في غزة، لم يعد السؤال في العيد عن الملابس الجديدة أو كعك العيد أو الزيارات العائلية، بل عن عدد الوجبات الممكنة، وكمية الماء التي يمكن توفيرها، وما إذا كان المريض سيتمكن من الوصول إلى دواء أو سرير أو معبر. أحدث التقديرات الإنسانية حتى مارس 2026 تظهر أن القطاع ما يزال يعيش أزمة مركبة: جوع واسع النطاق، نزوح جماعي، انهيار صحي، وتعثر متكرر في إدخال المساعدات والإخلاءات الطبية.
الأرقام نفسها تشرح لماذا صار العيد في غزة مناسبة مثقلة بالخوف لا بالفرح. فبحسب “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي”، يواجه نحو 1.6 مليون شخص في القطاع مستويات “أزمة” أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي حتى 15 إبريل 2026، بينهم 571 ألفًا في مستوى “الطوارئ” ونحو 1,900 شخص في مستوى “الكارثة”. وفي الوقت نفسه، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 18,500 مريض يحتاجون عاجلًا إلى علاج غير متوافر محليًا، بينما بقيت الإخلاءات الطبية معلقة منذ 28 فبراير 2026.
الجوع لم يعد احتمالًا.. بل نظام حياة يومي بالأرقام
أحدث صورة غذائية رسمية عن غزة تقول إن 77% من السكان الذين شملهم التحليل يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، وأن كامل القطاع ما يزال في حالة طوارئ غذائية حتى منتصف إبريل 2026. هذا لا يعني فقط نقص الطعام، بل يعني أن مئات الآلاف يعيشون على حافة الانهيار الغذائي: 571 ألف شخص في “الطوارئ”، وقرابة 1,900 في “الكارثة”، وهي المرحلة الأقرب إلى الموت جوعًا.
وفي ملف سوء التغذية، تبدو الصورة أكثر قسوة عند الأطفال والأمهات. تقديرات IPC الخاصة بسوء التغذية تشير إلى أن نحو 71 ألف طفل دون الخامسة يُتوقع أن يعانوا من سوء تغذية حاد خلال الفترة من إبريل 2025 إلى مارس 2026، بينهم 14,100 حالة شديدة، إضافة إلى نحو 17 ألف امرأة حامل ومرضع يحتجن إلى علاج من سوء التغذية الحاد. وفي تقييم أممي لاحق، قال نائب المدير التنفيذي لليونيسف تيد شيبان إن 100 ألف طفل في غزة يعانون من سوء التغذية الحاد ويحتاجون إلى رعاية طويلة الأجل.
تداعيات الحرب على الأطفال لا تتوقف عند الجوع. حتى 3 فبراير 2026، أفادت اليونيسف بمقتل 71,803 فلسطينيين في غزة، بينهم 21,289 طفلًا على الأقل، وإصابة 171,230، بينهم 44,500 طفل، مع أكثر من 11 ألف طفل مصابين بإصابات غيّرت حياتهم. كما سجلت الوكالة وفاة 11 طفلًا على الأقل هذا الشتاء بسبب البرد ونقص المأوى الملائم.
ورغم أن برنامج الأغذية العالمي قال إنه تمكن، خلال فترات تحسن الوصول، من تقديم حصص غذائية كاملة لأكثر من مليون شخص شهريًا وتشغيل مطابخ مجتمعية وفرت أكثر من 400 ألف وجبة يوميًا، فإن هذه الأرقام تعكس حجم الاعتماد الكامل على الإغاثة لا عودة الحياة الطبيعية. فالمساعدات هنا تبقي الناس على قيد الاحتمال، لا على قيد الاستقرار.
الماء والعلاج والمأوى.. أزمات متداخلة تصنع عيدًا بلا حياة
الجوع في غزة ليس ملفًا منفصلًا؛ إنه متشابك مع الماء والمرض والمأوى والمعابر. اليونيسف تقول إن نحو مليوني نازح اضطروا للبحث عن ماء نظيف أو صالح للشرب لتلبية احتياجاتهم الأساسية، فيما تمكنت وشركاؤها من توفير مياه نظيفة لأكثر من 1.6 مليون شخص، بينهم أكثر من 600 ألف طفل، عبر خزانات وشاحنات مياه وتحسينات إسعافية. وتشير البيانات نفسها إلى أن الحد الأدنى الذي أمكن توفيره في بعض المواقع بلغ 6 لترات للفرد يوميًا من المياه للاستخدامات الأساسية و9 لترات من المياه النظيفة للشرب، وهي أرقام تكشف أن الناس يعيشون عند حدود الضرورة القصوى لا أكثر.
أما القطاع الصحي، فالأزمة فيه موثقة بأرقام شديدة الدلالة. بحسب تحديث اليونيسف في فبراير 2026، لا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته في غزة، بينما يعمل 18 من أصل 36 مستشفى بشكل جزئي فقط. وعلى مستوى الرعاية الأولية، لا يعمل بالكامل سوى 3 مراكز من أصل 200، فيما يعمل 93 مركزًا جزئيًا. ومع هذا التآكل، تستمر الأمراض التنفسية والإسهالات الحادة والعدوى الجلدية في الانتشار، بينما ترتفع الولادات المبكرة ومنخفضة الوزن، مع حاجة نحو مولود من كل 5 مواليد إلى رعاية حديثي ولادة مكثفة أو تدفئة متخصصة.
الأزمة الصحية تتفاقم أكثر عند بوابة الخروج من القطاع. منظمة الصحة العالمية قالت في 11 مارس 2026 إن الإخلاءات الطبية بقيت معلقة منذ 28 فبراير، وإن أكثر من 18,500 مريض يحتاجون عاجلًا إلى علاج غير متوافر داخل غزة. كما أشارت إلى أن المستشفيات تواصل العمل تحت ضغط شديد وسط نقص الأدوية والمستلزمات والوقود، مع تقنين المتاح لتشغيل أقسام الطوارئ والإصابات والأمومة وحديثي الولادة ومكافحة الأمراض المعدية. وفي تحديث منفصل، أوضحت المنظمة أنه لم يدخل أي وقود إلى غزة بين 27 فبراير و2 مارس، واضطرت إلى توزيع 62,179 لترًا من مخزون موجود أصلًا داخل القطاع لدعم المرافق الصحية.
وفي خلفية ذلك كله، يتواصل تعثر الوصول الإنساني. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قال في 6 مارس 2026 إن التصعيد الإقليمي انعكس فورًا على غزة عبر إغلاقات للمعابر، وتعليق لتنسيق الحركة الإنسانية، ووقف للإخلاءات الطبية، بما قيد عمليات الإغاثة. كما قالت الأونروا إن السلطات الإسرائيلية تمنعها منذ مارس 2025 من إدخال موظفيها ومساعداتها مباشرة إلى القطاع، رغم أن لديها خارج غزة مواد غذائية ودقيقًا ومستلزمات إيواء تكفي مئات الآلاف.
غزة لا تعيش نقصًا عابرًا بل انهيارًا ممتدًا
أحمد الفرا، طبيب الأطفال الفلسطيني ومدير مستشفى الأطفال في مجمع ناصر الطبي، قال إن التحذيرات من وصول أكثر من 100 ألف طفل في غزة إلى سوء تغذية حاد بحلول إبريل 2026 “واقعية”، موضحًا أن اعتماد الأطفال على النشويات فقط مثل الأرز والمكرونة وشوربة العدس، مع غياب الحليب والبيض واللحوم، يدفع إلى تفاقم مضاعفات خطيرة مثل “الكواشيوركور”. وفي تصريح آخر، وصف سوء التغذية بأنه بات “أمرًا اعتياديًا” مع تزايد الحالات يوميًا، بما يطيل أمد التعافي ويضرب الأطفال الأضعف أولًا.
منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة في غزة، قدّم صورة أكثر مباشرة عن الانهيار الصحي: نقص الأدوية يقدّر بنحو 46% بسبب تقويض دخول المساعدات، وفق تصريح منشور في فبراير 2026، بينما حذر في مارس من أن استمرار منع دخول الوقود يهدد المستشفيات بالتوقف الكامل خلال 48 ساعة، مع خروج مستشفيات تخصصية مثل العيون وحمد والرنتيسي من الخدمة، وارتفاع عدد القتلى من الطواقم الطبية إلى 1,723. هذه ليست أزمة مستشفيات مزدحمة فقط، بل نظام صحي مأكول من الداخل.
عدنان أبو حسنة، المستشار الإعلامي للأونروا، قال إن لدى الوكالة نحو 6 آلاف شاحنة مساعدات تنتظر الإذن بالدخول إلى غزة، وإن ما دخل سابقًا لم يكن سوى “نقطة في بحر الاحتياجات”. كما لفت إلى أن أغلب سكان القطاع يشربون مياهًا ملوثة، وأن حتى المياه المقطرة ليست صالحة بنسبة 100% وفق الدراسات، مضيفًا أن مدنًا كاملة دُمرت وأن الحياة نفسها “اغتيلت” في أجزاء واسعة من القطاع. أهمية هذه الشهادة أنها تصدر عن مسؤول فلسطيني مطلع على سلاسل الإمداد والإغاثة، وتربط مباشرة بين الجوع والعطش وتعطل المعابر.
أما كاظم أبو خلف، المتحدث باسم اليونيسف في فلسطين، فاختصر البعد الإنساني الأكثر فجاجة بقوله إن “الحصول على اللقمة وشربة الماء هو حلم أطفال غزة الآن”، وإن ما يجري يمثل انهيارًا كاملًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، مع استخدام الجوع والماء ضمن أدوات الضغط على السكان. دلالة هذا الكلام لا تكمن في نبرته فقط، بل في توافقه مع الأرقام الرسمية التي تظهر أن الطعام والماء والعلاج والمأوى ما تزال كلها عند حدود الطوارئ القصوى في مارس 2026.
الحصيلة النهائية أن غزة تدخل العيد بملف إنساني مفتوح على كل شيء: 1.6 مليون شخص في مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، 71 ألف طفل دون الخامسة معرضون لسوء تغذية حاد خلال عام واحد، قرابة مليوني نازح يبحثون عن ماء نظيف، لا مستشفى يعمل بكامل طاقته، وأكثر من 18,500 مريض بلا ممر آمن للعلاج. في مثل هذا الواقع، لا يصبح الجوع مجرد أثر من آثار الحرب، بل يصير البديل الفعلي للبهجة، والمعنى الأكثر حضورًا في يوم يفترض أنه يوم فرح.

