مازن النجار
باحث في التاريخ والاجتماع
عندما يستدعي اليمين الإسرائيلي مصطلح "إسرائيل الكبرى"، يعتبر، غالبا، مفهوما توسعيا لزيادة مساحة أراض تزعم إسرائيل ملكيتها. وهذا أمر مؤكد. فإسرائيل، منذ نشأتها، دولة توسعية تستهدف تشريد الفلسطينيين، وتسارع هذا الآن.
لكن ماذا يعني مشروع إسرائيل الكبرى حقا؟ بل ماذا يقصد نتنياهو واليمين الإسرائيلي بـ"إسرائيل الكبرى"؟ وما هي تبعات وعواقب هذا المشروع إقليميا وعالميا؟
إسرائيل الكبرى مشروع يتجاوز فكرة التوسعات الإقليمية والاستيطانية، متبلورا في مشروع جيوسياسي واسع للهيمنة الإقليمية، وتحويلها لساحة صراع وارتطام دموي بالقوى الإقليمية ودمار تاريخي.
وقد استلزم ذلك توريط أمريكا بالحرب، إلى جانب محاولة مدبرة لإضعاف دول الخليج، يتشكك كثيرون في إمكانية نجاحها.
في الثلاثين شهرا الماضية، سوت إسرائيل قطاع غزة بالأرض وأعادت احتلاله، ما أسفر عن مقتل وإصابة مئات الآلاف، وتدمير البنية التحتية المدنية، وحصر سكانه في 12% فقط من شريط الأرض الضيق أصلا.
وبالضفة الغربية، تواصل إسرائيل حملة تدمير وتهجير تستهدف شعب فلسطين وممتلكاته، في هجمة غير مسبوقة منذ حرب 1967، موسعة سيطرتها واستيطانها.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، استولت إسرائيل على أراض سورية (خارج مرتفعات الجولان المحتلة)، وهي بصدد إعادة احتلال جنوب لبنان.
ويحرض وزراء ونواب الائتلاف الحاكم، علنا على فرض سيادة إسرائيل والاستيطان بغزة ولبنان. ودعا وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، إسرائيل إلى "التمدد حتى دمشق"، وزعم نتنياهو نفسه أنه يستشعر "ارتباطا وثيقا" بهذه الرؤية الإقليمية لإسرائيل الكبرى.
في مقال بصحيفة "الغارديان"، يجادل دانيال ليفي، مفاوض إسرائيلي سابق، بأن فكرة "إسرائيل الكبرى" مفهوم جيوسياسي وإستراتيجي بقدر كونها مفهوما إقليميا يتعلق بالأراضي، احتلالا وسيطرة. وهو الجزء الواضح والمباشر. لكن مسعى نتنياهو أكثر طمعا وتعقيدا من احتلال الأراضي: مشروع هيمنة إقليمية يقوم على تحالفات جديدة، مدعوما بالقوة الصلبة.
إضعاف واستتباع دول الخليج
عقب طوفان الأقصى واتضاح نطاق ووحشية رد إسرائيل في غزة، تعثرت مساعيها نحو الاندماج الإقليمي: تطبيع العلاقات مع الجيران العرب. وواجه نتنياهو خيارا صعبا: إما استئناف جهود التطبيع الإقليمي بتوافق مع الفلسطينيين، أو التمسك بموقفه "الصفري" الرافض أي مستقبل فلسطيني.
وباختياره الخيار الأخير، كان على نتنياهو إزاحة إيران من توازن القوة الإقليمي، مما يتطلب تدخلا عسكريا أمريكيا مباشرا وواسعا بجانب إسرائيل.
يلاحظ ليفي أنه قبل الحرب بأيام، رصد اثنان من قادة الأمن الإسرائيلي السابقين، في مقال بـ"معهد القدس للإستراتيجية والأمن"، أن الدول السنية الإقليمية الرئيسية، ترى إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه جدا يرسخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة.
وتحقيق هذا لا يتطلب فقط انهيار إيران، بل أيضا إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي، لتعتمد على إسرائيل في الأمن وخطوط تصدير الطاقة. ويمكن اعتبار تداعيات الحرب واستهداف دول الخليج بمسيرات وصواريخ إيرانية، سمة مقصودة إسرائيليا، لا مجرد أثر جانبي.
وكما كان متوقعا، عندما شنت إسرائيل وأمريكا هذه الحرب، تعطل وصول دول الخليج لأسواق العالم عبر مضيق هرمز بشدة. ولما صعدت إسرائيل باستهداف بنية الطاقة الإيرانية التحتية، نفذت طهران تهديدها وقصفت مناطق بدول الخليج.
وانتهز نتنياهو الفرصة للدعوة إلى "طرق بديلة عن مضيقي هرمز وباب المندب"، متوقعا "مد خطوط أنابيب النفط والغاز غربا عبر شبه الجزيرة العربية وصولا لإسرائيل، ثم موانئنا على البحر المتوسط".
تحالف سداسي
في تصريحاته العلنية، ربط نتنياهو بعض خيوط مشروعه لفرض هيمنة إسرائيل الكبرى. قبل اندلاع الحرب بأيام، وخلال زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي لإسرائيل، شارك نتنياهو رؤيته لإنشاء "نظام متكامل، كتحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله"، يضم "الهند، ودولا عربية، ودولا أفريقية، ودول البحر المتوسط (اليونان وقبرص)، ودولا بآسيا". وستكون إسرائيل محور التحالف.
وأوضح مقال نُشر مؤخرا بالعبرية، بقلم شخصين رفيعي المستوى بمعهد الإستراتيجية الرسمي التابع للجيش الإسرائيلي، بعض جوانب المشروع. إذ جادلا بأن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بغزو واحتلال الأراضي، بل سيحقق أيضا "سيطرة عملياتية بمناطق بعيدة عن إسرائيل، دون سيطرة فعلية على الأرض".
ستمنح إسرائيل "مكانة متفوقة كملكة للغابة" (يتكرر وصف بقية الشرق الأوسط بـ"الغابة" في الخطاب السياسي الإسرائيلي)، مما يرسخ "نظاما إقليميا يعزز أهداف إسرائيل".
في خطاباته الأخيرة، بدأ نتنياهو يشير لإسرائيل ليس كـ"قوة عظمى إقليمية" فقط، بل "كقوة عظمى عالمية" أحيانا. تسعى إسرائيل للتموضع بقلب تحالف إقليمي يمكن استدامته لدى تراجع النفوذ الأمريكي.
وقد وعد نتنياهو بنشر التحالف السداسي ضد "المحور الشيعي الراديكالي… والمحور السني الراديكالي الناشئ". ولم تتأخر إسرائيل عن تسمية "التهديد" التالي المستهدف: تركيا.
بحسب ليفي، يعتبر الحديث عن هيمنة إسرائيل الكبرى مبالغة معتادة بزمن الحرب.
لكن السياسة الإسرائيلية الأخيرة تظهر أن الأمر ليس كذلك. فالتوجه الحربي الدائم متجذر بعمق في الطبقة السياسية بإسرائيل: حكومة ومعارضة، ومؤسسة أمنية، واليمين الجديد، والإعلام. لكنه تفكير ينطوي على مخاطر التمدد المفرط الجسيمة وردود فعل عكسية حادة؛ فهو خطير على إسرائيل ذاتها، ولن تقبله المنطقة.
مشروع إسرائيل الكبرى ضار بأمريكا
"لقد وعدتكم بأننا سنغير وجه الشرق الأوسط". هكذا تكلم نتنياهو بعد سبعة أسابيع من إطلاقه "الغضب الملحمي" بمشاركة دونالد ترمب. وسط ضجيج الأحداث، تغيب الرؤية الأوسع للحرب الأخيرة.
توجت هذه الحرب جهودا إسرائيلية حثيثة- بدعم أمريكي- لإعادة تشكيل الشرق الأوسط عقب هجوم طوفان الأقصى. يزعم المؤيدون أنها رؤية ستنتج منطقة أكثر سلاما واستقرارا.
لكن جون هوفمان، الباحث الأمريكي بمعهد كاتو "Cato"، يعتقد أنهم كانوا مخطئين. فكما محاولات سابقة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تعتمد رؤية "إسرائيل الكبرى" على الغطرسة اعتقادا بأن واشنطن وشركاءها قادرون على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة وحدها.
فخلال ثلاثين شهرا، دعمت واشنطن حملة إسرائيل الإقليمية العدوانية، وتكبدت تكاليف هذه العملية الباهظة سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا. يضمن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل صراعا دائما على حساب المصالح الأمريكية.
رؤية عدوانية توسعية
رؤية إسرائيل بعد 7 أكتوبر عدوانية وتوسعية مفتوحة بلا نهاية محددة. وتتسم بثلاثة أهداف:
- ترسيخ هيمنة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية بفرض "واقع [استيطاني] على الأرض" يعرقل حلا سياسيا.
- تفكيك جماعات محور المقاومة المسلحة.
- تحييد إيران ركيزة هذا المحور.
ولتحقيق هذه الغاية، شنت إسرائيل حملة عسكرية واسعة بجبهات متعددة؛ لإعادة تشكيل النظام الإقليمي على صورتها.
اعتمدت هذه الحملة على حماية أمريكية لإسرائيل من عواقب سياساتها. فقد حصنت الولايات المتحدة إسرائيل من ردود فعل دبلوماسية بالغة، ومولت حروبها. بل تدخلت عسكريا مباشرة لحماية إسرائيل وقتال خصومها.
يذكر هوفمان بجهود أمريكا لإدارة الشرق الأوسط بالقوة عقودا، فتراكمت أثمان باهظة مقابل فوائد وهمية، لكن ترفض واشنطن تغيير مسارها. والمحاولة الأخيرة لتغيير المنطقة بالتعاون مع إسرائيل ليست استثناء.
غذى الدعم الأمريكي لإسرائيل عداء واسعا للولايات المتحدة، مع استمرار أسباب الاضطرابات والصراعات، وهي نتائج بالغة الضرر بمصالح أمريكا. والنتيجة اضطراب مزمن وتدخل أمريكي بلا نهاية.
لا مصلحة أمريكية في حروب دائمة بالشرق الأوسط. فرؤية إسرائيل لما بعد 7 أكتوبر بلا نهاية واضحة، وتكبد الولايات المتحدة أثمانا باهظة؛ لأنها رؤية مدفوعة بتفكير خيالي، ولا تتحقق إلا بحماية واشنطن لإسرائيل من عواقب عدوانيتها.
يوصي هوفمان الإدارة الأمريكية بالتوقف عن دعم مشروع إسرائيل الكارثي، وأن تعلن نهاية دعم أمريكا له.
موت ودمار بلا نهاية
بدوره، يبرز آندي ورثنغتون، المؤرخ والصحفي البريطاني وصانع أفلام وثائقية، رفض إسرائيل الخطير الامتثال لضبط النفس، ولهذا يجب إيقافها. وقد أظهر سلوك إسرائيل، قبل كل شيء، غطرسة غير مسبوقة.
فقد أدى إغلاق مضيق هرمز لأزمة طاقة عالمية يخفي السياسيون والإعلام بالغرب حجمها عمدا، لكنها أزمة كبيرة بما يكفي ليدرك الغرب خطورة مشروع إسرائيل على حياته واقتصاده.
كان لا بد لأي اتفاق لوقف إطلاق النار أن يشمل لبنان أيضا، لكن إسرائيل ترفض الامتثال لأي قيود، أمريكية أو إيرانية، لأنها ببساطة لا تبالي بأي شيء سوى عدوانها ومشروعها التوسعي.
في 8 أبريل، شنت إسرائيل في استفزاز متعمد لتقويض وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، أشد الهجمات تدميرا على لبنان، فاستهدفت أكثر من 100 هدف في عشر دقائق، بذريعة استهداف معاقل المقاومة دون دليل، مما أسفر عن مقتل 357 مدنيا وآلاف الجرحى.
رغم تهديد عدوان إسرائيل وخروقاتها الهائلة لوقف إطلاق النار، فما زالت تواصل تدمير جنوب لبنان قرية تلو أخرى، كما نالت مؤخرا إدانة دولية واسعة لجريمة اغتيالها الصحفية اللبنانية، آمال خليل، وبعد قتلها شهرت بها كـ"إرهابية".
مع تزايد غطرستها وجنونها في الثلاثين شهرا الماضية، بات مشروع إسرائيل حروبا بلا نهاية على جبهات عديدة، ليس فقط بمواجهة أهداف عسكرية، بل بتدمير ممنهج وإبادة مجتمعات مدنية بأكملها تعتبرها، وفقا لنموذج غزة، "مرتبطة" بالمقاومة أو بذرائع هستيرية.
أظهرت حروب إسرائيل أيضا أن ادعاءاتها العدوانية بـ"الدفاع عن النفس" تتجاوز الشرق الأوسط، عبر نفوذ واسع لدى حكومات غربية موالية، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وهذه بجانب كونها موردا رئيسيا للأسلحة لإسرائيل، شنت حملات صارمة قمعا لحرية التعبير والاحتجاج و"العمل المباشر" دفاعا عن إسرائيل.
ستبقى إسرائيل خزانا احتياطيا للفاشية الغربية. ورغم هزيمتها بالحرب العالمية الثانية، تبقى كامنة في الغرب، وتمثل إسرائيل مختبرها ومثالها التي يمكن حين الضرورة الاقتداء بتجاربها في تشريعات العنف والعنصرية وتكنولوجيات الرقابة وأدوات القمع والإبادة. وسيتفاقم هذا بمضي مشروع إسرائيل الكبرى قدما.
كارثة قيد التشكل
يحذر ورثنغتون، من أن الإبادة الجماعية بغزة ستغدو نموذجا وقالبا لعالم من مذابح بلا حدود ومراقبة وسيطرة تامة، وسيستمر ذلك ما دام أنه قد سمح لإسرائيل بممارسة سلطتها المنحرفة. لكل ذلك، فهو ينادي: "من أجلنا جميعا، يجب كبح جماح إسرائيل وداعميها ونزع سلاحهم في مختلف دوائر نفوذهم".
وفي نفس السياق، يقول الكاتب والطبيب الأمريكي، جوش بازل، يقودنا هذا لما تسعى إليه إسرائيل جاهدة، وهو بالتأكيد التوسع بأراضي فلسطين، ولبنان، والأردن، وسوريا، ومصر، والعراق. وسيؤدي ذلك لنزوح ملايين المدنيين بالشرق الأوسط، ومقتل الأبرياء بمئات الآلاف.
يكمن الخطر الحقيقي في أن الغرب لن يفعل شيئا لوقف ذلك، بل بالعكس تماما. فإسرائيل وقيادتها تفلت باستمرار من العقاب على جرائم حرب لا حصر لها، بينما تعززها دول غربية عديدة بصفقات أسلحة ومزايا سياسية استثنائية لا تنالها دولة أخرى.
تحافظ إسرائيل على موقع القوة النافذ هذا عبر نفوذ يثير بحد ذاته شعورا باليأس، كابتزاز السياسيين الأمريكيين.
خلاصة بازل أن مشروع إسرائيل الكبرى ليس فكرة نظرية، بل مشروعا قائما بالفعل قيد التنفيذ منذ سنوات وتظهره الأحداث كحلقات. وإذا ترك دون رادع، فقد يؤدي لإحدى أكبر الكوارث وأكثرها تدميرا في عصرنا.

