لم تحتج السكك الحديدية في مصر إلى كارثة جماعية جديدة كي تفضح خللها القديم. يكفي حادثان متقاربان في أيام قليلة. الأول، بحسب رواية نقلتها مواقع صحفية عن مصدر بالهيئة القومية لسكك حديد مصر، انتهى بمصرع عاملين خلال فحص عطل فني قرب الواسطى في بني سويف بعد اصطدام القطار رقم 935 بهما أثناء وجودهما في موقع العمل. والثاني موثق في قليوب، حيث لقي شاب مصرعه وهو يعبر مزلقان روز اليوسف بدراجته النارية، فصدمه القطار ومات في الحال.
المشهد واحد مهما اختلفت التفاصيل: عمال يموتون أثناء العمل، ومواطنون يموتون عند المزلقانات، بينما تواصل الدولة الحديث عن التطوير بوصفه إنجازا مكتمل الصورة، لا ملفا مفتوحا على الدم والخطر اليومي. واقعة قليوب مؤكدة في تغطية منشورة يوم 22 مارس 2026، أما واقعة الواسطى فلم أعثر لها حتى الآن على تأكيد مستقل من مصدر منشور آخر، ولذلك تبقى منسوبة إلى المصدر الذي نقلته المنصة.
عمال يموتون في الخدمة.. وسلامة التشغيل لا تزال أضعف من الخطر
الرواية المنقولة عن مصدر بالسكة الحديد تقول إن محمد فؤاد عبد العال، كهربائي وردية برج إشارات الواسطى، وشعبان عويس محمد، غفير منفذ العطف، كانا يفحصان عطلا فنيا عند الكيلو 88.500 بحري مزلقان العطف قرب مدينة الواسطى، قبل أن يمر القطار رقم 935 خط الأقصر – الإسكندرية ويصطدم بهما، فيموتا في الحال. الهيئة، بحسب الرواية نفسها، أبلغت الجهات المختصة وأنهت الإجراءات الرسمية وقدمت العزاء، مؤكدة أن الواقعة حدثت أثناء أداء الزميلين لعملهما. وإذا صحت هذه التفاصيل، فالمسألة لا تتعلق بخطأ فردي بسيط، بل بسؤال مباشر عن إجراءات تأمين فرق الفحص والصيانة على الخطوط الحية، وكيف يمكن أن يوجد عاملان داخل نطاق خطر قاتل بلا حماية كافية تضمن وقف الحركة أو عزل موقع العطل أو تأمينه تماما. هذه نقطة لا يجوز الهروب منها إلى بيانات النعي والمواساة.
الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق، قال في حديث منشور إن استخدام أحدث النظم الإلكترونية العالمية يقلل تدخل العنصر البشري ويخفض الأخطاء التي كانت ترتكب قديما. هذه العبارة تبدو هنا شديدة الدلالة. لأن موت عاملين أثناء فحص عطل، إن ثبتت روايته كما نُقلت، يعني أن الفجوة ما زالت قائمة بين خطاب التحديث وبين إجراءات الحماية الفعلية في مواقع التشغيل. لا يكفي أن تتحدث الدولة عن إشارات حديثة ومحطات جديدة، بينما يبقى العامل نفسه مكشوفا داخل مسار الخطر. السلامة هنا ليست بندا دعائيا. هي الفارق بين عودة العامل إلى بيته أو نقله جثة.
مزلقانات الموت ما زالت تعمل.. والضحايا يتبدلون فقط
حادث قليوب أوضح وأسهل في التوثيق. مديرية الأمن تلقت بلاغا. الأجهزة الأمنية والإسعاف انتقلت. الفحص أثبت أن الشاب كان يعبر شريط السكة الحديد مستقلا دراجته النارية عند مزلقان روز اليوسف، فصدمه القطار وتوفي في الحال. نُقل الجثمان إلى مشرحة المستشفى، وفرضت الشرطة طوقا في محيط الموقع لتسيير الحركة، وتولت النيابة التحقيق. هذه الصيغة الإجرائية تتكرر في حوادث السكة الحديد حتى صارت محفوظة. الجديد كل مرة هو اسم الضحية فقط. أما المزلقان، والخطر، وغياب الردع أو الحماية الكافية، فتبقى كما هي.
الدكتور حسن عبد الظاهر، أستاذ الطرق والكباري بجامعة عين شمس، كان واضحا حين قال إن المزلقانات ومناطق العبور العشوائية ليست مسؤولية مرفق السكة الحديد وحده، بل مسؤولية المحليات أيضا، لأن القطار يحتاج إلى نحو 1 أو 1.5 كيلومتر كي يتوقف بعد استخدام المكابح، ولأن ترك المواطنين يكسرون الأسوار أو يعبرون من نقاط غير مؤمنة من دون إنشاء كباري أو ممرات بديلة يفتح باب الكارثة. هذا الكلام لا يبرئ أحدا. بل يوسع دائرة المسؤولية. فإذا كانت المزلقانات العشوائية أو غير المؤمنة معروفة، فإن تركها قائمـة هو قرار بالإهمال قبل أن يكون مجرد تقصير إداري.
المفارقة أن الهيئة نفسها تعلن منذ شهور خططا واسعة لتطوير المزلقانات ورفع مستوى السلامة وتقليل الحوادث. ووفقا لبيانات منشورة في ديسمبر 2025، قالت الهيئة إنها طورت 839 مزلقانا من إجمالي 1120 على مستوى الجمهورية، بينما تحدثت خطة الدولة عن الوصول إلى 1120 مزلقانا مطورا بحلول 2030، مقارنة بنحو 653 مزلقانا في 2022. على الورق، تبدو الأرقام كبيرة. لكن على الأرض، ما زال الناس يموتون عند المزلقانات، وما زال الخطاب الرسمي عاجزا عن إقناع الشارع بأن التطوير سبق الحادث لا لحقه. حين يستمر الموت رغم هذه الأرقام، يصبح من حق الناس أن تسأل: أين يذهب أثر التطوير إذا كانت النتيجة لا تزال جثة عند كل مزلقان؟
الخلل أعمق من حادثتين.. إنه عطب مزمن في المنظومة كلها
القراءة الأوسع لا تسمح باعتبار ما جرى في الواسطى وقليوب مجرد مصادفة مزدوجة. الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق والمرور، قال في تصريح منشور إن هناك قصورا قائما في منظومة النقل، وإن مرفق السكة الحديد “متهالك تماما” ولا يمكن الاعتماد عليه من دون إعادة تأهيل ودراسات فنية جادة. قد يكون التصريح قديما، لكنه يستعيد صلاحيته كلما وقع حادث جديد يثبت أن أصل الأزمة لم يُحسم. ومعه أشار الخبير حمدي عرفة إلى أن عدد المزلقانات كبير، وأن العاملين يحتاجون إلى اهتمام حقيقي بالأجور والتدريب، لأنهم يديرون نقاطا شديدة الحساسية في 27 محافظة. هذا التشخيص يربط بين سلامة المواطن وسلامة العامل نفسه. فالعامل غير المدرب أو غير المحمي جيدا يصبح ضحية محتملة، والمواطن الذي يمر على مزلقان غير مأمون يبقى بدوره رهينة للصدفة.
الخلاصة أن حادث الواسطى، إذا ثبتت كل تفاصيله كما نُقلت، وحادث قليوب المؤكد، يكشفان شيئا واحدا: السكة الحديد في مصر لم تخرج بعد من دائرة الخطر اليومي، رغم سنوات الحديث عن التطوير. العامل يموت وهو يصلح. والمواطن يموت وهو يعبر. والهيئة ترد بخطط، والشرطة ترد بمحاضر، والنيابة ترد بتحقيقات، ثم تعود الحركة كأن شيئا لم يكن. لكن الحقيقة أبسط وأقسى: حين تصبح القضبان مكانا آمنا للبيانات الرسمية أكثر منها للبشر، فإن المشكلة ليست في حادث منفرد، بل في منظومة ما زالت أبطأ من الموت وأسرع من المحاسبة.

