تواجه الأسواق المحلية حالة من الترقب الشديد عقب الكشف عن توجهات رسمية لتقليص ساعات العمل في المحال التجارية لتبدأ الإغلاق في تمام الساعة 9 مساءً خلال أيام الأسبوع والـ10 في العطلات. تأتي هذه الخطوات في إطار محاولات التعامل مع أزمة استهلاك الغاز المتصاعدة التي أدت إلى عجز واضح في الموارد المتاحة لتشغيل محطات التوليد. تسعى حكومة مصطفى مدبولي من خلال هذه الإجراءات التقشفية إلى كبح جماح الاستهلاك المرتفع وتوفير السيولة الدولارية المستنزفة في تأمين الشحنات الخارجية. تعتبر هذه القرارات جزءًا من خطة أوسع لترشيد الكهرباء بدأت بالفعل عبر إطفاء إنارة الشوارع واللوحات الإعلانية بنسبة 50%.
اختلالات هيكلية في إدارة موارد الطاقة
تتزايد الضغوط الاقتصادية مع تراجع معدلات الإنتاج المحلي من الحقول الطبيعية مما دفع الدولة للعودة إلى استيراد الغاز من إسرائيل لتغطية الفجوة المتسعة بين العرض والطلب. يشير الواقع الميداني إلى أن الاعتماد على الخارج في تأمين الطاقة يعكس هشاشة في ملف الاكتفاء الذاتي الذي كان معلنًا في سنوات سابقة. تسببت أزمة استهلاك الغاز في تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية نتيجة الارتفاع العالمي في الأسعار وتذبذب سلاسل الإمداد. تتزايد الضغوط الاقتصادية مع تراجع معدلات الإنتاج المحلي من الحقول الطبيعية. يعاني ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي، من "اعتماد مصر على استيراد الغاز والمازوت يدل على فشل التمويل والتخطيط"، مشيرًا إلى 21 شحنة بعقود آجلة تهدد بالعودة لتخفيف الأحمال.
تستند الرواية الرسمية في تبرير هذه التوجهات إلى الظروف الجيوسياسية المشتعلة في المنطقة وتداعيات الحروب المحيطة التي أثرت على تدفقات الوقود. يوضح تحليل المعطيات الرقمية وجود اختلالات هيكلية في إدارة الموارد أدت إلى تفاقم أزمة استهلاك الغاز بشكل غير مسبوق. يظهر ذلك بوضوح في العودة لتطبيق سياسات تخفيف الأحمال التي تذكر المواطنين بأزمات 2024 ولكن بظروف معيشية أكثر تعقيدًا. تسببت هذه الفجوة في نقص كميات الوقود الموردة للمصانع والمنشآت الحيوية مما أدى إلى تراجع الإنتاج الصناعي وزيادة الاعتماد على السلع المستوردة من الخارج لتعويض النقص.
تداعيات التبعية الطاقية والركود التجاري
تتجه المؤشرات الحالية نحو مزيد من القرارات الصارمة التي قد تطال قطاعات تجارية وخدمية واسعة لضمان استمرار تدفق الكهرباء للمنازل. تسببت أزمة استهلاك الغاز في وضع الحكومة أمام خيارات صعبة تتعلق بجدولة الاستهلاك وتقييد الحركة التجارية الليلية التي تعتمد عليها فئات واسعة من التجار. تؤدي هذه الإجراءات إلى حالة من الركود في القوة الشرائية وتراجع الأرباح في القطاعات غير الرسمية التي تمثل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد. في ظل غياب حلول جذرية لزيادة الاستكشافات المحلية تظل الدولة رهينة للتقلبات الخارجية في سوق الطاقة ولشروط الاستيراد التي تفرضها الجهات الموردة. يحذر مدحت يوسف، خبير الطاقة، من "صفقة الغاز الإسرائيلي حل مؤقت بـ7.40 دولار للمليون وحدة حرارية حتى 2040، مقابل 35 مليار دولار".
تؤكد البيانات الرسمية أن خفض ساعات العمل سيبدأ تنفيذه فعليًا عقب انتهاء إجازة عيد الفطر المبارك ليشمل كافة المحافظات دون استثناء. تستهدف هذه الخطوة توفير مبالغ ضخمة كانت تخصص لدعم الوقود الموجه لمحطات الكهرباء في وقت تعاني فيه البلاد من نقص حاد في العملة الصعبة. تظهر أزمة استهلاك الغاز كمحرك رئيسي لهذه السياسة الانكماشية التي قد تؤدي في النهاية إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي. يقول هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، "توقف المصانع بسبب نقص الغاز تأثير سلبي كميًا، نتيجة عدم التخطيط".

