يتصاعد الجدل البرلماني والحقوقي حول أوضاع عمال التوصيل في مصر، في وقت تشير فيه التقديرات إلى وجود ما لا يقل عن 2 مليون عامل دليفري يعملون لساعات طويلة في الشوارع، بلا حماية حقيقية ولا تنظيم نقابي فعال. الخطاب الرسمي يتحدث عن حملات مثل "سلامتك تهمنا" ودمج العمالة غير المنتظمة في منظومة التأمين الشامل، لكن الواقع على الأرض – وفق بيانات ميدانية وبرلمانية – يكشف قطاعًا كاملًا يعمل في منطقة رمادية، تستفيد منه المنصات والشركات، بينما يتحمل العمال وحدهم مخاطر الطرق وغياب الحماية الاجتماعية.
اقتصاد غير رسمي يستوعب الملايين.. ووزارة عمل تكتفي بالحملات والشعارات
وزارة العمل، عبر مديرة قطاع السلامة والصحة المهنية منى درديري، تُقر بصعوبة حصر أعداد عمال الدليفري، وتربط ذلك بتزايدهم المستمر في المحافظات، وتطرح حملة "سلامتك تهمنا" كأداة لإلزام الشركات بمهمات الوقاية وتدشين قاعدة بيانات لتسجيلهم ضمن العمالة غير المنتظمة. الهدف المعلن هو إدخال 2 مليون عامل دليفري تحت مظلة التأمين الاجتماعي والصحي ضد إصابات العمل، لكن حتى الآن لا توجد أرقام رسمية منشورة توضح كم منهم تم تسجيله فعليًا، ولا ما هي نسب التغطية التأمينية مقارنة بحجم القطاع.
تقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يستوعب نحو 63% من القوة العاملة، وأن جزءًا كبيرًا من هذا القطاع يعمل دون عقود أو تأمينات أو حماية قانونية واضحة. عمال الدليفري يندرجون ضمن هذه الفئة؛ يعملون عبر شركات ومنصات رقمية ومكاتب وسيطة، لكن يُصنَّفون غالبًا كـ"مقدمي خدمات" لا كموظفين، ما يسمح للشركات بالتهرب من التزامات قانون العمل والتأمينات.
الخبير في اقتصاد العمل غير الرسمي د. عمرو عدلي يوضح أن ترك ملايين العمال في هذا الوضع يعني عمليًا نقل كلفة المخاطر من أصحاب الأعمال إلى الأفراد؛ فالشركات تستفيد من المرونة وتخفيض تكاليف التشغيل، بينما يتحمل العمال وحدهم حوادث الطرق، وتكاليف العلاج، وفترات التوقف عن العمل، وأحيانًا خسارة الدراجات أو المركبات التي يعملون بها. ويرى عدلي أن أي حديث عن "دمج الاقتصاد غير الرسمي" يفقد معناه إذا لم يبدأ بفرض حد أدنى من العقود والتأمينات الإلزامية على الشركات والمنصات التي تدير هذه العمالة.
حوادث طرق ووثائق إذعان.. نظام تشغيلي مبني على المخاطرة بالعمال لا حماية حياتهم
أزمة الحماية الاجتماعية لعمال الدليفري مرتبطة مباشرة بمخاطر الطرق السريعة وحالة البنية التحتية والرقابة المرورية. بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء تشير إلى تسجيل 5,260 وفاة و76,362 إصابة نتيجة حوادث الطرق في 2024، بانخفاض نسبي في عدد الوفيات بنسبة 10.3% عن 2023، مقابل زيادة في الإصابات بنسبة 7.5%، ما يعني أن الخطر على مستخدمي الطرق – ومنهم عمال الدليفري – ما زال مرتفعًا جدًا.
تحقيقات مستقلة عن قطاع عمال التوصيل تكشف أن 63% منهم تعرضوا لحوادث أو إصابات أثناء العمل، بينما حصل فقط 2% على أي نوع من التعويض، وأن 80% يعملون بدون عقود، و97% خارج مظلة التأمين الاجتماعي، وفق ما نقلته النائبة مها عبد الناصر في طلب إحاطة حديث استند إلى بيانات ميدانية ومسوح متخصصة. هذه الأرقام تعني أن "سلامتك تهمنا" ما زالت شعارًا أكثر منها سياسة فعلية؛ فالغالبية المطلقة من العمال تسقط خارج شبكة الأمان، رغم اعتراف الحكومة بخطورة المهنة.
النظام التشغيلي للمنصات يزيد من هشاشة العمال؛ فكثير منهم يُجبرون على توقيع إيصالات أمانة بمبالغ كبيرة (20 ألف جنيه أو أكثر) لصالح مكاتب أو وسطاء، دون عقود واضحة، ويُدفع لهم بنظام العمولة على الطلب والمسافة، ما يدفعهم إلى الإسراع في التوصيل لتأمين دخل يومي معقول في ظروف مرورية غير آمنة. تحقيق صحفي عن "عقود عبودية" عمال الدليفري في مصر وثّق أن 48% منهم أُجبروا على توقيع سندات دين، و54% تعرضوا لخصومات ظالمة، و21.5% لفصل تعسفي، بينما يشعر 97% منهم بأنهم بلا أمان مالي أو اجتماعي.
الخبير في حقوق العمل رمضان حسين، الذي شارك في تقرير لمنظمة Fairwork عن العمل عبر المنصات في مصر، يؤكد أن غياب إطار قانوني واضح لاستخدام العقود الرقمية، وعدم تطبيق مواد قانون العمل الجديد على عمال المنصات، يتركهم في "منطقة رمادية"؛ لا هم موظفون تحميهم اللوائح، ولا هم أصحاب أعمال يملكون حرية تفاوض حقيقية، بل طرف ضعيف في معادلة تميل بالكامل لصالح الشركات المحلية والدولية.
تشريعات على الورق ومنصات فوق القانون.. حكومة تتحدث عن "التأمين الشامل" وتترك الفجوة كما هي
وزير العمل محمد جبران يشدد في خطاباته على ضرورة تعاون الشركات في تمويل منظومة حماية العمال لضمان صرف معاشات وتعويضات عادلة، وتتبنى النائبة مها عبد الناصر ملف التشريع، وقدمت طلب إحاطة يطالب بإنهاء العمل دون عقود رسمية، مستندة إلى أن الحكومة نفسها أعلنت في 2022 أن عدد عمال التوصيل يصل إلى 6 ملايين عامل، وأن الرقم مرشح للزيادة مع توسع المنصات الرقمية.
لكن رغم صدور قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي أدخل نصوصًا عن "أشكال العمل الجديدة" وألزم بتوفير عقود مكتوبة، ورقية أو إلكترونية، لا تزال الشركات تصنّف عمال التوصيل كـ"مقدمي خدمات مستقلين"، ما يُخرجهم عمليًا من نطاق القانون. المادة 99، التي كان يُفترض أن تحميهم، تُفرغ من مضمونها حين يُفرض عليهم نموذج عقد يحتوي على بند ينفي علاقة العمل لصالح صيغة "شراكة"، بينما في الواقع كل عناصر التبعية قائمة: الشركة تحدد ساعات العمل، وشروط الزي، والعقوبات، ووسائل التقييم، دون أن تتحمل مسؤولية تأمينية.
الخبير القانوني والعمالي خالد علي يرى أن الدولة تتواطأ مع هذه الصيغة حين لا تفرض على المنصات التسجيل الإجباري لعمالها كموظفين أو، على الأقل، كمتعاقدين يخضعون للتأمينات الاجتماعية. ويشير إلى أن الحكومة التزمت أمام صندوق النقد بتوسيع قاعدة الضرائب والرسوم على الاقتصاد غير الرسمي، لكنها لم تلتزم بالمثل بتوسيع الحماية الاجتماعية؛ فالدولة تريد تحصيل الضرائب من المنصات، لكنها لا تريد فرض كلفة التأمين على هذه الشركات نفسها.
في المقابل، تستمر الحكومة في الحديث عن "دمج كل الفئات في التأمين الشامل" و"تعزيز السلم الاجتماعي"، دون إصدار لائحة تنفيذية واضحة تُلزم المنصات الرقمية بحد أدنى من الحقوق: حد أقصى لساعات العمل، وتأمين ضد الحوادث، ومساهمة إلزامية في التأمين الاجتماعي، ومشاركة في تمويل إصلاحات السلامة على الطرق التي يعمل عليها العمال يوميًا. بيانات حوادث الطرق في 2024، التي تشير إلى 5,260 وفاة و76 ألف إصابة، أغلبهم من المشاة والركاب، تعكس ثمن هذا الفراغ التنظيمي، حيث يدفع العمال الفقراء الفاتورة الأكبر.
في النهاية، ملف عمال الدليفري يكشف تناقضًا صارخًا في سياسة الحكومة: اقتصاد يعتمد أكثر فأكثر على العمل عبر المنصات والخدمات الرقمية، ودولة تتفاخر بمبادرات "التأمين الشامل" و"الحماية الاجتماعية"، لكنها تترك 2–6 ملايين عامل يجوبون الشوارع على موتوسيكلات ودراجات بلا عقود ولا تأمين ولا نقابات. ما لم تُجبر الشركات والمنصات على الاعتراف بهم كعمال حقيقيين لهم حقوق كاملة، سيظل كل حديث عن "تنظيم القطاع غير الرسمي" مجرد غطاء لغض الطرف عن استغلال منظم، يربح منه أصحاب المنصات، وتغذيه حكومة تحرس المنظومة ولا تحمي من يديرونها بأجسادهم على الأسفلت.

