محمد أبو رمان
أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع
تبدو الضربات العسكرية الإسرائيلية أخيرًا على البنى التحتية في جنوب سورية، تحت عنوان "حماية الدروز في السويداء"، أقرب إلى رسالة سياسية مركّبة، مفادها بأنّ الانخراط في مواجهة كبرى مع إيران لا يعني تجميد بقية الملفّات، بل العكس، إذ يجري التعامل مع الحرب بوصفها إطارًا جامعًا يسمح بإعادة هندسة المجال الإقليمي، وفرض وقائعَ جديدةً في أكثر من ساحة، من الجنوب السوري إلى غزّة والضفة الغربية، وصولًا إلى لبنان، ضمن تصوّر أوسع يتجاوز فكرة الردع التقليدي إلى صياغة بيئة استراتيجية مختلفة. يتقاطع هذا المعنى بوضوح مع ما ورد في مقال نشرته صحيفة إسرائيل اليوم (20 مارس الجاري) للباحث الإسرائيلي إيال زيسر، بعنوان "الحدود الجديدة لإسرائيل بانتظار موافقة ترامب"، الذي يُقدّم قراءةً لافتةً حول ما يسمّيها "الحدود الجديدة"، ويوضح أنّ ما يجري على الأرض بمثابة مسار متدرّج لتكريس حدود فعلية جديدة بانتظار غطاء سياسي أميركي، وتحديدًا من دونالد ترامب، الذي يُنظر إليه العامل الحاسم في منح هذه التحوّلات شرعية رسمية أو إبقائها ضمن مستوى القبول الضمني.
يشير زيسر إلى أنّ إسرائيل تعمل على تثبيت وقائع ميدانية في أكثر من ساحة، في جنوب لبنان وفي الجبهة السورية وفي قطاع غزّة، مع تلميحات إلى الضفة الغربية، فتتحوّل خطوط التماسّ العسكرية تدريجيًا إلى حدود سياسية محتملة، وهو ما يعكس انتقالًا من إدارة الصراع ضمن حدود قائمة إلى إعادة رسم هذه الحدود نفسها وفق موازين القوّة الجديدة. يرتبط هذا التحوّل مباشرةً بالمفهوم الذي يعيد بنيامين نتنياهو تأكيده في خطاباته أخيرًا، فكرة "تغيير وجه الشرق الأوسط"، وهي عبارة تتحوّل تدريجيًا إلى مبدأ ناظم لصنع القرار، يتجلّى في توسيع نطاق العمليات، وفي الجرأة على اختبار حدود القوّة، وفي الانتقال من إدارة التهديدات إلى إعادة تشكيلها، بما يتوافق مع رؤية إسرائيل لمستقبل الإقليم، وبما يعكس ثقةً متزايدةً بقدرتها على فرض هذه الرؤية.
يعزّز خطاب نتنياهو (في 19/3/2025) هذا الاتجاه، عندما أشار فيه إلى أنّ إسرائيل أصبحت قوّةً إقليميةً عظمى في المنطقة، ولم تعد تتحرّك من موقع الدفاع عن النفس، إذ تعكس هذه الصياغة تحوّلًا في تصوّر الذات من التيار الرئيس في السياسات الإسرائيلية اليوم، وفي تعريف الدور، وتنسجم مع طبيعة العلاقة التي تشكّلت مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، إذ نشهد مستوى غير مسبوق من التنسيق، لا يقتصر على الدعم السياسي أو العسكري التقليدي، بل يمتدّ إلى تقاطع استراتيجي حول شكل الإقليم وإعادة ترتيبه. ضمن هذا السياق، تبرز أهمية أنّ هذه هي المرّة الأولى التي يخوض فيها الجيشان الأميركي والإسرائيلي حربًا مشتركةً بهذا الشكل المباشر ضدّ إيران، فالتاريخ القريب شهد أنماطًا متعدّدةً من الدعم الأميركي لإسرائيل، إلا أنّ الانتقال إلى مستوى الحرب المشتركة يعكس تحوّلًا نوعيًا، ويعيد إلى الأذهان تجربة 1956 عندما تحالفت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا ضدّ مصر بعد قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، مع فارق جوهري يتعلّق بعمق التداخل الحالي بين القرارَين السياسيَّين والعسكريَّين في واشنطن وتل أبيب.
ما يلوح في الأفق، كما يعكسه المقال، يتجاوز مسألة موازين القوى أو قواعد الاشتباك، ليصل إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية نفسها؛ فثمّة اتجاه إلى تكريس السيطرة على أجزاء من قطاع غزّة، وتعزيز مسار الضمّ في الضفة الغربية، وتثبيت حضور عسكري في جنوب لبنان وسورية، بما يؤدّي إلى إنشاء حزام أمني واسع، منزوع القدرات العسكرية الثقيلة، يحيط بإسرائيل ويقلّص إلى الحدّ الأدنى من مصادر التهديد التقليدية.
يرتبط هذا المسار أيضًا برؤية أوسع تجاه الدول المحيطة، ففي الحالة السورية يظهر الميل إلى إضعاف بنية الدولة واستنزاف قدرتها على إعادة التشكل، بما يمنعها من التحوّل مجدّدًا إلى مصدر تهديد، وفي الحالة الإيرانية تتجاوز الأهداف مسألة تغيير السلوك أو حتى تغيير النظام، لتشمل سيناريوهات التفكيك الداخلي، أو إدخال البلاد في حالة من الفوضى الممتدّة، وهو ما ينعكس على كامل التوازنات في الخليج وآسيا الغربية.
في ضوء هذا، تكتسب فكرة "الحدود الجديدة" معنىً أعمق، فهي لا تشير فقط إلى خطوط جغرافية، بل إلى تصوّر كامل لإعادة ترتيب الإقليم، يقوم على إضعاف الدول المركزية الكبيرة، ودفعها نحو أشكال من التفتّت أو إعادة التشكّل الداخلي، وهو ما يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف، تتراجع فيه الدولة الوطنية التقليدية، وتبرز فيه كيانات أصغر وأكثر هشاشة، ضمن بيئة تتيح لإسرائيل تثبيت تفوّقها الإقليمي على المدى الطويل.
في هذا الأفق الأوسع، يمكن استدعاء ما طرحه تشارلز تيلي حول العلاقة بين الحرب وبناء الدولة، حين رأى أنّ الحروب ليست مجرّد أدوات للصراع، بل محرّكات لإعادة تشكيل الكيانات السياسية نفسها، وقد أفضت الحروب الدينية في أوروبا إلى ولادة الدولة الحديثة، فيما جاءت الحرب العالمية الأولى لتنتج الخريطة السياسية الراهنة للشرق الأوسط عبر اتفاقات مثل سايكس – بيكو، التي رسمت الحدود وأعادت تشكيل الدول. من هنا، يفرض السؤال نفسه اليوم، في ظلّ هذه الحرب وما يتخلّلها من حديث عن حدود جديدة ووقائع تُفرض بالقوّة، عمّا إذا كنّا أمام لحظة تاريخية مشابهة، تُعاد فيها صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، لا على مستوى موازين القوى فقط، بل أيضًا على مستوى الحدود والكيانات نفسها، بما قد يفتح الباب أمام شرق أوسط مختلف عمّا عرفناه خلال القرن الماضي.
إلى أيّ مدى يمكن القول إنّ هذا توجّه إسرائيلي منفرد وليس متّصلًا بدوائر قرار في واشنطن أو تلك التي تؤثّر فيها بصورة كبيرة، بخاصّة الحركة الإنجيلية الأصولية، التي باتت لاعبًا كبيرًا في سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط، وإلى أيّ مدى يمكن أن نعتبر هذه النظرية الصهيونية جديدة، أم هي قديمة لكن آن الأوان في العقل الصهيوني، وسنحت الفرصة لتحقيقها على أرض الواقع اليوم؟ والسؤال الأكثر أهميةً، ومع تلاشي نظرية الأمن القومي العربي وتدهور ما يرتبط بها من مؤسّسات قومية وحلول التصوّرات الإقليمية بديلًا منها: إلى أي مدى تملك الدول العربية والإسلامية المعنية بذلك (خصوصًا ما بات يُسمّى اليوم المجموعة العربية الإسلامية) نظريةً استراتيجيةً وأمنيةً للمنطقة في مواجهة هذا التصوّر عمليًا، وليس فقط عبر الخطّ الدبلوماسي المحدود؟

