تشتد معاناة النازحين في قطاع غزة تحت تأثير منخفض جوي قطبي وُصف بأنه غير مسبوق في ضراوته، ليضيف فصلًا جديدًا من المأساة إلى حصار الحرب والدمار. فمع الرياح العاتية والأمطار الغزيرة، أعلنت مصادر طبية وفاة 6 مواطنين، اليوم الثلاثاء، بينهم طفلان، بينما يحذر الدفاع المدني من تداعيات تهدد نحو 1.5 مليون فلسطيني يعيشون في ظروف نزوح قاسية، في ظل إصرار الاحتلال الإسرائيلي على منع دخول مستلزمات الإيواء والتدفئة والدواء.

 

وفيات بسبب البرد والانهيار وتهديد مباشر لـ1.5 مليون نازح

 

بحسب المصادر الطبية في غزة، أسفر المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع منذ فجر اليوم عن وفاة 6 مواطنين دفعة واحدة، بينهم طفلان، نتيجة البرد الشديد وانهيار منازل مدمرة أصابتها العاصفة، في مناطق نازحين كانوا يحتمون بما تبقى من بيوت أو بخيام مهترئة فوق الأنقاض.

 

المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، حذّر من تداعيات "كارثية" تهدد نحو 1.5 مليون فلسطيني نازح، يعيشون في مخيمات وخيام مؤقتة لا تقوى على مجابهة منخفض جوي قطبي بهذا الحجم، وصفه مختصون بأنه "غير مسبوق" في ضراوته على القطاع المحاصر.

 

وفي السياق ذاته، قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية إن ما يقرب من 10 آلاف أسرة على شاطئ غزة تعرضت للغرق وتطايرت مساكنها بفعل المنخفض الجوي الأخير، مؤكدًا أن الوضع الحالي هو "الأسوأ منذ بدء المنخفضات الجوية"، وأن آلاف العائلات باتت بلا مأوى عمليًا بعد أن جرفتها مياه الأمطار والرياح الشديدة.

 

وأضاف أن الاحتلال الإسرائيلي يضلّل الرأي العام بشأن أعداد الشاحنات التي تدخل إلى غزة، في وقت يمنع فيه فعليًا إدخال المواد الطبية الحيوية ومستلزمات الإيواء الأساسية، بما في ذلك الأغطية، والخيام الملائمة، ووسائل التدفئة، في ظل البرد القارس الذي يضرب القطاع الساحلي الصغير.

 

تضرر 132 ألف خيمة.. و7 آلاف خيمة انجرفت خلال يومين

 

الصورة الميدانية القاتمة أكدها مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، الذي قال للجزيرة إن أكثر من 132 ألف خيمة في قطاع غزة تضررت بفعل المنخفضات الجوية الأخيرة، ما جعلها غير صالحة للاستخدام، وترك عشرات الآلاف من الأسر في العراء أو في خيام ممزقة لا تحمي من مطر ولا برد.

 

الثوابتة اتهم الاحتلال الإسرائيلي بعدم الالتزام بما تفرضه الاتفاقات والبروتوكولات الإنسانية، مشيرًا إلى أن الاحتلال طرد من مناطق انتشاره أكثر من مليون فلسطيني، وتركهم يواجهون الموت البطيء في العراء، في ظروف جوية قاسية.

 

وفي بيان آخر، حذّر المكتب الإعلامي الحكومي من تداعيات إنسانية "كارثية" بفعل موجات البرد القارس والمنخفضات الجوية في ظل الحصار المستمر، موضحًا أن عدد الوفيات الناجمة عن البرد منذ دخول فصل الشتاء ارتفع إلى 7 أطفال، في مؤشر على خطورة الوضع على الفئات الأضعف.

 

وأضاف البيان أن الرياح العاتية أدت إلى انجراف نحو 7 آلاف خيمة خلال يومين فقط، ما يفاقم مأساة أكثر من مليون ونصف المليون نازح يفتقرون لأدنى مقومات الحياة، من مأوى آمن، ووسائل تدفئة، وأغطية وملابس شتوية. وحذّر من أن غياب وسائل التدفئة، وانعدام المأوى الآمن، والنقص الحاد في الأغطية والملابس الشتوية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية، عوامل تنذر بارتفاع أعداد الضحايا، خصوصًا من الأطفال وكبار السن، محمّلًا الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذه "النتائج المميتة".

 

7 أطفال يموتون بردًا و24 شهيدًا بانهيار البيوت.. الصحة تحذر من «القتل البطيء»

 

من جانبه، رسم المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة، منير البرش، صورة أكثر قسوة للوضع الصحي والإنساني. فقد أكد أن المأساة الإنسانية في القطاع "تتفاقم بالموت بسبب البرد وانهيار البيوت"، موضحًا أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم – على حد تعبيره – "سياسة القتل البطيء" مع سكان القطاع، عبر منع إدخال ما يلزم من الدواء والغذاء والإيواء، بالتزامن مع موجة الطقس العنيفة.

 

البرش أعلن ارتفاع عدد الأطفال الذين قضوا بسبب البرد إلى 7، في حين استشهد أكثر من 24 مواطنًا نتيجة انهيار البيوت المدمرة التي سقطت على من فيها خلال موجة المنخفضات الجوية، محذرًا من "كارثة أكبر" إذا لم يُسمح بإدخال المساعدات العاجلة.

 

وأوضح أن المعابر مغلقة أمام "الغذاء الحقيقي والأدوية الضرورية"، وأن الشاحنات لا تدخل محملة بالدواء رغم حاجة المستشفيات الملحّة له، مشيرًا إلى أن عدّاد المخزون الدوائي في قطاع غزة في "تناقص مستمر"، وأن الاحتلال لا يعطي الإذن بإدخال الأدوية الأساسية التي يحتاجها المرضى لإنقاذ حياتهم.

 

وأضاف أن أسرًا كاملة تأتي إلى المستشفيات وهي تعاني من الفيروسات مثل كورونا، في ظل الاكتظاظ وسوء ظروف الإيواء وانعدام التدفئة، وأن الأطفال والأمهات يعانون من سوء تغذية متزايد في القطاع، حيث لا تصلهم حصص غذائية كافية ولا أطعمة متوازنة. وأكد أن الأمهات الفلسطينيات يعانين من الإجهاض المبكر بسبب سوء التغذية والإجهاد الشديد، وأن الاحتلال ينتهج "سياسة تجويع مدروسة"، بينما "تستمر الإبادة في غزة بعقول باردة ضمن هندسة خبيثة"، على حد وصفه.

 

تحذيرات من حماس واليونيسف.. ودعوات عاجلة لإدخال الكرفانات والتدفئة

 

على مستوى المنظمات الدولية، قال المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في فلسطين، جيمس إلدر، للجزيرة، إن "أطفال غزة ما زالوا يُقتلون في حين يعتقد العالم أن هناك وقف إطلاق نار"، داعيًا إلى بذل مزيد من الضغوط على إسرائيل لإدخال المساعدات إلى غزة، وخاصة مستلزمات حماية الأطفال من البرد وسوء التغذية والمرض.

 

وفي الموقف السياسي، حذرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة مع اشتداد المنخفض الجوي واقتلاع الرياح العاتية لخيام النازحين، مؤكدة أن استمرار سقوط الشهداء بفعل القصف الإسرائيلي أو بسبب البرد القارس وانهيار المباني المدمرة – كما حدث الليلة الماضية وأدى إلى استشهاد 4 فلسطينيين بينهم أطفال – يعود إلى "سياسة الاحتلال في منع إدخال المساعدات ومواد الإيواء الأساسية".

 

ودعت الحركة الوسطاء والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والضغط العاجل على الاحتلال لإدخال الكرفانات، والخيام الملائمة، ومستلزمات التدفئة، والمساعدات الطبية والغذائية دون قيود، والشروع في إعادة الإعمار فورًا. كما طالبت الدول العربية والإسلامية وأحرار العالم بتكثيف الحراك التضامني لوقف الانتهاكات الإسرائيلية وضمان حق الفلسطينيين في الحياة الكريمة.

 

وفي ختام بياناته، دعا المكتب الإعلامي الحكومي في غزة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى "التحرك الفوري" لتوفير مراكز إيواء آمنة، وإدخال مستلزمات التدفئة والإغاثة قبل فوات الأوان، محذرًا من أن استمرار المنخفضات الجوية بالحدة نفسها، مع بقاء المعابر مغلقة أمام الغذاء الحقيقي والأدوية الضرورية، يعني حتمًا ارتفاع عدد الضحايا أكثر فأكثر، خاصة بين الأطفال الـ 1.5 مليون نازح الذين يواجهون بردًا قارسًا بلا سقف ولا دواء ولا غذاء كافٍ.