ينقل صالح سالم من القاهرة مشهدًا متصاعدًا لحملة شعبية غير متوقعة، تحوّلت فيها التمور—أحد أبرز عناصر مائدة الإفطار في رمضان—إلى أداة احتجاج سياسي ورمز للتضامن مع الفلسطينيين، وسط دعوات واسعة في مصر لمقاطعة علامات تجارية يُشتبه في ارتباطها بإسرائيل.


يوضح العربي الجديد أن منصات التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية في مصر تشهد نشاطًا مكثفًا مع اقتراب شهر رمضان، حيث يتداول مستخدمون قوائم بأسماء منتجات تمور يُعتقد أن مصدرها إسرائيل، ويدعون إلى تجنبها بوصف ذلك فعلًا مباشرًا للاحتجاج على السياسات الإسرائيلية، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة.


التمور تتحول إلى أداة احتجاج

 


تحتل التمور مكانة مركزية على موائد الإفطار في رمضان، لكن هذا العام اكتسبت دلالة سياسية غير مسبوقة. انتشرت على مواقع التواصل منشورات تحذّر من وجود تمور إسرائيلية في الأسواق المحلية، مع دعوات صريحة لمقاطعتها. كتب الناشط السياسي ورجل الأعمال ممدوح حمزة على فيسبوك أن تمورًا إسرائيلية دخلت بعض المتاجر، داعيًا المستهلكين إلى الالتزام بالمقاطعة والضغط على التجار لإزالتها من الأرفف.


تداول مستخدمون آخرون مقاطع مصوّرة ومنشورات تحذيرية، ورافقوها بعبارات مثل “إنذار مهم… تمور إسرائيلية بأسماء مختلفة، المقاطعة الكاملة مطلوبة”. ساهم هذا الزخم الرقمي في تأجيج موجة رفض واسعة، تزامنت مع استعداد المتاجر لعرض سلع رمضان من مكسرات وفواكه مجففة ومنتجات غذائية موسمية.


يرتبط هذا الحراك بسياق أوسع من حملات المقاطعة في مصر، تصاعد بعد الحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت في أكتوبر 2023. هذه المرة، تتغذى الحملة من روح رمضان ومن شعور متجدد بالتضامن مع فلسطين، في وقت يخزّن فيه المصريون كميات كبيرة من الغذاء استعدادًا لشهر يرتبط تقليديًا بالاستهلاك المكثف، رغم معناه الروحي القائم على الزهد وضبط النفس.


مفارقة التجارة والسياسة

 


تكشف الحملة مفارقة لافتة: فعلى الرغم من التوترات السياسية المستمرة بين مصر وإسرائيل، شهدت العلاقات التجارية بينهما نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، شمل سلعًا زراعية مثل التمور. وقّعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، لكنها، بعد أكثر من أربعة عقود، ما زالت تشهد علاقتهما فتورًا على المستوى الشعبي.


تتصادم القاهرة وتل أبيب سياسيًا حول مستقبل غزة وقضايا إقليمية أخرى، من بينها تحركات إسرائيل في القرن الإفريقي، حيث رفضت مصر مؤخرًا اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، معتبرة الخطوة محاولة لتطويقها استراتيجيًا. مع ذلك، لم تعكس التجارة الثنائية هذا التوتر، إذ واصلت الارتفاع.


سجّل التبادل التجاري بين البلدين في يونيو 2024 نحو 35 مليون دولار، بزيادة 29% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2023، بحسب بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي. وخلال النصف الأول من عام 2024، بلغ حجم التجارة 246.6 مليون دولار، بزيادة 53% على أساس سنوي. شكّل اتفاق غاز بقيمة 35 مليار دولار أحد أبرز أوجه هذا التعاون الاقتصادي، ما أبرز تشابك المصالح الاقتصادية رغم الخلافات السياسية.


يثير هذا التشابك انتقادات ناشطين مصريين يرون أن توسيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل يدعم اقتصادها ويتجاهل سياساتها الإقليمية وما يرتبط بها من انتهاكات بحق الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. يحذّر كمال أبو عيطة من مخاطر تعميق الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل، معتبرًا أن ذلك يهدد مصالح مصر واستقلال قرارها، ويعبّر عن أسفه لأن عوائد هذا التبادل تساهم في تمويل آلة عسكرية تستخدم ضد الفلسطينيين.


غضب شعبي ورسائل تضامن

 


تتعارض دعوات مقاطعة التمور الإسرائيلية مع التوجه الرسمي الداعم لاستمرار التبادل التجاري. يرى مشاركون في الحملة أن تحويل عادة رمضانية بسيطة إلى منصة احتجاج يمنح المستهلكين وسيلة ملموسة للتعبير عن الرفض والمطالبة بالمحاسبة. عبر فحص الملصقات واختيار بدائل محلية، يحوّل كثيرون وجبات الإفطار إلى فعل تضامن سياسي.


يقول زياد بسيوني، عضو حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، إن مقاطعة التمور الإسرائيلية تمثل بيانًا سياسيًا قويًا يعكس غضبًا شعبيًا واسعًا من السياسات الإسرائيلية. ويؤكد أن هذا الشكل السلمي من الاحتجاج يهدف إلى إيصال رسالة تضامن مع الفلسطينيين ورفض ما يُنظر إليه بوصفه دعمًا للاحتلال والظلم.


يشير بسيوني إلى احتمال دخول بعض المنتجات الإسرائيلية إلى السوق عبر وسطاء غير إسرائيليين، مع التلاعب ببلد المنشأ. ويشدد على ضرورة المقاطعة الشاملة لكل ما يرتبط بإسرائيل، معتبرًا ذلك الحد الأدنى من التضامن الممكن.


في المقابل، نفت الحكومة المصرية وجود تمور إسرائيلية في الأسواق، ونقلت في بيان عن وزارة الزراعة أن إسرائيل ليست بلدًا معتمدًا لاستيراد منتجات النخيل. وأكدت أن مصر، أكبر منتج للتمور عالميًا بأكثر من مليوني طن سنويًا، تعتمد أساسًا على إنتاجها المحلي، مع استيراد محدود من مصادر أخرى لأغراض صناعية وخارج المواسم.


رغم هذا النفي، يصر بعض النشطاء على صحة معلوماتهم، ما يعكس فجوة ثقة بين الرواية الرسمية والشارع، ويؤكد أن المقاطعة لم تعد مجرد رد فعل عابر، بل تعبيرًا مستمرًا عن وعي سياسي متصاعد، يرى في الاستهلاك اليومي ساحة جديدة للمقاومة الرمزية.

 

https://www.newarab.com/news/ramadan-egyptians-want-boycott-israeli-linked-dates?amp