أعلنت طهران، الخميس 26 مارس، تصعيدًا جديدًا في الحرب المفتوحة منذ 28 فبراير، وقال الحرس الثوري إنه نفذ خلال الساعات الأخيرة موجات متتالية من الصواريخ والمسيرات ضد أهداف أميركية وإسرائيلية، بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن رصد إطلاقات جديدة من إيران وتزامن بعض الهجمات مع نيران آتية من لبنان. لكن خلف هذا الضجيج العسكري، تقف حقيقة أبسط وأخطر: الحرب لا تقترب من الحسم، بل تدخل طورًا أطول، أقل كثافة أحيانًا وأكثر تعقيدًا في التوقيت والرسائل.
صواريخ أقل عددًا وأكثر إرباكًا
الرواية الإيرانية تتحدث عن نحو 110 هجومًا صاروخيًا خلال 24 ساعة، بينما لا تؤكد المصادر المستقلة هذا الرقم نفسه، لكنها تثبت استمرار القصف على دفعات منذ فجر الخميس، مع إنذارات متكررة داخل إسرائيل، وإصابات وأضرار متفرقة، في وقت قالت فيه تقارير إسرائيلية إن الجيش رصد إطلاقات عدة من إيران منذ الصباح. المهم هنا ليس الرقم المجرد فقط، بل أن طهران ما زالت قادرة على إبقاء الجبهة مشتعلة رغم أسابيع من الضربات الأميركية والإسرائيلية على منصات الإطلاق والبنية العسكرية.
هذا التحول شرحه مارك كانسيان، المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، حين قال إن إطلاقات إيران هبطت سريعًا بعد الأيام الأولى، لكنها احتفظت بـ«قدرة إطلاق باقية» ما زالت تُحدث ضررًا، خصوصًا ضد منشآت الطاقة والبنية الحساسة. المعنى أن الحرب انتقلت من منطق الرشقات الضخمة إلى منطق الاستنزاف المستمر. إيران لا تحتاج إلى وابل دائم بالحجم القديم كي تقول إن الجبهة لم تُغلق، وإن خصومها لم ينجحوا في شل قدرتها بالكامل.
ويظهر هذا بوضوح في مسألة التزامن بين الجبهات. تقرير منشور في «واي نت» قال إن صواريخ من إيران وراجمات من لبنان انطلقت في التوقيت نفسه نحو الوسط والشمال، في أول ضربة منسقة بهذا الشكل خلال الحرب. هذه ليست مجرد مصادفة نارية. هي رسالة عملياتية وسياسية معًا: حتى لو تراجعت كثافة القصف الإيراني، فإن توسيع الإيقاع الزمني مع حزب الله يضاعف الضغط على الإنذار والدفاع والداخل الإسرائيلي.
اختراق الدفاع لا يحتاج دائمًا إلى كثافة
الخبير تال إنبار، المتخصص في شؤون الصواريخ، يلفت إلى نقطة أكثر حساسية: الصعوبة لم تعد فقط في عدد الصواريخ، بل في نوعيتها وطريقة التعامل معها. إنبار قال إن اعتراض الذخائر العنقودية أصعب تقنيًا من اعتراض الصاروخ التقليدي، لأن الضرب يجب أن يتم قبل انفصال الحمولة، وإلا يصبح المنع شبه مستحيل. وهذا يفسر لماذا لم تعد المسألة مجرد حساب بين عدد الصواريخ وعدد الصواريخ الاعتراضية، بل معركة إنهاك وتكلفة واختراقات محدودة لكن مؤذية.
من هنا يبدو الحديث الإسرائيلي المتكرر عن «تدمير أغلب القدرات» أقل حسمًا مما يريد أصحابه. فحتى مع تقديرات إسرائيلية وأميركية عن تعطيل نسبة كبيرة من منصات الإطلاق، ما زالت الصواريخ تعبر، وما زالت صفارات الإنذار تعمل، وما زالت الحرب اليومية قادرة على فرض كلفة اقتصادية ونفسية وعسكرية. لذلك فإن أي خطاب عن اقتراب النهاية يصطدم بواقع أبسط: الطرف المقابل لم يفقد بعد القدرة على الإيلام.
تسريبات قاليباف: خبر غير محسوم ودلالة لا يمكن تجاهلها
في موازاة القصف، خرجت تسريبات عبر القناة 14 الإسرائيلية تتحدث عن هجوم حاد شنه محمد باقر قاليباف على قيادة الحرس الثوري، وبالأخص أحمد وحيدي، خلال اجتماع داخلي، مع اتهامات بسوء إدارة الأموال والتشكيك في القدرة على وقف الأميركيين خارج إيران أو في هرمز. هذه الرواية لم تؤكدها طهران، ولا توجد حتى الآن مصادر مستقلة تثبت نصها أو توقيتها، ما يفرض التعامل معها باعتبارها تسريبًا سياسيًا غير محسوم، لا حقيقة نهائية. لكن مجرد رواجها يكشف أين يتركز الضغط: المال، القيادة، وسؤال من يدير الحرب فعليًا.
الخبير علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، قال بوضوح إن الحرس الثوري صار الدولة نفسها، وإن القوة الحقيقية باتت تميل إليه مع ضعف الغطاء المدني التقليدي. هذا التقدير يجعل أي تسريب عن صدام داخل هذا المركز الصلب ذا قيمة سياسية، حتى لو لم يثبت نصًا. فإذا كان الحرس هو من يمسك البلد، فإن أي خلاف داخله لا يُقرأ كخلاف إداري عابر، بل كعلامة على توتر داخل غرفة القيادة نفسها. في المقابل، حذر واعظ أيضًا من الوهم القائل إن ضرب الصف الأول سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار سريع، لأن النظام يملك طبقات بديلة وقدرة على إعادة إنتاج القيادة.
ويدعم هذا الفهم ما كتبته سانام وكيل من «تشاتام هاوس»، حين رأت أن استراتيجية إيران القائمة على «الدفاع المتقدم» انقلبت عليها، وأن الشبكة الإقليمية التي بُنيت لإبعاد الحرب عن الحدود الإيرانية ساهمت في جرها إلى مواجهة مباشرة أوسع. لهذا يصعب قراءة ما يجري بوصفه مجرد رد عسكري على ضربة سابقة. نحن أمام أزمة بنيوية في نموذج الردع الإيراني نفسه: الوكلاء تحت الضغط، والجبهة الداخلية مضروبة، والحرس مطالب بالقتال وإدارة الدولة في وقت واحد.
الحرب بدأت بضربة مشتركة ولم تعد تحت السيطرة
الثابت حتى الآن أن الحرب الحالية انفجرت بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية الواسعة التي بدأت صباح 28 فبراير، واستهدفت برامج إيران الصاروخية والنووية ومراكزها العسكرية، ثم تبعتها ردود إيرانية على إسرائيل وقواعد أميركية وحلفاء إقليميين. ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف التصعيد، بل تبدلت فقط أدواته وأولوياته. إسرائيل ما زالت تقدم الحرب باعتبارها عملية استباقية لإزالة تهديد مباشر، لكن النتيجة العملية بعد 4 أسابيع ليست إزالة الخطر، بل تعميمه على أكثر من جبهة وأكثر من عاصمة وأكثر من ممر بحري.
وفي الأخير فما يجري الآن لا يدعم رواية الحسم الإسرائيلي، ولا يؤكد في المقابل قدرة إيران على قلب الطاولة. ما يثبته فقط هو أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تركيبًا: قصف أقل عددًا لكنه أذكى توقيتًا، دفاعات تُستنزف، تسريبات عن تصدعات داخلية لم تُحسم، وقيادة إيرانية تبدو مضطرة إلى القتال والتفاوض وترتيب بيتها الداخلي في اللحظة نفسها. وهذه ليست علامات قوة صافية عند أي طرف. إنها علامات حرب خرجت من الحسابات السريعة، وتحوّلت إلى اختبار استنزاف مفتوح.

