تستأنف اليوم الإثنين حركة عبور الأفراد في معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر في الاتجاهين، للمرة الأولى منذ شهور، لكن في إطار ضيق للغاية وتحت قيود أمنية مشددة.
يأتي ذلك بعد أيام من غارات إسرائيلية جديدة على القطاع أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى، وأثارت إدانات من الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية والإسلامية، وسط تحذيرات من أن استمرار الانتهاكات يهدد مسار وقف إطلاق النار الهش وخطة السلام الموعودة للقطاع المحاصر.
فتح رمزي ومعاناة مستمرة على بوابة غزة الجنوبية
وفق ما أعلنته الجهات المعنية، يسمح الافتتاح الحالي بعبور عدد محدود من الفلسطينيين سيرًا على الأقدام في كل اتجاه، مع أولوية للمرضى والحالات الإنسانية الحرجة وحملة الإقامات والأجنسة الأجنبية.
تقديرات ميدانية تتحدث عن عشرات فقط يمكنهم المرور يوميًا، في حين ينتظر آلاف المرضى والطلاب وأصحاب التأشيرات على قوائم سفر تراكمت على مدى شهور من الإغلاق.
الحركة اليوم تشمل الأفراد فقط، فلا دخول للشاحنات ولا للمساعدات الغذائية والدوائية، ما يعني أن أزمة الحياة اليومية داخل القطاع لن تشهد انفراجة حقيقية في المدى القريب.
فشحّ الوقود، وغياب المواد الخام، وانهيار البنية التحتية ما زالت وقائع قاسية يعيشها أكثر من 2 مليون فلسطيني، لا يغيّر منها عبور عشرات الأشخاص من بوابة مغلقة معظم الوقت.
مع ذلك، تنظر بعض الأسر إلى الاستئناف المحدود كـ “نافذة أمل” ولو ضيقة، تسمح على الأقل بخروج حالات الإصابة الحرجة للعلاج في المستشفيات المصرية، أو لحاق الطلاب بجامعاتهم في الخارج بعدما ضاعت عليهم فصول دراسية كاملة تحت القصف والحصار.
لكن هذا الأمل يظل مشروطًا بإرادة عسكرية إسرائيلية يمكن أن توقف الحركة في أي لحظة بحجة “الدواعي الأمنية”.
ممر “ريغافيم”.. رقابة إسرائيلية كاملة على الداخلين من مصر
الجديد هذه المرة ليس فقط إعادة فتح بوابات معبر رفح، بل إعلان جيش الاحتلال عن استكمال إنشاء ممر جديد لفحص وتفتيش القادمين من الجانب المصري إلى غزة، أطلق عليه اسم “ريغافيم”.
هذا الممر يقع في منطقة تخضع لسيطرة الجيش، وتديره الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بشكل مباشر، بحيث يتم تدقيق هويات العابرين وفق قوائم معتمدة مسبقًا، يُسمح لأصحابها بالدخول بينما يُستبعد آخرون لأسباب “أمنية” لا يُكشف عنها.
بهذه الخطوة، يتحول معبر رفح عمليًا إلى نقطة عبور “تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية”، حتى لو ظل من الناحية الشكلية بين مصر وغزة.
فكل من يدخل القطاع من الجنوب سيمر أولًا عبر الممر الإسرائيلي الجديد، قبل أن تطأ قدماه أرض غزة.
هذا الترتيب يكرّس منطق الحصار بدل أن يخففه؛ إذ يبقي قرار من يُسمح له بالدخول أو المنع في يد تل أبيب، ويجعل من قوائم الموافقة المسبقة سلاحًا للضغط والابتزاز السياسي والإنساني.
المنظمات الحقوقية حذّرت من أن هذا النمط من الرقابة يعمّق تحويل سكان غزة إلى “ملفات أمنية” تتحكم بها أجهزة الاحتلال، بدل أن يكونوا أصحاب حق في الحركة والتنقل.
كما نبّهت إلى أن حصر الفتح في الأفراد مع استمرار منع حركة البضائع والمساعدات يطيل أمد الكارثة الإنسانية، ويجعل من فتح المعبر حدثًا إعلاميًا أكثر منه تغييرًا حقيقيًا في واقع الحصار الممتد منذ أكثر من 17 عامًا.
إدانات دولية وهواجس من انهيار مسار التسوية
الانتهاكات الإسرائيلية التي سبقت إعادة فتح المعبر بأسابيع، وأسفرت عن سقوط عشرات الشهداء خلال أقل من 48 ساعة في أكثر من منطقة داخل القطاع، قوبلت بسيل من بيانات التنديد من الاتحاد الأوروبي وعدد من العواصم العربية والإسلامية.
هذه الدول حذّرت من أن استمرار الغارات والاقتحامات، بالتوازي مع إدارة إسرائيلية مشددة للمعابر، يقوّض المرحلة الثانية من خطة السلام التي يُفترض أن تنقل غزة من حالة الحرب إلى مسار إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية تدريجيًا.
في الشارع الغزّي، المشهد أكثر مرارة وتعقيدًا؛ فبينما تحتفل بعض العائلات بخروج مريض أو لمّ شمل طال انتظاره، يشعر كثيرون بأن ما يجري لا يرقى حتى إلى مستوى “هدنة إنسانية”.
القصف ما زال حاضرًا في الذاكرة والسماء، والبيوت المدمرة لم تُرمم، والبطالة والفقر يضغطان على أكثر من 60% من السكان، والحدود ـ شمالًا وجنوبًا وبحرًا ـ ما تزال تحت منظومة حصار محكمة.
خلاصة اليوم الأول من استئناف الحركة في رفح أن الباب فُتح، لكن تحت فوهة البندقية الإسرائيلية.
المعبر الذي كان الفلسطينيون ينظرون إليه كمتنفسهم الوحيد على العالم، أصبح جزءًا من ماكينة السيطرة والحصار.
وبين أمل الناس في حرية التنقل، وإصرار الاحتلال على الإخضاع الأمني، تبقى غزة رهينة ممرات ضيقة وخيوط سياسية متشابكة، لا تبدو معها أي خطوة أحادية كافية ما لم تُقرن بإرادة حقيقية لرفع الحصار، لا لإدارته بوسائل أكثر تشددًا.

