أثارت إحالة عدد من التجار والعاملين في قطاع الدواجن إلى المحاكمة الجنائية، بتهمة ارتكاب ممارسات احتكارية في سوق الدواجن البيضاء، غضبًا واسعًا داخل القطاع.
القرار صدر بناءً على بلاغ من جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، واستند إلى تحليل فني وإحصائي لأسعار الدواجن خلال فترة الفحص.
لكن منتجي الدواجن، وعلى رأسهم د. ثروت الزيني نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، يرون أن القضية تعكس ميلًا رسميًا لتحميل الوسطاء والمنتجين مسؤولية فوضى سوق الدواجن، بدلًا من الاعتراف بجذور الأزمة في السياسات الاقتصادية، وتكلفة الإنتاج، وإدارة ملف الأعلاف والاستيراد.
إحالة جنائية في سوق شديد التقلب
النيابة العامة قررت إحالة عدد من المتهمين إلى المحاكمة الجنائية، بتهمة التلاعب في سوق الدواجن البيضاء.
التحقيقات التي أجرتها نيابة الشئون الاقتصادية وغسل الأموال، اعتمدت على بلاغ جهاز حماية المنافسة.
الدراسة الفنية التي استندت إليها التحقيقات تحدثت عن “اتفاقات بين عدد من سماسرة تداول الدواجن البيضاء” بهدف التأثير على الأسعار.
النيابة قالت إن التحليل الإحصائي لبيانات التسعير وحركة التداول أظهر نمطًا متكررًا من التوازي في الأسعار المعلنة من جانب المتهمين.
هذا التوازي – وفق الرواية الرسمية – تجاوز الحدود الطبيعية لتقلبات السوق واختلاف العوامل الجغرافية وتكاليف الإنتاج.
كما أشارت إلى وجود ارتباط قوي بين الأسعار التي يعلنها المتهمون خلال فترات زمنية ممتدة، بما يعكس تنسيقًا مسبقًا واتفاقًا على رفع أو خفض أو تثبيت الأسعار.
في المقابل، يرى منتجو دواجن تحدثوا للصحافة الاقتصادية أن الاتكال على نماذج إحصائية وحدها، في سوق سلعة حية سريعة التلف، قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة.
خبير بارز في اتحاد منتجي الدواجن يؤكد أن تشابه الأسعار في مناطق متقاربة جغرافيًا، مع تشابه تكاليف العلف والنقل، لا يعني تلقائيًا وجود اتفاق سري، بل قد يعكس استجابة جماعية لنفس الظروف.
ويحذر من أن تحويل الخلاف حول تفسير البيانات إلى قضية جنائية واسعة، يرسل إشارة سلبية للقطاع في لحظة يعاني فيها أصلًا من ارتفاع التكلفة وتقلب سعر الصرف.
منتجو الدواجن: الأزمة في السياسات لا في السماسرة
د. ثروت الزيني انتقد بشدة إحالة التجار والعاملين في القطاع إلى المحاكمة تحت لافتة “حماية المنافسة”.
يرى أن الدواجن الحية ومنتجاتها، مثل بيض المائدة والكتكوت، سلع حية شديدة المرونة، لا تحتمل تخزينًا طويل الأجل، ولا تخضع لنماذج الاحتكار التقليدية.
بحسب الزيني، تتحرك أسعار الدواجن صعودًا وهبوطًا تبعًا لحجم الإنتاج والإتاحة الفعلية في السوق، وليس بقرار إداري من تاجر أو سمسار.
الزيني ذكّر بأن الصناعة باعت إنتاجها لمدة تجاوزت 6 أشهر بأقل من تكلفة الإنتاج.
وطرح سؤالًا مباشرًا: أين كان الاحتكار في تلك الفترة؟
هذا السؤال، برأيه، يكشف تناقضًا في الخطاب الرسمي؛ فحين ينهار السعر لصالح المستهلك لا يتحدث أحد عن “مؤامرة”، لكن عند ارتفاعه مع موجات التضخم يتم اتهام القطاع بالاحتكار.
منتج دواجن كبير في الدلتا يشارك الزيني موقفه.
يقول إن الملاحقة الأمنية، دون معالجة ملف الأعلاف وسعر الدولار وكلفة التدفئة والنقل، لن تستقر معها الأسعار.
من وجهة نظره، يصبح التاجر أو السمسار “حلقة ضعيفة” يسهل اتهامها، بدلًا من فتح ملف السياسات المنظمة للسوق.
خبير ثالث من كبار المنتجين يرى أن الحكومة تتعامل مع تقلب أسعار الدواجن كأنها قضية ضبطية فقط.
يقول إن هذا المنطق قد يدفع بعض العاملين الصغار إلى الخروج من السوق خوفًا من الملاحقة، ما يقلص العرض ويؤدي في النهاية إلى موجات جديدة من ارتفاع الأسعار.
العرض والطلب.. وأزمة إدارة السوق
الأرقام التي يذكرها د. ثروت الزيني تعكس حجم القطاع وحساسيته.
الإنتاج المحلي – وفق تقديره – يصل إلى نحو 4.5 مليون كتكوت يوميًا.
أسعار الكتاكيت تراجعت من حوالي 50 جنيهًا إلى ما بين 7 و10 جنيهات حاليًا.
هذا التغير الحاد مرتبط، بحسب الزيني، بالفجوة التي نتجت سابقًا عن نقص النقد الأجنبي وصعوبة استيراد جدود الدواجن، ما أدى وقتها لانخفاض الإنتاج وارتفاع الأسعار.
اليوم يتحدث عن “تجاوز الفجوة” مع تحسن الإتاحة، لكن الأسعار النهائية للفراخ لا تزال مرتفعة نسبيًا في نظر المستهلك.
الزيني يفسر هذا التناقض بقاعدة العرض والطلب.
سعر الكتكوت جزء من المعادلة، لكنه ليس العامل الوحيد.
هناك تكلفة أعلاف، وطاقة، ونقل، وتمويل، وكلها بنود تتأثر مباشرة بسعر الصرف والتضخم.
منتج رابع في صعيد مصر يشير إلى أن تقلب هذه المدخلات يجعل من المستحيل تقريبًا تثبيت سعر بيع نهائي مستقر، حتى مع انخفاض سعر الكتكوت.
في مواجهة هذه الفوضى، يدعو الزيني إلى آلية أكثر تنظيمًا للسوق.
يقترح الاستفادة من فترات الفائض وانخفاض الطلب، عبر ذبح الدواجن وتجميدها لتكوين مخزون استراتيجي.
هذا المخزون يمكن ضخه في فترات الذروة وارتفاع الطلب، بما يحد من القفزات الحادة في الأسعار.
منتجو الدواجن يرون أن هذه الأدوات الاقتصادية، مع سياسة واضحة لإدارة المخزون وتكلفة الإنتاج، أكثر جدوى من توسيع دائرة الاتهام الجنائي.
من وجهة نظرهم، معالجة جذور الأزمة أفضل من البحث عن “متهم جاهز” في السوق.
وبين خطاب رسمي يركز على “الممارسات الاحتكارية”، وقطاع يشتكي من تكلفة الإنتاج وسياسات السوق، يستمر المواطن في دفع الثمن الأعلى في النهاية، عند شباك بيع الفراخ.

