إيهاب جبارين

محلل سياسي وخبير في الشؤون الإسرائيلية

 

تخيل معي الغرف المغلقة تلك، حيث لا تظهر الأمور كما تبدو على الشاشات. هناك، لا تتحدث إسرائيل كمحرض يدفع الآخرين إلى العمل، بل كمن يمسك باللجام ويوجه الاتجاه بعناية.

 

المفارقة التي تكشفها نظرة عميقة داخل العقل الإسرائيلي- مستمدة من قراءاتي المباشرة للنقاشات العبرية في الدوائر الأمنية- هي أن تل أبيب اليوم لا تواجه إدارة أمريكية مترددة تحتاج إلى دفعة قوية، بل إدارة متحمسة تحتاج إلى إدارة حذرة لتجنب التصعيد غير المدروس.

 

هذا التحول ليس مجرد تغيير في اللهجة، بل يعكس ديناميكية جديدة حيث تتحول إسرائيل من الدافع إلى المنظم، محاوِلة الحفاظ على التوازن في منطقة مليئة بالمفاجآت.

 

نحن لسنا أمام واشنطن "منحازة لإسرائيل" بالمعنى التقليدي الذي اعتدنا عليه في الإعلام العربي، حيث يصور الدعم الأمريكي كشيك مفتوح دون شروط.

 

هذه لحظة نادرة، حيث تكون الإدارة الأمريكية أكثر يمينية، أكثر استعجالا، وأقل صبرا من جزء كبير من المؤسسة الإسرائيلية ذاتها، خاصة في أوساط الاستخبارات والجيش التي تفضل الحسابات الدقيقة على الاندفاع العاطفي.

 

لحظة مغرية بالتأكيد، لأنها تفتح أبوابا لتحقيق أهداف إستراتيجية طويلة الأمد، لكنها تحمل في طياتها مخاطر الاحتراق إذا لم تُدر بحكمة، خاصة مع تعدد الجبهات الإسرائيلية المفتوحة. هذه ليست فرصة عادية، بل نافذة زمنية قصيرة، مليئة بالمخاطر العالية، وتتطلب توازنا دقيقا يجمع بين الجرأة والحذر، مستندا إلى دروس التاريخ الإسرائيلي في التعامل مع الحلفاء الكبار.

 

انقلاب في المعادلة: من يضغط على من فعلا؟

 

في العلاقة الإسرائيلية-الأمريكية، كانت الأدوار تقليديا شبه ثابتة، مبنية على عقود من التنسيق: إسرائيل تضخم التهديد لتدفع الأمور نحو التصعيد، وواشنطن تبطئ الخطى لتوازن المصالح العالمية والداخلية.

 

تل أبيب تلوح بالعصا، مستندة إلى قدراتها الميدانية، والبيت الأبيض يفكر في العواقب الاقتصادية والسياسية. لكن اليوم، انعكس جزء من هذا المشهد بشكل ملحوظ، خاصة بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي أدت إلى صعود أصوات أكثر تشددا تجاه إيران. هذا الانعكاس ليس كاملا، لكنه يعكس تحولا في ميزان القوى، حيث أصبحت واشنطن الطرف الأكثر حماسا في بعض الجوانب.

 

في واشنطن، هناك إدارة تنظر إلى إيران كتهديد مركب:

 

  • أيديولوجي في الخطاب الرسمي الذي يربط بين "الإرهاب" والدعم الإيراني للمليشيات.

 

  • انتخابي في السياسة الداخلية حيث يستخدم الملف لتعزيز الصورة أمام الناخبين الجمهوريين.

 

  • ورمزي في صورة "القوة الأمريكية" التي يجب استعادتها بعد سنوات من التراخي المتصور تحت إدارات سابقة.

 

إيران هنا ليست مجرد ملف أمني يُدار بهدوء في الغرف الخلفية، بل أداة سياسية داخلية تساعد في تعزيز التحالفات مع الكونغرس، وإعادة ترتيب الأولويات الخارجية، خاصة مع الضغوط من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.

 

أما داخل إسرائيل، خاصة في الجيش وأجهزة الاستخبارات مثل الموساد والشين بيت، فتظهر قراءة أكثر حذرا وحسابا، مستمدة من تجارب سابقة مثل حرب لبنان 2006، أو الضربات المحدودة في سوريا.

 

هناك وعي حقيقي بتآكل الردع الإسرائيلي أمام حزب الله والحوثيين، بتعدد الجبهات المفتوحة (من غزة إلى لبنان واليمن)، وبمحدودية القدرة على حسم الأمور دون تورط أمريكي كامل- وما يتبع ذلك من تكاليف باهظة على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني من ضغوط داخلية، مثل التضخم والاحتجاجات الاجتماعية.

 

لذا، لا تضغط إسرائيل على أمريكا لتتشدد أكثر، بل لتدير تشددها بحيث لا يفلت الزمام، محافظة على هامش المناورة الإسرائيلي المستقل الذي يعتمد على عمليات سرية دقيقة.

 

ثلاث طبقات من الضغط.. ولا تسير كلها في الاتجاه ذاته

 

إسرائيل لا تمارس ضغطا أحادي الاتجاه، كما قد يبدو للوهلة الأولى في التقارير الإعلامية السطحية. بل تشغل ثلاث طبقات متزامنة، كل منها له وظيفة مختلفة، وأحيانا متناقضة قليلا، لكنها تكمل بعضها في النهاية لتشكل إستراتيجية متماسكة.

 

  • الطبقة الأولى سياسية وإعلامية: تضخيم التهديد بشكل مدروس ومنظم. خطاب يتحدث عن "النافذة النووية" التي تضيق يوما بعد يوم، تسريبات استخباراتية مختارة بعناية من تقارير الموساد، وسقف تهديد مرتفع يبقي إيران في مقدمة جدول الأعمال الأمريكي، كما رأينا في التصريحات الأخيرة لنتنياهو أمام الكونغرس.

الهدف ليس إشعال حرب فورية، بل منع أي تهدئة أو صفقة قد تغلق الملف وتعيد الأمور إلى نقطة الصفر، مثل محاولات الاتفاق النووي السابقة التي اعتبرتها إسرائيل "خيانة". هذا الضغط يبقي الضوء مسلطا، ويمنع الإدارة الأمريكية من التراجع تحت ضغط الرأي العام الدولي.

 

  • الطبقة الثانية أمنية: وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي غالبا ما تُغفل في التحليلات العربية. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بقيادة رئيس الأركان، لا تريد حربا أمريكية شاملة تفلت من السيطرة، كما حدث في العراق 2003.

القلق الحقيقي ليس من الحرب بحد ذاتها، بل من حرب تأتي في توقيت خاطئ، أو بدون إستراتيجية خروج واضحة، أو ضربة أمريكية كبيرة تغلق لاحقا هامش المناورة الإسرائيلي المستقل، مثل القدرة على شن ضربات جوية سرية ضد منشآت نووية إيرانية دون تنسيق كامل.

 

لذا، تضغط إسرائيل؛ لكنها في الوقت نفسه تمسك بالفرامل، تضمن أن تكون أي خطوة محسوبة، وتحافظ على قدرتها على العمل وحدها إذا لزم الأمر، مستندة إلى تجاربها في "عملية أوركارد" ضد سوريا عام 2007.

 

  • أما الطبقة الثالثة، فهي رمزية-سياسية: استثمار اللحظة الراهنة لربط الخيوط الإقليمية. إدارة أمريكية أكثر يمينية من الحكومة الإسرائيلية تفتح الباب أمام تمرير سياسات كانت صعبة في السابق، مثل توسيع التحالفات مع دول الخليج ضد "المحور الإيراني"، وربط إيران بكل ملفات الإقليم: غزة حيث يُتهم حماس بدعم إيراني، لبنان مع حزب الله، اليمن مع الحوثيين، وحتى التحديات الكبرى مثل الصين، وروسيا اللتين ترتبطان بطهران عبر صفقات أسلحة وطاقة.

 

بهذا، تتحول إيران من ملف منعزل إلى عدسة تفسير لكل فوضى الشرق الأوسط، مما يعزز التحالفات ويوسع الغطاء الدولي لإسرائيل، ويمنحها نفوذا أكبر في تشكيل السياسة الأمريكية.

 

لماذا هذه لحظة نادرة تاريخيا؟

 

لأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بنيت طويلا على ثنائية واضحة: أمريكا كلاعب إستراتيجي بارد، يفكر في المصالح العالمية والتوازنات الدولية، وإسرائيل كلاعب ميداني جريء، يدفع للعمل السريع مستندا إلى قربه الجغرافي من التهديد.

 

اليوم، تتقدم واشنطن بخطاب أيديولوجي مسرع، مدفوعا بالسياسة الداخلية والانتخابات، بينما تظهر إسرائيل- المثقلة بجبهات مفتوحة وهشاشة داخلية مثل الاحتجاجات ضد الإصلاح القضائي- قدرا أكبر من الحسابات الدقيقة والحذر.

 

ليس انقلابا كاملا، لكنه اختلال حاسم في ميزان الأدوار، يجعل إسرائيل في موقع المدير بدلا من الدافع، ويذكرنا بفترات تاريخية نادرة مثل عهد رونالد ريغان، حيث كانت واشنطن أكثر حماسا من تل أبيب في مواجهة الاتحاد السوفياتي.

 

كيف تستغل إسرائيل هذه اللحظة.. دون أن تحترق بها؟

 

من منظور إسرائيلي خالص، مستمد من نقاشات داخلية في منتديات أمنية عبرية، الاستغلال الذكي لا يعني دفع واشنطن إلى حرب شاملة، بل شيئا أكثر ذكاء:

 

  • تحميل أمريكا كلفة الردع اليومي، لا كلفة الانفجار الكبير، من خلال تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مثل: نشر حاملات الطائرات.

 

  • رفع مستوى التهديد دون الانخراط الكامل في مواجهة قد تكون مكلفة، كما في سيناريوهات محاكاة مشتركة بين الجيشين.

 

  • تحسين شروط أي مواجهة مستقبلية من خلال بناء تحالفات أقوى.

 

  • الحصول على غطاء دولي أوسع عبر الأمم المتحدة.

 

  • استنزاف إيران بشكل غير مباشر عبر الضغوط الاقتصادية والسياسية، مثل تشديد العقوبات على تجارة النفط الإيرانية.

 

  • وتأجيل القرار النهائي قدر الإمكان، مستفيدة من الدعم الأمريكي لتعزيز قدراتها الدفاعية مثل نظام "القبة الحديدية" المطور.

 

كل يوم لا تجبر فيه إسرائيل على حسم عسكري كبير هو يوم ربح إستراتيجي، يسمح بتعزيز القدرات الداخلية وإعادة ترتيب الجبهات، خاصة مع الضغوط الداخلية على نتنياهو للتركيز على الاقتصاد بدلا من المغامرات العسكرية.

 

لتعميق هذه القراءة، نذكر في هذا الشأن بعض ما قاله بنيامين نتنياهو، ليعكس هذا التنسيق الدقيق: "تم الوفاء بهذا الوعد. قبل وقت قصير، في تنسيق كامل بيني وبين الرئيس ترمب، وفي تنسيق عملياتي كامل بين الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي، هاجمت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية الثلاث: فوردو، نطنز، وأصفهان").

 

هذا الاقتباس، من بيان رسمي في 2025، يظهر كيف تدار اللحظة بتنسيق، لكن مع الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية، ويفتح سؤالا: هل يعني هذا أن إسرائيل تفضل الضربات الأمريكية لتجنب المسؤولية المباشرة؟

 

الخلاصة: إدارة حافة الهاوية

 

إسرائيل ترى في هذه الإدارة الأمريكية فرصة كبيرة، نعم- لأنها تسمح بتعزيز الردع دون تكاليف إسرائيلية فورية- لكنها ترى فيها أيضا خطرا حقيقيا، خاصة إذا أدى الاندفاع الأمريكي إلى تصعيد إيراني يؤثر على الحدود الشمالية.

 

إدارة أكثر يمينية من إسرائيل قد تقود إلى حرب، لكن ليس بالضرورة إلى نصر مستدام، كما أظهرت تجارب الماضي في العراق، وأفغانستان.

 

ومن هنا، لا يبدو الضغط الإسرائيلي اليوم كصراخ هستيري، بل كسياسة دقيقة لإدارة حافة الهاوية: رفع السقف بما يكفي لتخويف إيران وإبقائها تحت الضغط، وخفض الاندفاع بما يكفي لعدم السقوط في الفخ، مع الاستفادة من الدعم الأمريكي لتعزيز القدرات الداخلية.

 

هذه ليست سياسة انتصار سريع أو درامي، كما يروج البعض في الإعلام. إنها، بوضوح، سياسة تفادي الخسارة الكبرى، مع الحفاظ على التوازن في منطقة مليئة بالمفاجآت.

 

وفي النهاية، يطرح هذا سؤالا يستحق النقاش الشعبي: هل يمكن لإسرائيل أن تستمر في إدارة هذا الاندفاع الأمريكي دون أن يؤثر على استقلاليتها الإستراتيجية طويلة الأمد، خاصة مع تغيرات محتملة في الإدارات المقبلة؟