يضرب الغلاء واحدا من أقدم طقوس العيد في مصر، ويدفع كعك العيد من مكانه الطبيعي على موائد الأسر إلى خانة السلع المؤجلة أو المشتراة بالحد الأدنى. ما كان قبل سنوات جزءا ثابتا من استعدادات العيد، صار اليوم قرارا مؤلما تحكمه الحسابات الدقيقة. المعروض موجود، لكن القدرة على الشراء تتآكل. والنتيجة أن العيد يدخل ببيوت كثيرة أقل امتلاء وأقل فرحا. وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى استمرار ضغوط الأسعار في فبراير 2026، بينما تؤكد قوائم البيع الرسمية هذا الشهر أن كيلو الكعك في منافذ التموين يتراوح بين 160 و300 جنيه بحسب النوع.

 

سوق حاضر وزبون متردد

 

في محال الحلويات والأسواق لا تبدو الأزمة في غياب البضاعة، بل في شكل الإقبال نفسه. الزبون يدخل. يسأل. يقارن. ثم يشتري أقل مما كان يشتريه، أو يخرج بلا شراء. هذا التردد لم يعد استثناء. بل صار القاعدة في موسم يفترض أنه موسم إنفاق احتفالي. قوائم الأسعار المعلنة هذا الشهر تكشف الفجوة بوضوح. الكعك السادة في بعض المنافذ يبدأ من 170 جنيها للكيلو، والكعك بالمكسرات يصل إلى 235 جنيها، ويقفز إلى 300 جنيه في بعض الأصناف بالسمن البلدي. وحتى العلب الجاهزة في السوق التجاري وصلت في بعض النماذج إلى مستويات أعلى بكثير من قدرة الأسرة المتوسطة.

 

الخبير الاقتصادي محمد محمود عبدالرحيم يضع هذه الصورة في سياقها الأوسع حين يؤكد أن تراجع معدل التضخم لا يعني هبوطا فوريا في الأسعار، بل فقط تباطؤا في سرعة ارتفاعها. هذا الفارق يبدو نظريا في البيانات، لكنه عند المستهلك يعني شيئا واحدا. الأسعار التي صعدت بالفعل لم تعد إلى الوراء. لذلك لا يشعر المواطن بأي انفراجة حقيقية وهو يواجه موسما استهلاكيا جديدا بمرتب قديم أو بدخل تلتهمه الالتزامات الأساسية قبل أن يصل إلى بند الحلوى.

 

من الوفرة إلى الحد الأدنى الرمزي

 

المشهد داخل البيوت تغيّر بالقدر نفسه. أسر كثيرة لم تعد تبحث عن تنوع الأصناف أو حجم العلبة أو ما يكفي لأيام العيد كلها. الهدف الآن هو الحفاظ على الشكل العام للمناسبة. طبق صغير على الطاولة. كمية محدودة للضيوف. حضور رمزي يمنع الإحساس الكامل بانكسار الطقس القديم. هذا التحول ليس تفصيلا استهلاكيا بسيطا. إنه انتقال من ثقافة الوفرة الموسمية إلى ثقافة الحد الأدنى المفروض بالقوة.

 

رئيس شعبة الحلويات باتحاد الغرف التجارية مدحت الفيومي قال العام الماضي إن أسعار كعك العيد ارتفعت بنحو 30% رغم تراجع أسعار عدد من الخامات مقارنة بالعام السابق. دلالة هذا التصريح لا تتوقف عند نسب الزيادة وحدها. فهي تكشف أن السعر النهائي لا تحكمه الخامات فقط، بل شبكة أوسع من تكاليف النقل والتشغيل والتعبئة وهوامش السوق. وبالنسبة للمستهلك لا تعني هذه التفاصيل شيئا بقدر ما تعني أن الكعك تحوّل من عادة متاحة إلى عبء إضافي مؤكد.

 

هنا ظهر البديل الذي تعرفه الأسر المصرية وقت الضيق. التصنيع المنزلي. بعض العائلات عادت إلى العجن في البيت لتخفيض الكلفة والسيطرة على الكمية. وعائلات أخرى شطبت الفكرة من أصلها واكتفت بالاستغناء التام. بين هذين الخيارين تتكشف خريطة ضغط اقتصادي صريح. الأسرة لا تفاوض على الترف فقط، بل تعيد تعريف ما هو ضروري وما هو قابل للحذف. وفي لحظة كهذه يصبح كعك العيد بندا ثانويا يمكن التضحية به لصالح الطعام والدواء وفواتير لا تحتمل التأجيل. ويشير تحليل منشور في المصري اليوم إلى أن الغلاء أعاد بالفعل رسم أولويات الإنفاق لدى الأسر المصرية على هذا النحو.

 

حين يتآكل الطقس تتآكل البهجة

 

أزمة كعك العيد ليست حادثة موسمية معزولة. هي جزء مباشر من تبدل أوسع في أنماط الاستهلاك داخل مصر. الأولويات تُعاد كتابتها بالقوة. الضروري يتقدم. وما يمنح المناسبات معناها يتراجع. لذلك لم تعد الحلوى جزءا تلقائيا من تجهيزات العيد، بل صارت قرارا يحتاج إلى مفاضلة مسبقة. كم نشتري. هل نشتري أصلا. وهل تكفي المجاملة الرمزية لحماية ما تبقى من صورة العيد داخل البيت.

 

في هذا السياق تبدو ملاحظة فخري الفقي أكثر من مجرد توصيف اقتصادي. الرجل قال بوضوح إن الغلاء والتضخم لهما تأثيرات على النسيج الاجتماعي. وهذا ما يظهر هنا بالضبط. حين تضطر الأسر إلى شطب رمز احتفالي قديم من قائمة مشترياتها، فالمسألة لا تتعلق بالحلوى وحدها. الذي يتراجع هو مساحة المشاركة والكرم والفرحة المتبادلة. العيد لا يختفي دفعة واحدة. لكنه يبهت تدريجيا كلما انسحبت من تفاصيله علامات كانت تمنحه معناه الشعبي البسيط.

 

المحصلة أن كثيرين يدخلون عيد هذا العام بكعك أقل وبهجة أقل. ليس لأنهم غيّروا ذوقهم أو هجَروا عاداتهم، بل لأن السوق يدفعهم إلى ذلك دفعا. وحين يتحول كعك العيد إلى فرجة في الواجهات وعبء على الداخلين، تصبح الأزمة أعمق من سعر كيلو أو علبة. تصبح أزمة بلد يأكل الغلاء فيه من الطقوس نفسها، ويترك مناسبة يفترض أنها للفرح محاصرة بحسابات العجز والانكماش. والسؤال لم يعد هل تراجعت عادة قديمة، بل كم تبقى من روح العيد قبل أن يصبح مجرد ذكرى من زمن أقل قسوة.