يكشفُ الخطاب الحاد الذي صرّح به الخبير الاقتصادي حسن الصادي حجم الغضب المتصاعد من طريقة إدارة الحكومة المصرية للأزمة المعيشية، فالرجل لم يتحدث عن زيادة عابرة في سعر البنزين أو السولار، بل تحدث عن دولة تتصرف، في نظره، كتاجر يربح من الغلاء، وتدفع المجتمع كله إلى موجات تضخم جديدة، بينما تترك السوق يعمل بلا ضبط كافٍ، وتسمح لشركات كبرى بتحميل المواطن كلفة الإنفاق الدعائي والاحتكاري في النهاية، وتأتي هذه التصريحات في لحظة ارتفع فيها تضخم المدن في مصر إلى 13.4% في فبراير 2026، مع زيادة شهرية 2.8%، ما يعني أن أي صدمة جديدة في الطاقة أو النقل أو التسعير تجد أرضًا جاهزة للانتشار السريع في أسعار السلع والخدمات.
في المقاطع والمنشورات المتداولة، صعّد الصادي لهجته إلى الحد الأقصى، وقال إن “الحكومة المصرية تاجر جشع وتتكسب من الغلاء”، وربط بين زيادة أسعار المحروقات وبين موجات تضخم جديدة، ثم مضى أبعد من ذلك حين وصف المشهد الاجتماعي بعبارة أكثر قسوة: “مصر الدولة الوحيدة اللي فيها فقير بيكفل فقير”، وهذه العبارات لا يمكن قراءتها بوصفها انفعالًا لغويًا فقط، بل هي تلخيص مكثف لفكرة واحدة: كلفة السياسات الحالية لا تتحملها الشرائح الأعلى دخلًا، بل تُرحَّل باستمرار إلى الفقراء والطبقة الوسطى المنهكة.
حسن الصادي الخبير الإقتصادي المصري :
— Faisal Al-shehri (@zin66j) March 18, 2026
"الحكومة المصرية تاجر جشع وتتكسب من الغلاء"‼️
الحرب في عقول "بعض" المصريين يادكتور . pic.twitter.com/O2fx3p6nU7
الاقتصادي حسن الصادي: زيادة أسعار المحروقات تنذر بارتفاع واسع في أسعار السلع وموجات تضخم قادمة في مصر. pic.twitter.com/BojsQ0IHW0
— أحوال مصرية (@Ahwalmesreya) March 17, 2026
الدكتور حسن الصادي: مصر الدولة الوحيدة اللي فيها فقير بيكفل فقير pic.twitter.com/H4Y35vrJOg
— مصراوي (@masrawy) March 16, 2026
بعد زيادة أسعار الوقود الأخيرة.. الخبير الاقتصادي حسن الصادي: المجتمع المصري قد يكون فقد الإحساس بالضغوط الاقتصادية "مبقاش الضرب في الميت حرام"، وذلك خلال تصريحات متلفزة#مزيد pic.twitter.com/KoRxN6QMja
— مزيد - Mazid (@MazidNews) March 16, 2026
الصادي، وهو أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة في جامعة القاهرة، لم يقف عند ملف الوقود فقط، بل انتقد أيضًا الإنفاق الضخم لشركات الاتصالات على الحملات الإعلانية، خاصة في رمضان، معتبرًا أن هذه الأموال لا يدفعها أصحاب الشركات من جيوبهم، بل يتحملها المواطن عبر أسعار الخدمة، وتتحمل الدولة جانبًا منها عبر خصم المصروفات الإعلانية من الأرباح، بما يقلص الوعاء الضريبي، وبهذا المعنى لا تصبح الدعاية مجرد ترف سوقي، بل تصبح جزءًا من فاتورة يتحملها المجتمع مرتين: مرة عند شراء الخدمة، ومرة عند تراجع الحصيلة الضريبية.
زيادات الوقود لا تقف عند المحطة
جوهر أزمة الوقود في مصر أن الحكومة لا تتعامل مع السعر باعتباره قرارًا تقنيًا محدود الأثر، فكل زيادة تتحول فورًا إلى رسالة عامة للسوق، وفي 10 مارس 2026 عرضت تقارير اقتصادية تفاصيل الزيادة الأخيرة، التي رفعت بنزين 95 من 21 جنيهًا إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 جنيهًا إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 جنيهًا إلى 20.75 جنيهًا، والسولار من 17.5 جنيهًا إلى 20.5 جنيهًا، إلى جانب زيادة أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 جنيهًا إلى 275 جنيهًا، وهذه ليست أرقامًا صغيرة في بلد يتحرك فيه سعر النقل والخدمة والسلعة بالإشارة قبل الحساب.
هنا يصبح كلام الصادي عن موجات تضخم قادمة أقرب إلى قراءة مباشرة لا إلى مبالغة سياسية، لأن السوق المصري، كما وصفه هو، لا يعمل كسوق حرة منضبطة، بل كسوق عشوائية يغيب عنها الردع الكافي والرقابة الفعالة، وقال حسن نصر، رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية، إن ارتفاع النفط والدولار يضغطان بقوة على فاتورة الطاقة، وإن كل زيادة قدرها 1 دولار في سعر العملة الأمريكية ترفع الفاتورة بنحو 4 مليارات جنيه، وهذا التفسير يشرح جانبًا من ضغوط التكلفة على الدولة، لكنه لا ينفي سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا: لماذا تُترجم الضغوط بسرعة إلى المواطن، بينما لا يظهر بالسرعة نفسها ضبط حقيقي لمسارات التسعير والربح والمضاربة في السوق؟
الصادي نفسه أشار إلى هذه الفجوة حين قال، في تصريحات متلفزة، إن المجتمع المصري قد يكون فقد الإحساس بالضغوط الاقتصادية، مستخدمًا التعبير الشعبي القاسي: “مبقاش الضرب في الميت حرام”، وهذه العبارة ليست مجرد توصيف وجداني، بل هي اتهام مباشر لسياسات تواصل الضغط على مجتمع منهك أصلًا، ومع وصول أسعار الطعام والمشروبات إلى مساهمة واضحة في تسارع التضخم خلال فبراير، تبدو أي زيادة في الوقود كأنها ضربة جديدة تُلقى على جسد اقتصادي مستنزف.
المواطن يدفع ثمن الدعاية أيضًا
في الملف الآخر، يربط الصادي بين فوضى السوق وبين نموذج إنفاق الشركات الكبرى، خصوصًا في الاتصالات، وهو يرى أن الإعلانات التي تستعين بأغلى الفنانين ليست عبئًا منفصلًا عن التسعير، بل جزء من التكلفة التي تُحمّل لاحقًا على سعر الدقيقة وباقات الإنترنت، وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بذوق إعلاني أو منافسة تجارية، بل يصبح: لماذا يدفع المواطن ثمن استعراض الشركات، ثم يُقال له بعد ذلك إن الأسعار ارتفعت لأن التكلفة زادت؟
هذا النقد يكتسب وزنًا أكبر لأن أثره مزدوج، فالصادي يقول إن الشركات تخصم هذه المصروفات باعتبارها تكاليف تشغيل، ما يخفض الأرباح الخاضعة للضريبة، وبالتالي تخسر الخزانة العامة جزءًا من الإيرادات، والمعنى السياسي هنا واضح: المواطن لا يدفع فقط كعميل، بل يدفع أيضًا كممول غير مباشر لموازنة تتراجع حصيلتها الضريبية بسبب هذا النمط من الإنفاق، وفي لحظة تعاني فيها الدولة من عجز وضغط تمويلي، يبدو ترك هذا الباب مفتوحًا ثم مطالبة الناس بتحمل مزيد من الزيادات أمرًا يصعب تبريره اقتصاديًا وأخلاقيًا.
محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، قال إن التوترات الإقليمية وارتفاع النفط عالميًا يفرضان ضغوطًا على تكلفة الوقود محليًا، وإن الزيادات ليست مفاجئة في ظل هذه البيئة، وهذا صحيح جزئيًا، لكن الصحيح أيضًا أن الحكومة لا تدير الأثر الاجتماعي لهذه الزيادات بالكفاءة نفسها التي تدير بها قرار الرفع، فالفارق كبير بين الاعتراف بضغط خارجي، وبين استخدامه ستارًا دائمًا لتمرير الزيادات من دون بناء حماية حقيقية للمستهلك أو قواعد صارمة تمنع المبالغة في نقل التكلفة إلى الأسعار النهائية.
دولة تجبي أكثر مما تضبط
أخطر ما في تصريحات الصادي ليس حدتها اللفظية، بل ما تكشفه من منطق عام، فالحكومة ترفع أسعار الوقود والغاز والبوتاجاز، والسوق يرفع أكثر مما تبرره الزيادة الفعلية، والشركات تمرر نفقاتها الدعائية إلى العميل، والنتيجة أن المواطن يظل الطرف الوحيد الذي يدفع في كل الاتجاهات، ومن هنا تأتي عبارة “فقير بيكفل فقير” بوصفها توصيفًا دقيقًا لنظام تتحمل فيه الطبقات الدنيا العبء الأكبر من كلفة التضخم والجباية وإخفاقات الضبط معًا.
الصادي استدعى في حديثه واقعة من عهد أنور السادات، حين كان الرئيس الراحل يطلب من المحافظين قوائم الأسعار قبل القرارات الاقتصادية، وحين علم أن أحدهم سمح برفع الأسعار استباقيًا قرر عزله، والمغزى من الاستدعاء واضح، فالدولة كانت تفهم أن القرار الاقتصادي لا ينفصل عن الانضباط الفوري للسوق، أما الآن فالصورة مختلفة، إذ تُعلن الزيادة أولًا، ثم يُترك الناس لموجات التسعير، ثم تبدأ الشكاوى، ثم تأتي التبريرات، وبين كل مرحلة وأخرى تكون جيوب المصريين قد دفعت الثمن بالفعل.
الخلاصة أن كلام حسن الصادي، سواء في وصف الحكومة بأنها “تاجر جشع” أو في حديثه عن السوق “السويقة”، لا يبدو خارج السياق، بل يلتقط جوهر الأزمة كما يراها ملايين المصريين يوميًا، فليست المشكلة فقط في أن الأسعار ترتفع، بل إن الدولة تبدو أسرع في التحصيل من الضبط، وأقوى في تمرير التكلفة من حماية المستهلك، وفي بلد يدور تضخمه حول 13.4% ويعيش على وقع زيادات متلاحقة في الطاقة والسلع، فإن الخطر الحقيقي لم يعد في العبارة الحادة، بل في الواقع الذي جعلها قابلة للتصديق.

