يتجاوز ملف كلية طب فاقوس حدود خطأ إداري عابر، ويصل إلى قلب سؤال خطير يتعلق بمن يملك الدولة أن تطلق عليهم لقب “طبيب”، وبأي معايير مهنية وأخلاقية يتم ذلك، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص الكوادر، وتراجع الإنفاق، وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. في هذا السياق، يأتي طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب أشرف سعد سليمان كعرض متأخر لأزمة أعمق؛ أزمة نظام تعليمي وصحي سمح بتخريج دفعة طب كاملة دون وجود مستشفى جامعي تعليمي فعلي، ثم ترك المجتمع يواجه مخاطر هذا القرار وحده.

 

كلية بلا مستشفى تعليمي.. جريمة في حق المريض قبل الخريج

 

الخلفية الأساسية للواقعة واضحة: كلية طب قائمة، دفعة خريجين 2023، ولا وجود لمستشفى جامعي تعليمي بالمعنى المتعارف عليه أكاديميًا وإكلينيكيًا، ومع ذلك يتم السماح بتخرج أطباء يحملون لقب “طبيب بشري”، ويدخلون سوق العمل. هذا ما وصفه النائب نفسه بأنه “خلل جسيم” و”جريمة تعليمية وصحية”، لأنه يمس في آن واحد حق المجتمع في طبيب مؤهل، وحق المريض في علاج آمن، وحق الخريج في تعليم متكامل يضمن له الحد الأدنى من التدريب السريري الفعلي.

 

معايير التعليم الطبي عالميًا لا تحتمل اللبس في هذه النقطة؛ فمنظمة الصحة العالمية تؤكد أن تكوين طبيب قادر على تقديم رعاية فعالة يستلزم مسارًا تعليميا يجمع بين الدراسة النظرية والتدريب السريري المنظم داخل مؤسسات معتمدة، باعتبار أن القوى العاملة الصحية الكفؤة هي الشرط الأول لفعالية أي نظام صحي. في غياب مستشفى جامعي تعليمي واضح ومجهز ومعتمد، يصبح كل حديث عن “برنامج طبي متكامل” أقرب إلى إنشاء ورقي لا يطابق الواقع.

 

الطبيب والمفكر د. محمد أبو الغار، أستاذ طب القصر العيني، يحذر منذ سنوات من أن ضعف الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وتراجع نسب الإنفاق العام، يضرب مباشرة جودة تكوين الأطباء ويُسهّل خروج أجيال بتدريب منقوص، في بيئة تزداد فيها هجرة الكفاءات إلى الخارج. هذا التحذير يأخذ معنى مختلفًا حين نضعه أمام حالة طب فاقوس؛ هنا لا نتحدث عن ضعف الموارد داخل مستشفى جامعي قائم، بل عن غياب المستشفى نفسه، مع الإصرار على تخريج دفعة كاملة، كأن ورقة التخرج تعادل وحدها سنوات من الممارسة الإكلينيكية المباشرة.

 

النتيجة المباشرة هي ظلم مضاعف للخريجين الذين دخلوا الكلية بثقة في منظومة الدولة، وافترضوا وجود مستشفى جامعي يضمن لهم حدًّا أدنى من التدريب السريري الخاضع لإشراف أكاديمي، ثم اكتشفوا أنهم يُدفع بهم إلى سوق العمل بملف تدريبي أقل كثيرًا من أقرانهم في كليات أخرى، بما يقلل فرصهم في المنافسة العادلة، داخليًا وخارجيًا. وفي الوقت نفسه، يتعرض المرضى لخطر عملي، يتمثل في احتمال التعامل مع أطباء لم يحصلوا على التدريب السريري المطلوب، لا لقصور فردي، بل لفشل مؤسسي كامل.

 

منظومة اعتماد غائبة.. من يسمح لهذه الكلية بتخريج أطباء؟

 

وراء الواقعة سؤال بنيوي: أين المجلس الأعلى للجامعات، وأين لجان اعتماد البرامج الطبية، وأين وزارة التعليم العالي، من السماح باستمرار كلية طب دون مستشفى جامعي تعليمي فعلي، مع القبول بتخريج دفعات متتالية؟ دراسة منشورة في دورية Health Professions Education عن “التعليم الطبي في مصر: الخلفية التاريخية والواقع والتحديات” توضح أن هناك 27 كلية طب خضعت لتحليل أوضاعها، وتشير إلى أن إصلاح التعليم الطبي في مصر يسير لكن ما زال يحتاج تحسينات كبيرة في الاعتماد وضمان الجودة خاصة في التدريب السريري والدراسات العليا.

 

أحد مؤلفي الدراسة، د. Adel Abdelaziz، وهو من الأسماء البارزة في أبحاث التعليم الطبي، يركز في أعماله على أن أي برنامج طبي يجب أن يُبنى على تكامل وثيق بين الكلية والمستشفى التعليمي، وأن الاعتماد الأكاديمي الجاد يفترض وجود بيئة إكلينيكية كافية من حيث عدد الأسرة، وتنوع الحالات، والإشراف العلمي، وليس مجرد تعاقدات شكلية مع مستشفيات لا تتحمل عبء التدريب الفعلي لطلاب طب كاملين. وضع طب فاقوس، كما عرضته واقعة التخرج دون مستشفى جامعي، يبدو متعارضًا مع أبسط هذه المعايير.

 

من زاوية أخرى، يكشف هذا الملف خللًا في منظومة الرقابة الجامعية، إذ يفترض أن الترخيص بإنشاء كلية طب، أو الاستمرار في قبول دفعات جديدة، مشروط بتوافر مستشفى تعليمي معتمد، أو شراكات واضحة ومُلزِمة مع مستشفيات أخرى تتيح لطلاب الكلية التدريب السريري المنظم تحت إشراف أعضاء هيئة التدريس. تجاهل هذا الشرط يعني أن الجهات المسؤولة عن التخطيط والاعتماد قبلت عمليًا بتحويل جزء من التعليم الطبي في مصر إلى تجربة “على الهواء”، يتحمل المجتمع ثمنها لاحقًا في غرف الطوارئ والعيادات العامة.

 

في هذا السياق، يصبح طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب أشرف سعد سليمان خطوة متأخرة تعكس حجم الفجوة بين ما يفترض أن تقوم به مؤسسات الرقابة قبل بدء الدراسة، وبين ما يحدث فعليًا؛ إذ لم يتحرك الملف برلمانيًا إلا بعد تخرج الدفعة الأولى من الكلية، ما يعني أن السنوات السابقة مرت دون مراجعة شفافة للواقع الإكلينيكي على الأرض، ودون إعلان واضح من الوزارة أو الجامعة عن خطة لاستكمال النقص أو تجميد القبول إلى حين توافر مستشفى تعليمي حقيقي.

 

أمن صحي مهدد.. ومواطن يدفع ثمن الفشل المركب

 

مصر تعاني أصلًا من عجز في أعداد الأطباء مقارنة بالمعايير الدولية؛ تقارير دولية تشير إلى أن عدد الأطباء المقيدين بالممارسة الفعلية أقل من 1 طبيب لكل 1000 مواطن، في حين أن المعدل الملائم أعلى من ذلك بكثير، وهو ما يرتبط مباشرة بظاهرة هجرة الأطباء إلى الخارج بسبب تدني الأجور وضعف ظروف العمل. في ظل هذا العجز، يصبح تكوين أطباء جدد ضرورة استراتيجية، لكن بشرط ألا يتحول سد العجز العددي إلى مبرر لتخريج أطباء بتدريب ناقص.

 

منظمة الصحة العالمية في مكتبها الإقليمي لشرق المتوسط تشدد على أن التعليم الطبي يجب أن يُوائم احتياجات السكان الصحية عبر برامج تدريب متكاملة، وأن اعتماد المستشفيات ومؤسسات التعليم الطبي شرط أساسي لضمان أن الطبيب الخارج من الكلية قادر على تقديم خدمات آمنة وفعالة. تخريج دفعة من كلية بلا مستشفى تعليمي معتمد يتناقض مع هذا الإطار، ويضع مصر في منطقة مخاطرة عالية، خاصة إذا لم تُكشف بشفافية تفاصيل التدريب الذي تلقاه هؤلاء الخريجون، وحجم الحالات الإكلينيكية التي تعاملوا معها تحت إشراف أكاديمي فعلي.

 

الطبيب والنقابي د. أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا، لطالما ربط بين تدهور بيئة العمل للأطباء وضعف حماية حقوقهم المهنية وبين تهديد مباشر لسلامة المرضى، مؤكدًا أن المنظومة الصحية لا يمكن أن تستقر في ظل غياب شروط العمل الآمن والتدريب الكافي والرقابة الجادة على المؤسسات التعليمية والصحية، وأن الأطباء أنفسهم يتحولون إلى ضحايا داخل نظام لا يوفر لهم الأدوات ولا الحماية اللازمة. حالة طب فاقوس تمثل امتدادًا لهذا المنطق؛ خريجون يتحملون مسؤولية علاج مرضى دون أن تكون الدولة قد وفرت لهم البيئة التدريبية التي تضمن سلامة الممارسة.

 

خطر هذه السابقة يتجاوز محافظة الشرقية إلى بنية الثقة في الشهادات الطبية المصرية ككل؛ فإذا أصبح من الممكن إنشاء كليات طب بلا مستشفيات جامعية، وتخريج دفعات كاملة اعتمادًا على ترتيبات تدريبية غير معلنة أو غير كافية، فإن ذلك يفتح الباب لتساؤلات داخلية وخارجية حول مدى التزام النظام التعليمي بالمعايير التي تعتمدها الهيئات الدولية، ويضع ضغطًا إضافيًا على الأطباء المصريين الذين يسعون للحصول على اعتراف بشهاداتهم في الخارج.

 

في النهاية، القضية ليست خلافًا بين نائب ووزير، ولا أزمة محلية في كلية بعينها؛ ما حدث في طب فاقوس يكشف مسارًا أوسع من “التوسع الكمي” في إنشاء كليات وبرامج طبية دون استثمارات موازية في البنية الإكلينيكية والتدريبية، ودون شفافية في الاعتماد والرقابة. إذا استمر هذا المسار، ستدفع المنظومة الصحية ثمنًا مزدوجًا؛ أطباء بلا تدريب كاف، ومواطنون بلا حماية حقيقية، ودولة تكرر خطاب “تطوير التعليم الطبي” في المؤتمرات، بينما تسمح في الواقع بتخريج دفعات من الأطباء خارج أبسط قواعد الممارسة الآمنة.