لم تعد واقعة احتجاز 14 صيادًا مصريًا في إريتريا مجرد أزمة قنصلية عابرة، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على حماية مواطنيها حين يُتركون في البحر بلا غطاء واضح، ثم تُترك أسرهم على البر بلا إجابة. 

بحسب روايات ذوي الصيادين، خرج مركب الصيد زكريا فؤاد من ميناء برنيس يوم 24 فبراير، ثم انقطع الاتصال بطاقمه بعد أن اقتادته القوات الإريترية من محيط جزر دهلك إلى أحد موانئها، لتدخل العائلات يومها 13 من القلق والانتظار وسط غياب بيان رسمي حاسم يشرح ما جرى، وما الذي فعلته الحكومة فعلًا لاستعادتهم.

 

هذه ليست أول مرة يُحتجز فيها صيادون مصريون في إريتريا.

ففي 2021 أُفرج عن 97 صيادًا مصريًا بعد احتجاز استمر نحو 100 يوم، وقالت وزارة الخارجية وقتها إنها تابعت الملف عبر جهود دبلوماسية مكثفة وتنسيق مع السفارة المصرية في أسمرة والسلطات الإريترية حتى إعادتهم إلى القاهرة.

معنى ذلك أن الدولة تعرف المسار، وتعرف حساسية هذا النوع من الأزمات، وتعرف أيضًا أن الزمن في مثل هذه الوقائع ليس تفصيلًا إداريًا، بل فارقًا بين طمأنة الأسر وتركها فريسة الشائعات والعجز.

 

صمت رسمي وأسر معلقة على المجهول

 

أخطر ما في هذه الأزمة ليس فقط واقعة الاحتجاز نفسها، بل الطريقة التي تُدار بها.

الأسر تقول إنها تقدمت ببلاغات واستغاثات، لكن الحكومة لم تقدم حتى الآن رواية مكتملة للرأي العام عن وضع الصيادين، ولا عن مستوى الاتصال القنصلي، ولا عن المسار الزمني المتوقع للتحرك.

هذا الفراغ هو أول دليل على فشل الدولة، لأن المواطن حين يختفي في دولة أخرى لا يحتاج إلى بيانات مجاملة، بل إلى معلومة دقيقة وخط اتصال مفتوح ومسؤول واضح يتحمل الإجابة.

 

المحامي سامي الغبن، الذي تابع سابقًا ملفات الصيادين المصريين المحتجزين في إريتريا، أكد في واقعة 2021 أن الإفراج لم يأتِ إلا بعد متابعة مستمرة وجهد دبلوماسي امتد لأشهر.

هذه السابقة وحدها تكشف أن الحكومة تعرف أن الملف يحتاج ضغطًا سياسيًا وقنصليًا متواصلًا، لا ترك الأسر لمصادر غير رسمية وتكهنات مواقع التواصل.

وإذا كانت الخارجية قد تحركت بوضوح في 2021، فالصمت الحالي يطرح سؤالًا ثقيلًا: لماذا يبدو التحرك هذه المرة أبطأ، وأقل شفافية، وأكثر ارتباكًا؟

 

ولا يمكن فصل الأزمة عن تكرار حوادث مشابهة في الإقليم. فقد شهدت السنوات الماضية احتجاز صيادين مصريين في إريتريا والسعودية ودول أخرى بدعوى اختراق المياه الإقليمية، وفي واقعة سابقة عام 2020 قال نقيب الصيادين بالمطرية عبده الرفاعي إنه جرى إبلاغ الجهات الأمنية والخارجية والقنصلية فور احتجاز مركبي صيد مصريين في السعودية، بما يعكس أن هذه الأزمات ليست جديدة على أجهزة الدولة.

لكن تكرارها بهذا الشكل يفضح غياب سياسة وقاية حقيقية، لا مجرد بطولات متأخرة بعد وقوع الكارثة.

 

قرارات الصيد تدفع البحارة إلى المخاطرة

 

الحكومة لا تتحمل فقط مسؤولية بطء التحرك الخارجي، بل تتحمل كذلك جزءًا أساسيًا من أسباب الدفع الداخلي إلى المغامرة.

فاحتجاز الصيادين في إريتريا يأتي بينما يعيش قطاع الصيد المصري اختناقًا واسعًا بفعل قرارات المنع والقيود وتراجع مناطق العمل التقليدية وارتفاع كلفة التشغيل.

قرار محافظ البحر الأحمر رقم 266 لسنة 2024 أوقف أنشطة الصيد التجاري والجر والشانشولا في مناطق واسعة، كما امتدت قرارات الحظر الموسمي لاحقًا إلى فترات ومناطق أخرى في البحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة.

 

الدكتور صلاح الدين مصيلحي، الرئيس السابق للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، دافع سابقًا عن قرارات منع الصيد وقال إن الهدف منها حماية آلاف الأنواع والحفاظ على المخزون السمكي في فترات حساسة.

هذا التبرير العلمي مفهوم من حيث المبدأ، لكن المشكلة ليست في فكرة التنظيم وحدها، بل في أن الدولة لا توفر بدائل عادلة وكافية للصيادين عندما تغلق أمامهم مساحات العمل لأسابيع وشهور وسنوات.

وحتى وزارة البيئة نفسها كانت قد تحدثت في 2021 عن ضرورة توفير مصادر بديلة وعادلة للدخل للصيادين خلال فترات وقف الصيد، بما يعني أن الدولة تعرف أن المنع بلا حماية اجتماعية يدفع الناس إلى المخاطرة لا إلى الالتزام.

 

هنا تكمن الجريمة السياسية للحكومة. فهي تتحدث باسم حماية البيئة والثروة السمكية، لكنها تترك الصياد في النهاية بين خيارين كلاهما قاسٍ: إما البقاء على الشاطئ بلا دخل، أو الإبحار إلى مناطق أبعد وأكثر خطورة.

وعندما يقع في الأسر أو الغرق، تتحول الدولة فجأة إلى متلقٍ للبلاغات بعد أن كانت شريكًا في صناعة المأزق بسياسات غير متوازنة.

 

القانون رقم 146 لسنة 2021 يعطي جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية صلاحيات واسعة في تنظيم مناطق الصيد، ومنح التراخيص، وتطوير حرفة الصيد، والإشراف على تنفيذ القرارات، بل وعلى إدارة وتشغيل موانئ الصيد والمراسي ونقاط السروح.

لكن الواقع يقول إن هذه الصلاحيات لم تُترجم إلى شبكة أمان حقيقية للصيادين، ولا إلى منظومة إنذار مبكر فعالة، ولا إلى سياسة تحمي العاملين في البحر من الانزلاق إلى حدود شديدة الحساسية بسبب الضيق الاقتصادي والقيود الإدارية.

 

من إريتريا إلى تركيا.. مهنة تُدفع إلى الموت

 

الملف لا يقف عند حدود إريتريا. ففي 3 مارس تأكد غرق مركب الصيد المصري أبو حمزة قرب السواحل التركية بعد فقدانه نحو 12 يومًا، وأسفر الحادث عن مصرع 7 بحارة من أبناء دمياط كانوا قد غادروا في رحلة صيد طويلة انطلقت مطلع فبراير.

هذه الكارثة لا تبدو حادثًا منفصلًا، بل جزءًا من مشهد أوسع يدفع فيه الصياد المصري ثمن الغلاء والوقود والقيود وتراجع فرص العمل الآمن داخل المياه المعتادة.

 

في هذا السياق، يصبح كلام عبده الرفاعي، نقيب الصيادين بالمطرية، أكثر دلالة.

الرجل قال في واقعة احتجاز سابقة إن النقابة والأسر تبادر فورًا إلى إخطار الخارجية والسفارات والقنصليات حين تقع الأزمة، ما يعني أن المجتمع المهني يقوم بدوره تحت الضغط، بينما تبقى الدولة مطالبة بأن تتحرك قبل الأزمة لا بعدها فقط. النقيب لا يملك سفارة، ولا قنوات اتصال سيادية، ولا أدوات تفاوض مع دولة أخرى.

هذه مسؤولية حكومة كاملة، لا مسؤولية عائلات تبحث عن أول رد.

 

والأزمة لا تتعلق فقط بتحرير طاقم محتجز أو انتشال ضحايا غرق. هي أزمة نموذج كامل لإدارة قطاع الصيد.

فعندما تُغلق أبواب العمل التقليدي من دون بدائل، وتُرفع التكاليف، وتضيق البحيرات، وتُترك المراكب تذهب إلى مسافات أبعد في البحرين الأحمر والمتوسط،

يصبح الموت أو الاحتجاز احتمالًا مهنيًا عاديًا. هذا ليس قضاءً وقدرًا فقط، بل نتيجة سياسات عامة مختلة.

 

الأدهى أن إريتريا نفسها ليست ساحة مجهولة في هذا الملف. حوادث احتجاز الصيادين قرب مياهها تكررت من قبل، ووزارة الخارجية المصرية سبق أن أقرت بوجود اتصال يومي مع الأجهزة الإريترية في أزمة 2021، وأكدت آنذاك أنها تتابع أوضاع الصيادين وتنسق لإعادتهم.

إذا كانت الحكومة تعرف طبيعة الخطر، وتعرف حساسية المنطقة، وتعرف سوابق الاحتجاز، فلماذا لا توجد حتى الآن آلية رد سريع معلنة للصيادين وأسرهم؟ ولماذا لا يُعلن بروتوكول واضح لما يجب أن يحدث خلال الساعات الأولى من أي أزمة مماثلة؟

 

السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، شدد في أكثر من مناسبة على أن العلاقات الخارجية لا تُقاس بالشعارات بل بالقدرة على حماية المصالح والمواطنين عبر قنوات فعالة وآليات واضحة للمتابعة والتنسيق.

هذا المعنى يضع الخارجية الحالية أمام امتحان مباشر: إما أن تثبت أن حياة الصياد المصري أولوية دبلوماسية حقيقية، أو يتأكد مرة أخرى أن المواطن البسيط لا يظهر في الحسابات الرسمية إلا بعد أن يتحول إلى عنوان مأساة.

 

المطلوب الآن واضح ومحدد.

أولًا، بيان رسمي عاجل يكشف مصير الصيادين الـ14، ومكان احتجازهم، ووضعهم الصحي والقانوني.

ثانيًا، تدخل دبلوماسي معلن مع السلطات الإريترية، لا يكتفي بالهمس الإداري، بل يحدد إطارًا زمنيًا للتحرك.

ثالثًا، مراجعة شاملة لسياسات الصيد والترخيص والدعم والحماية، لأن ترك البحر يتحول إلى منفى اقتصادي للصيادين هو الطريق الأسرع إلى مزيد من الغرق والاحتجاز والضياع.

هكذا فقط تحمي الدولة أبناءها. أما الصمت، فهو ليس حيادًا، بل اشتراك كامل في الكارثة.