دعت الحكومة المصرية دول حوض النيل إلى "الامتناع عن اتخاذ خطوات مؤسسية متعجلة" نحو مفوضية الاتفاقية الإطارية، وكررت تمسكها بمبادرة حوض النيل كـ"الإطار الوحيد"، لكن هذه اللغة الحذرة، في احتفالية يوم النيل بجنوب السودان، تأتي في توقيت مضاد تمامًا على الأرض؛ إثيوبيا أنهت بناء سد النهضة، وملأت البحيرة من طرف واحد، وتواصل تشغيله بلا اتفاق ملزم، بينما تكتفي القاهرة بالتحذير من "الإجراءات المنفردة" وطلب إرجاء إنشاء مفوضية دائمة، في مشهد يعكس ضعف أدواتها التفاوضية، وغياب استراتيجية واضحة تتجاوز الخطاب إلى الفعل.
تمسّك بمبادرة حوض النيل وتجميد لموقف حقيقي.. حكومة تتفرج على قطار الاتفاقية الإطارية وهو يغادر
كلمة الوزير هاني سويلم ركزت على ثلاث رسائل: أن "مبادرة حوض النيل هي الإطار الشامل الوحيد" القادر على جمع الدول العشر، وأن "العملية التشاورية" التي أطلقها المجلس الوزاري في نوفمبر 2024 هي "المسار العملي الوحيد" للتعاون، وأن على الدول "الامتناع عن خطوات مؤسسية متعجلة" نحو مفوضية الاتفاقية الإطارية قبل توافق شامل.
هذه الرسائل تبدو منطقية نظريًا، لكنها تتجاهل أن قطار الاتفاقية الإطارية (اتفاقية عنتيبي) تحرك فعليًا منذ 2010، وأن 6 دول على الأقل وقّعت وصدّقت بالفعل، بينها إثيوبيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، وجنوب السودان في يوليو 2024، وأن إنشاء مفوضية دائمة مسألة وقت وإجراءات، لا موضوعًا مؤجلًا إلى حين رضا القاهرة والخرطوم.
اللجنة السباعية التي يشير إليها الوزير، وتضم مصر والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية، إلى جانب أوغندا ورواندا وجنوب السودان كدول وسيطة، هدفها – نظريًا – بحث "مخاوف" الدول الأربع غير المنضمة، لكن الواقع أن هذه الدول تمثل أقلية سياسية داخل الحوض، بينما الأغلبية تتحرك نحو تفعيل الاتفاقية وإنشاء مفوضية، بما يعني أن قدرة القاهرة على التعطيل محدودة، وأن الرهان على "الإجماع" في نصوص المبادرة لم يعد عمليًا بعد أن قبلت دول المنبع بمنطق "من يوافق يمضي".
الخبير في قانون المياه الدولي د. علاء الظواهري، عضو اللجنة الوطنية لملف سد النهضة سابقًا، حذّر أكثر من مرة من أن الاكتفاء برفض الاتفاقية الإطارية دون تقديم بديل تعاوني قابل للتفاوض يضع مصر في زاوية دفاعية؛ فدول المنبع ماضية في ترسيخ مبادئ "الاستخدام المنصف والمعقول" ورفض "الحقوق التاريخية" بصرف النظر عن موقف القاهرة، بينما تتعامل الحكومة المصرية مع الملف بمنطق تجميد الموقف وانتظار "عودة الإجماع"، وهو ما لا يتوافق مع موازين القوى الحالية ولا مع الحقائق القانونية على الأرض.
التحذير من "دولة واحدة" يعطل التشاور.. بينما إثيوبيا تنفرد بالملء والتشغيل منذ سنوات
سويلم تحدث عن أن مناقشات مجلس وزراء مياه الحوض شهدت "دعمًا واسعًا لاستمرار العملية التشاورية"، لكنه أبدى أسفه لأن "دولة واحدة" تعرقل المسار لأسباب سياسية، دون تسميتها.
من سياق الخلافات، تشير كل الوقائع إلى إثيوبيا؛ الدولة التي قادت الدفع نحو فتح الاتفاقية الإطارية للتوقيع دون إجماع، ورفضت ربط "الأمن المائي" بأي حق تاريخي لمصر والسودان، وأنجزت سد النهضة وملأته من طرف واحد، وتستفيد الآن من غياب مفوضية دائمة لتكريس واقع جديد على النيل الأزرق.
لكن الاكتفاء بالإشارة إلى "دولة واحدة" يعطل مسارًا تشاوريًا، في احتفالية بروتوكولية، لا يغيّر شيئًا من حقيقة أن إثيوبيا فرضت أمرًا واقعًا؛ فالملء تم بالفعل على عدة مراحل، والتشغيل مستمر، والقاهرة تكرر منذ 2015 أنها لن تقبل "إجراءات أحادية"، دون أن تملك أداة واحدة لوقفها أو حتى تعطيلها.
اتفاق إعلان المبادئ في مارس 2015 أعطى أديس أبابا اعترافًا ضمنيًا بالسد مقابل وعود باتفاق ملزم لم يتحقق، ومع ذلك لا تعترف الحكومة بخطأ الحسابات، ولا تعلن مسارًا جديدًا يتجاوز الشكوى والمذكرات.
الخبير الهيدرولوجي د. نادر نور الدين يصف باستمرار موقف الحكومة بأنه "ضعيف ومتردد"، مؤكّدًا أن القاهرة فرّطت في أهم أوراقها بتوقيع إعلان المبادئ، وقبلت فعليًا بارتفاع السد وسعته التخزينية، مقابل وعود مبهمة، وأن التلويح المتكرر باللجوء إلى مجلس الأمن أو المجتمع الدولي لم يواكبه أي تحرك قانوني جاد، مثل رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية أو طلب تحكيم ملزم، ما جعل إثيوبيا مطمئنة إلى أن أقصى ما ستواجهه هو تصريحات قلق، لا سياسات ردع واضحة.
حقوق تاريخية بلا أدوات.. حكومة تحتمي باتفاقيات القرن العشرين بينما تتغير الجغرافيا السياسية والقانونية
في الخلفية، تستمر الحكومة المصرية في التمسك العلني باتفاقيات 1902 و1929 و1959، التي حددت حصة مصر بـ55.5 مليار متر مكعب سنويًا، والسودان بـ18.5 مليارًا، ومنحت البلدين حق الاعتراض على أي مشروعات تؤثر على تدفق المياه أو توقيت وصولها.
هذه الاتفاقيات تُعد في نظر القاهرة أساس "الحقوق التاريخية"، لكنها تُقابَل برفض شبه تام من دول المنبع التي لم تكن طرفًا فيها، وتعتبرها "ترتيبات استعمارية" لا تلزمها، وتسعى عبر اتفاقية عنتيبي لتكريس مفهوم "الاستخدام المنصف والمعقول" بدل الحصص الثابتة.
بدل الاعتراف بهذا الواقع المعقد وتقديم طرح قانوني وسياسي جديد يضمن حدًا أدنى من الحقوق المائية عبر مساومات واقعية، تفضّل الحكومة خطابًا مزدوجًا: ترفع في الداخل شعار "لن نتنازل عن قطرة ماء"، وتدير في الخارج سياسة قبول متدرج بالأمر الواقع؛ مشاركة في مباحثات فنية لا تنتهي، تجميد ثم عودة جزئية إلى نشاط مبادرة حوض النيل، حضور مناسبات احتفالية، وتحذير من "التعجل" في إنشاء مفوضية، بينما تستمر مشروعات إثيوبيا على النيل الأزرق، وتخطط دول أخرى لسدود جديدة على روافد النيل الأبيض.
خبير الموارد المائية د. ضياء القوصي، الذي عمل مستشارًا سابقًا لوزارة الري، حذّر في تصريحات سابقة من أن مصر تدخل فعليًا مرحلة "عجز مائي هيكلي"، متوقعًا أن تشهد الثلاثون عامًا المقبلة فترات أمطار غزيرة ثم انخفاضًا حادًا بسبب تغير المناخ، ما يجعل إدارة كل متر مكعب مسألة حياة أو موت.
في هذا السياق، يرى أن الاستمرار في الرهان على "التطمينات" و"المبادرات" دون تنويع مصادر المياه، وخفض الفاقد في الري، ووقف مشروعات التوسع الزراعي غير المدروسة، يعمّق هشاشة الموقف المصري أمام أي تغير في سياسات دول الحوض.
في المحصلة، خطاب الوزير في يوم النيل يكرّر مفردات التعاون والحرص على الإجماع، لكنه يتجاهل أن سنوات الحسم مرت، وأن سد النهضة أصبح واقعًا، وأن الاتفاقية الإطارية ماضية نحو مفوضية دائمة بغض النظر عن تحفظات القاهرة.
الحكومة اختارت، منذ 2013، أن ترفع سقف التصريحات وتخفض سقف الأدوات؛ حرمت المجتمع من نقاش شفاف حول خياراته، وقيدت الخبراء المستقلين، واحتكرت الملف داخل دائرة ضيقة، فكانت النتيجة سياسة مياه تقوم على رد الفعل، لا المبادرة.
وبينما تتغير خرائط النفوذ حول نهر النيل، يبقى موقف مصر الرسمي عالقًا بين اتفاقيات قديمة لم يعد يعترف بها أحد، وخطاب دبلوماسي ناعم لا يردع سدًا قائمًا ولا يوقف مفوضية تقترب.

