في تطور يرفع مستوى المخاطر الإقليمية حول الحرب السودانية، خلص تحقيق لوكالة «رويترز» إلى أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا غرب البلاد لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات «الدعم السريع»، اعتمادًا على صور أقمار صناعية ومذكرات أمنية وشهادات مصادر رسمية ودبلوماسية. ويقدّم التحقيق ما وصفته الوكالة بأنه “أول دليل مباشر” على انخراط إثيوبيا في الصراع، بما يضيف بعدًا جديدًا لحرب لم تعد محلية منذ زمن، بل باتت ساحة جذب لتدخلات وتمويلات خارجية تزيد من طولها وكلفتها الإنسانية.
معسكر «مينجي» على الحدود: بناء متدرّج واتساع سريع
وفقًا لـ«رويترز»، يقع المعسكر في منطقة أحراش ضمن إقليم بني شنقول-قمز غربي إثيوبيا، داخل حي/منطقة تُسمى “مينجي” وعلى مسافة تقارب 32 كيلومترًا من الحدود السودانية، في موقع “استراتيجي” عند التقاء إثيوبيا والسودان وجنوب السودان.
وتشير صور الأقمار الصناعية التي حللتها الوكالة إلى أن أول مؤشرات النشاط بدأت في أبريل، عبر إزالة الأحراش وبناء منشآت بأسقف معدنية شمال منطقة المعسكر الحالية، قبل أن يبدأ العمل في نطاق أوسع خلال النصف الثاني من أكتوبر، ثم تتزايد الحركة بشكل ملحوظ في أكتوبر وما بعده.
وتعرض «رويترز» تفاصيل دقيقة حول اتساع الموقع. فقد أظهرت صور بتاريخ 22 يناير 2026 وجود مئات الخيام ومسارات حركة للشاحنات في المنطقة. كما نقلت عن برقية دبلوماسية (لم تكشف الوكالة الدولة التي أصدرتها لحماية المصدر) أن المعسكر قد تصل طاقته الاستيعابية إلى 10,000 مقاتل، وأن النشاط تسارع مع وصول مركبات دفع رباعي وشاحنات ثقيلة ووحدات من «الدعم السريع» ومدربين إماراتيين.
وفي نقطة لافتة، تنقل الوكالة أن شركـة التحليل الدفاعي “Janes” قدّرت—استنادًا إلى صور أقمار صناعية أواخر نوفمبر—وجود أكثر من 640 خيمة، بما يعني قدرة على استيعاب ما لا يقل عن 2,500 شخص، لكنها أضافت أنها لا تستطيع تأكيد أن الموقع “عسكري” من الصور وحدها. هذا التفصيل يبرز طبيعة الملف: أدلة مرئية متقاطعة مع روايات مصادر ووثائق أمنية، مقابل صعوبة الوصول الميداني في منطقة نائية وحساسة.
«تمويل إماراتي» وفق مصادر ووثائق.. ونفي رسمي من أبوظبي
أخطر ما في تحقيق «رويترز» ليس موقع المعسكر فحسب، بل ما يورده عن التمويل والدعم. فالوكالة تقول إن ثمانية مصادر—من بينهم مسؤول حكومي إثيوبي رفيع—أفادوا بأن الإمارات موّلت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعمًا لوجستيًا، وهي رواية تتطابق—بحسب التحقيق—مع مذكرة داخلية من أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليها الوكالة.
وتقر «رويترز» بأنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من مشاركة الإمارات أو الغرض النهائي للمعسكر، وهو قيد مهم في القراءة الصحفية. لكن في المقابل نقلت ردًا مباشرًا من وزارة الخارجية الإماراتية يؤكد أن أبوظبي “ليست طرفًا في النزاع” وليست “منخرطة بأي شكل” في الأعمال القتالية.
وتأتي هذه الروايات في سياق أوسع من اتهامات متكررة؛ إذ تذكر «رويترز» أن الجيش السوداني سبق أن اتهم الإمارات بتزويد «الدعم السريع» بالسلاح، وأن خبراء أمميين ومشرعين أميركيين اعتبروا تلك الاتهامات “ذات مصداقية”، مع استمرار نفي الإمارات.
وتشير «رويترز» كذلك إلى تفصيل عملياتي مهم: مذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية تقول إنه مع مطلع يناير كان نحو 4,300 مقاتل من «الدعم السريع» يتلقون تدريبات في الموقع، وأن “الإمدادات اللوجستية والعسكرية” تُقدَّم لهم من الإمارات. هذا الاتهام، بصيغته الوثائقية، يرفع مستوى الإحراج الدبلوماسي ويزيد الضغط على الأطراف المعنية لتقديم ردود واضحة بدل الاكتفاء بالصمت أو النفي العام.
في المقابل، تقول الوكالة إن الحكومة الإثيوبية ومتحدثها والجيش الإثيوبي و«الدعم السريع» لم يردوا على طلبات تعليق تفصيلية، كما لم يرد الجيش السوداني. وتضيف أن الإمارات وإثيوبيا كانتا قد أصدرتا بيانًا مشتركًا في 6 يناير تضمن الدعوة لوقف إطلاق النار في السودان والتأكيد على علاقات ثنائية تخدم “أمن الطرفين”.
أثر ميداني سريع: تعزيز «الدعم السريع» ومخاطر تمدد الحرب عبر الحدود
تضع «رويترز» نشاط المعسكر ضمن معادلة ميدانية مباشرة: تزويد «الدعم السريع» برافد بشري جديد مع تصاعد القتال في جنوب السودان/جنوب السودان؟ (تحديدًا جنوب السودان؟) الوكالة تقصد جنوب السودان السودان (جنوب السودان/جنوب البلاد السودانية)، وتذكر أن ولاية النيل الأزرق تحولت إلى جبهة مهمة، وأن مجندين متوقع إرسالهم لدعم عمليات «الدعم السريع» هناك، بل إن “مئات” عبروا بالفعل خلال أسابيع.
كما تلفت الوكالة إلى بُعد تقني لا يقل خطورة: صور الأقمار الصناعية تُظهر أعمال إنشاء مركز تحكم أرضي للطائرات المسيّرة في مطار قريب، ما يعني أن الملف لا يتعلق فقط بتدريب مشاة، بل ببنية تشغيل قد تغيّر طبيعة القتال وحدته إذا أضيفت قدرات مسيّرة منظمة قرب الحدود.
ويأتي ذلك بينما تستمر الحرب السودانية في إنتاج كلفة إنسانية ضخمة: نزوح واسع، ومجاعة، وانتهاكات جسيمة، واتساع دوائر الاستهداف، وهو ما يكرّس قناعة متزايدة بأن الصراع أصبح شبكة إقليمية من الدعم المتبادل، لا مواجهة داخلية بين طرفين فقط.
خلاصة المشهد: تحقيق «رويترز» يضع إثيوبيا والإمارات—كلٌّ بدرجة مختلفة—تحت مجهر الاتهامات المتعلقة بتوسيع الحرب السودانية عبر معسكر تدريب ودعم لوجستي مزعوم، في وقتٍ يتراجع فيه هامش الإنكار السياسي مع وجود صور أقمار صناعية ووثائق أمنية وشهادات مصادر متعددة. وفي حال صحت التفاصيل التشغيلية الواردة، فإن المعسكر لا يمثل مجرد “خبر” بل مؤشرًا على انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر تداخلاً إقليميًا، بما يهدد بتوسيع الجبهة، وتعميق الأزمة، وإطالة أمد نزاع باتت كلفته تتجاوز السودان إلى محيطه المباشر.

