في اللحظة التي كشف فيها تحقيق "صحيح مصر" فروق أسعار فاضحة في استيراد القمح عبر جهاز "مستقبل مصر" التابع للقوات الجوية، قفز إلى منصة "إكس" وسمان دعائيان جاهزان: #مستقبل_مصر_سلة_غذاء_مصر و#مستقبل_مصر_خير_مصر.

خلال ساعة واحدة فقط سجّلا ذروة نشاط، ثم تراجع المنحنى بشكل حاد؛ نمط نمو غير عضوي يشير إلى غرفة عمليات رقمية، لا إلى تفاعل شعبي طبيعي.

جوهر القصة ليس "تريند" عابر، بل محاولة منظمة لتغطية أسئلة ثقيلة حول احتكار استيراد القمح لصالح كيان عسكري، وإلغاء المناقصات التنافسية، وتحويل فرق أسعار يتجاوز 50 دولارًا في الطن إلى أرباح مغلقة على دائرة ضيقة من المستفيدين.

 

مناقصات تُلغى وجهاز عسكري يحتكر القمح.. ثم حملة منظمة لتبييض الصورة

 

تحقيق "صحيح مصر" انطلق من رقم واحد صادم: القمح يُستورد – بحسب مصدر من هيئة السلع التموينية – بسعر يقارب 164 دولارًا للطن، ثم يورده جهاز "مستقبل مصر" نفسه للهيئة بأسعار تتراوح بين 225 و275 دولارًا للطن، بفارق يزيد عن 50 دولارًا للطن الواحد، في بلد يستورد أكثر من 12–13 مليون طن سنويًا، ما يعني مئات ملايين الدولارات التي تُحوَّل من مال عام إلى هامش ربح لكيان واحد.

 

هذا التحول جاء بعد قرار رئاسي في نوفمبر 2024 نقل بموجبه ملف استيراد القمح من هيئة السلع التموينية إلى جهاز "مستقبل مصر" ليصبح – وفق تقارير دولية – "الجهة الحكومية الوحيدة المخولة بتنظيم المناقصات والتعاقد المباشر" على واردات القمح والسلع الاستراتيجية، بدل نظام المناقصات المفتوحة الذي أداره لسنوات جهاز GASC المعروف لدى الموردين بشفافية نسبية.

 

 

تقارير عن أسواق الحبوب العالمية أشارت لاحقًا إلى أن هذا الانتقال أربك سوق القمح بالكامل، وأدى إلى تراجع واردات الدولة الرسمية، وإلى اعتماد أكبر على صفقات خاصة أقل شفافية، مع تقديرات بأن بعض الشحنات جرى التعاقد عليها بأسعار بين 265 و275 دولارًا للطن شاملة النقل، لصالح جهاز ليس له تاريخ تنافسي في السوق، لكنه يتمتع بغطاء رئاسي مباشر.

 

الخبير الاقتصادي د. زياد بهاء الدين يرى أن منح كيان عسكري حق احتكار استيراد سلعة حيوية كالقمح، مع استبعاد جهاز مدني متمرس مثل GASC، يعمّق مشكلة تضارب المصالح: الجهة التي تستورد وتحدد الأسعار هي نفسها التي تجني هامش الربح، في غياب رقابة برلمانية حقيقية أو شفافية في العقود، ما يفتح الباب واسعًا أمام سوء تخصيص الموارد ورفع تكلفة الدعم بلا أي ضمان لتحسين الكفاءة أو تقليل الفاقد.

 

تريند مصنَّع بهويات مزيفة.. حسابات سعودية ودفعات نشر متزامنة للهجوم على المنتقدين واتهامهم بـ"الإخوان"

 

تحليل "صحيح مصر" للحملة الرقمية الداعمة لجهاز "مستقبل مصر" أظهر نمطًا متكررًا من أنماط الدعاية الممنهجة منذ 2013: حسابات قديمة أعيد تهيئتها؛ تغيير أسماء في أكتوبر 2023؛ مسح محتوى سابق؛ ثم استخدام هذه الحسابات كمنصات جاهزة لنشر رسائل متقاربة في مضمونها، دون تطابق حرفي، لتبدو طبيعية أمام خوارزميات المنصات.

 

الوسمان #مستقبل_مصر_سلة_غذاء_مصر و#مستقبل_مصر_خير_مصر ظهرا فجأة في دفعة مكثفة، بأكثر من 1000 منشور في أقل من ساعة، مع تركّز زمني بين العاشرة والحادية عشرة مساءً يوم 6 فبراير، ثم تراجع حاد بعد ذلك.

أدوات التحليل أظهرت أن الحملة حققت نحو 1400 تفاعل ووصولًا محتملاً لأكثر من 18 مليون حساب، لكن 65% من التفاعل جاء من السعودية، بينما لم تتجاوز نسبة التفاعل من داخل مصر 4.5%، في قضية يفترض أنها محلية بحتة. هذا الخلل الجغرافي مؤشر قوي على تضخيم خارجي أو استخدام حسابات بهويات خليجية لتفخيم الرسالة.

 

الحساب الذي أطلق الوسم الأول باسم "سلمى القرني" حساب قديم من حيث تاريخ الإنشاء، لكنه شبه خامل، بعدد متابعين لا يتجاوز 26، ويبدو أن موقعه من مصر بينما يشير عنوان الـIP إلى السعودية. تغيّر اسمه في أكتوبر 2023، وهي نفس الفترة التي شهدت إعادة تسمية عدد من الحسابات المشاركة الأخرى، وكلها تحمل صورًا لشخصيات خليجية أو شامية، وتنشر محتوى متنوعًا عن حفلات الرياض واليوم الوطني القطري، قبل أن تنتقل فجأة إلى الدفاع عن جهاز "مستقبل مصر".

 

هذا النمط معروف في دراسات الدعاية الرقمية بوصفه "إعادة تدوير الحسابات" لاستخدامها كشبكات جاهزة للحشد في قضايا مختلفة.

 

مركز DFRLab التابع لـAtlantic Council كان قد وثّق في 2023 شبكة مشابهة من الحسابات المصرية الموالية للحكومة على "تويتر" (إكس حاليًا)، تعمل على تضخيم الوسوم المؤيدة للسيسي والشرطة، ومهاجمة منصات التحقق من المعلومات مثل "صحيح مصر"، مع استخدام أنماط نشر متزامنة ومعدلات تغريد عالية بشكل غير بشري، وهو ما يؤكد أن ما رصدته المنصة في حملة "مستقبل مصر" ليس استثناءً، بل فصل جديد في استراتيجية مستمرة للسيطرة على النقاش العام عبر حسابات منسقة.

 

ماكينة دعاية عابرة للحدود.. من الشؤون المعنوية إلى تمويل إماراتي ومحتوى معادٍ للسعودية

 

منذ 2013، ظهرت شبكات رقمية تعمل بنفس الأسلوب تقريبًا: حسابات قديمة تُعاد تهيئتها، وسوم تظهر فجأة ثم تختفي، رسائل متقاربة في الصياغة، تفاعل جغرافي غير منطقي، واعتماد كثيف على حسابات خليجية أو بهويات مزيفة، في حملات تدافع عن كل ما يقرره النظام: من العاصمة الإدارية الجديدة، وقناة السويس الجديدة، ومشروع "حياة كريمة"، إلى قرارات تعويم الجنيه، ورفع الدعم، وقروض صندوق النقد. هذه الحملات غالبًا ما تُدار – بحسب شهادات سابقة – من مقرات مؤسسات رسمية، بمشاركة مجندين، وأجهزة مربوطة بمكاتب وساعات عمل وجداول إنتاج، في نمط أشبه بـ"مصنع محتوى دعائي" يعمل بعقلية عسكرية.

 

اعترافات يوتيوبر مثل محمد قنديل أضافت بعدًا جديدًا؛ الرجل، المحسوب نفسه على هذه اللجان، قال إن جهات إماراتية قدمت دعمًا ماليًا لعدد من صناع المحتوى بهدف مهاجمة السعودية وإثارة التوتر بين الشعوب، وأنه لم يكن يعلم أن ما يجري مرتبط بمشروع أوسع لإضعاف دول عربية لصالح أجندات إقليمية. هذه التصريحات، الصادرة عن شخص يُسوَّق إعلاميًا كباحث في "شئون الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة"، تكشف أن ماكينة الدعاية التي تدافع اليوم عن جهاز "مستقبل مصر" ليست محلية فقط، بل جزء من شبكة تمويل وتأثير عابرة للحدود، تتقاطع فيها مصالح الشؤون المعنوية في القاهرة مع نفوذ إعلامي إماراتي حريص على استثمار "خبراء تحت الطلب" في حروب سياسية واقتصادية.

 

الخبير في دراسات الإعلام الرقمي بالس عبد الرحمن (مركز أبحاث مستقل) يرى أن ما يحدث في مصر هو نموذج كلاسيكي لـ"بيئة معلوماتية مُدارة": الدولة والأجهزة المتحالفة معها لا تكتفي بالرقابة والمنع، بل تنتقل إلى مرحلة إنتاج سرديات مضادة عبر حملات منسقة، مستخدمة حسابات وهمية وممولة من الخارج، لتشويه الخصوم، وإعادة تدوير "فزاعة الإخوان" في كل ملف، بما في ذلك ملف القمح. فالحملة الأخيرة لم تكتف بالدفاع عن الجهاز، بل هاجمت المنتقدين باتهامهم بالانتماء للإخوان، في محاولة لشيطنة أي سؤال عن الشفافية أو العائد الحقيقي من نقل استيراد القمح إلى كيان عسكري.

 

في النهاية، تكشف حملة الدفاع عن "مستقبل مصر" ثلاث حقائق متشابكة: جهاز عسكري يحتكر استيراد سلعة استراتيجية بهوامش سعرية مثيرة للتساؤل، وحكومة تنقل مركز القرار من مؤسسات مدنية خضعت نسبيًا للتنافس إلى كيان مغلق خارج الرقابة، وماكينة دعاية رقمية تحاول تصنيع انطباع بأن الشارع يؤيد هذا المسار، عبر حسابات سعودية ومصرية مزيفة تتحرك بتوقيت واحد.

المشكلة هنا ليست فقط في فرق الـ50 دولارًا للطن، بل في نموذج حكم يستخدم القمح – وقوت الملايين – كملف اقتصاد–أمن مغلق داخل دائرة عسكرية–إعلامية، ثم يطلب من الناس أن يصدقوا أن "مستقبل مصر سلة غذاء مصر"، بينما الواقع يقول إن حاضر المصريين ومستقبلهم يُداران في غرف مغلقة، وتُسوَّقان عبر تريندات مصنّعة.