لا يعد القرار الذي قضى بضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية إجراءً إداريًا محدودًا. هو حلقة جديدة في مسار واضح. الدولة لا تكتفي بإدارة التعليم العسكري داخل حدوده التقليدية، بل تنقل مؤسسات وبرامج ومجالات تدريب جديدة إلى قلب المنظومة العسكرية نفسها. النتيجة ليست فقط تغييرًا في تبعية كلية. النتيجة أن مؤسسة واحدة تزداد سيطرة على مسارات إعداد الكوادر، وعلى تعريف ما تعتبره الدولة «الخريج المناسب» قبل دخوله سوق العمل.

 

المسار لم يبدأ الآن. في 4 يوليو 2022 صدرت القوانين التي أنشأت الأكاديمية العسكرية المصرية والكلية العسكرية التكنولوجية ككيانين منفصلين داخل الإطار العسكري نفسه. ثم اتسعت وظيفة الأكاديمية بعد ذلك، ولم تعد محصورة في تخريج ضباط الكليات القتالية فقط، بل صارت تضم كليات ومعاهد وتدير مسارات قبول وتدريب وتأهيل أوسع. وحتى في إعلان قبول دفعة أكتوبر 2025، كانت الكلية العسكرية التكنولوجية ترد بالفعل ضمن منظومة القبول التابعة للأكاديمية العسكرية المصرية.

 

من كلية مستقلة إلى ذراع داخل مركز أكبر

 

جوهر القرار الجديد ليس فقط ضم الكلية العسكرية التكنولوجية إداريًا. جوهره أنه يرسخ انتقالها إلى إطار أكثر مركزية، حيث تصبح خاضعة لقوانين ولوائح الأكاديمية العسكرية، حتى مع استمرار العمل ببعض لوائحها الحالية ما لم تتعارض مع النظام الجديد، وفق الصيغة المعلنة. هذا يعني عمليًا أن الاستقلال النسبي الذي وُجد منذ إنشاء الكلية في 2022 يتراجع لصالح نموذج يجمع القرار والإشراف والقبول والتقييم داخل مؤسسة واحدة.

 

هذه المركزية ليست صدفة. في 30 يناير 2026 قال عبد الفتاح السيسي، خلال زيارة إلى الأكاديمية العسكرية، إن فلسفة الأكاديمية تقوم على «مسار موحد لبناء الشخصية» وضمان الجدارة في التعليم والتقييم، وأضاف أن الدولة تريد نموذجًا يُحتذى به في التعليم القائم على الانضباط والرقمنة والاختيار الموضوعي، وأعلن أيضًا أنه ستكون هناك 4 كليات جديدة في مجالات الهندسة والبرمجيات والطب والعلاج الطبيعي. هذه التصريحات لا تشرح قرار الضم فقط. هي تضعه داخل تصور أوسع: الأكاديمية ليست مجرد مدرسة ضباط، بل نموذج تريد الدولة تعميمه.

 

هذا التوسع ظهر قبل القرار الحالي بوضوح. الرئاسة أعلنت في 14 مايو 2025 اجتماعًا ضم السيسي ووزير التعليم ومدير الأكاديمية العسكرية لبحث تطوير آليات اختيار وتأهيل الكوادر التعليمية، وعلى رأسها المعلمون. وفي 2024 أعلنت وزارة الدفاع تخريج دورات من العاملين بوزارتي النقل والمالية داخل الأكاديمية نفسها، مع حديث رسمي صريح عن إعداد كوادر مدنية تعمل وفق أعلى درجات «الانضباط الذاتي». هذه ليست شواهد متفرقة. هي سياسة معلنة تنقل الأكاديمية من نطاقها العسكري إلى المجال المدني والتعليمي والإداري.

 

فلسفة الخريج المنضبط أم تضييق التعددية

 

الدولة تقول إن المسألة تتعلق بإعداد «خريج متكامل» قادر على العمل تحت الضغط والتعامل مع المجتمع والانضباط داخل المؤسسة. هذه هي الرواية الرسمية. لكن الباحثة إيزيس الكاشف قرأت المسار نفسه بصورة أكثر مباشرة، واعتبرت أن إنشاء الأكاديمية العسكرية كجامعة عسكرية ومنحها شهادات معادلة لشهادات الجامعات المدنية يفتح الباب لمزيد من العسكرة غير المباشرة للتعليم المصري، ويقلص الأدوار المدنية داخل المنظومة التعليمية. هذا الرأي لا ينطلق من موقف إنشائي، بل من متابعة لتوسع المؤسسة العسكرية في المدارس والوزارة والقرارات المنظمة للتعليم.

 

القلق نفسه لم يعد نظريًا. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية انتقدت في 18 يناير 2025 قرارًا حكوميًا رسخ تدريبات الأكاديمية العسكرية في اختبارات المعلمين، وقالت إن تعديلات 2022 فتحت بابًا لشرعنة تدخل الأكاديمية في قرارات تعيين المعلمين والمعلمات بعد اجتيازهم الاختبارات القانونية. كما أشارت إلى قضايا تخص مستبعدين من التعيين بسبب الوزن وكشف الهيئة والحمل. معنى ذلك أن نموذج الانضباط العسكري لم يعد مسألة تدريب إضافي، بل صار يدخل إلى شروط الفرز والاختيار في مهن مدنية خالصة.

 

هنا يصبح ضم الكلية العسكرية التكنولوجية أكثر من مجرد إعادة هيكلة. هو خطوة ضمن اتجاه يعيد تعريف الكفاءة نفسها. الكفاءة لم تعد فقط تخصصًا ومعرفة ومهارة أكاديمية داخل مؤسسة متنوعة. بل تقترب أكثر من قالب واحد في الاختيار والتقييم وبناء الشخصية. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تريد الدولة تطوير التعليم العالي، أم توحيده تحت فلسفة واحدة ترى الانضباط العسكري هو المرجع الأعلى لكل مسار؟

 

بين التطوير والهيمنة

 

الباحث يزيد صايغ، في أعماله عن تمدد المؤسسة العسكرية في مصر، خلص إلى أن الفاعلين العسكريين وسعوا ميزتهم البنيوية في المجالين العام والمدني، وأن الإنتاج والمشروعات العسكرية في المجال المدني باتت واسعة إلى حد يستدعي إطارًا وطنيًا للمحاسبة والمتابعة. قد لا يكون حديثه منصبًا على التعليم وحده، لكنه يشرح الخلفية التي يجعل قرارًا كهذا ممكنًا ومفهومًا: المؤسسة العسكرية لا تتوسع في قطاع واحد، بل في منطق إدارة الدولة نفسه. وعندما يحدث ذلك في التعليم، تكون النتيجة أشد حساسية من الاقتصاد، لأن الأمر يتعلق بتشكيل الأجيال لا فقط بإدارة الموارد.

 

وفي المقابل، لا يخلو المشهد من أصوات ترى في دخول الجيش إلى التعليم حماية أو ضبطًا. رئيس المعاهد القومية التعليمية الأسبق ناجي الشهابي قال في تصريحات سابقة نقلها السفير العربي إن «التعليم مسألة أمن قومي». لكن المفارقة أن هذا المنطق نفسه هو ما يوسع الباب أمام نقل مزيد من المؤسسات التعليمية إلى المظلة العسكرية، بحيث يصبح كل اعتراض على المركزية أو الاستقلالية قابلًا للتصوير كأنه اعتراض على «الأمن القومي» نفسه. وعند هذه النقطة، لا يعود الخلاف حول الجودة فقط، بل حول من يملك تعريف التعليم أصلًا.

 

الخلاصة أن ضم الكلية العسكرية التكنولوجية إلى الأكاديمية العسكرية لا يمكن قراءته كقرار فني معزول. هو جزء من مرحلة أوسع يتراجع فيها الحد الفاصل بين التعليم العسكري والتعليم العالي عمومًا. الدولة تسمي ذلك تطويرًا وانضباطًا وجدارة. لكن النتيجة الفعلية على الأرض هي مزيد من المركزية، ومزيد من نفوذ الأكاديمية العسكرية، ومزيد من الضغط على فكرة التعددية الأكاديمية واستقلال المؤسسات المدنية. وفي ملف بهذه الحساسية، لا يكفي أن يُقال إن الهدف هو «إعداد خريج أفضل». السؤال الأهم هو: خريج على أي صورة، وتحت إدارة من، ولخدمة أي دولة تريدها السلطة؟