشًا، وأن أي قوة جديدة للدولار أو تشدد إضافي في الفائدة قد تعيد الضغط سريعًا على الأسعار.
وأخيرا أكدت حركة الذهب في نهاية مارس أن السوق لا تكافئ الخطاب الدعائي ولا تستجيب للرغبات، بل تحاسب على الوقائع الصلبة. لذلك فإن الارتفاع المحلي المسجل اليوم لا ينبغي تقديمه باعتباره انتصارًا للسوق، بل باعتباره هدنة مؤقتة داخل أزمة تسعير مفتوحة. وما لم تنكسر ضغوط الدولار والطاقة والفائدة، سيظل الذهب يتحرك كملاذ مرتبك، لا كحصن مضمون، وسيبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن هذا الارتباك كل مرة.

