في الوقت الذي تختنق فيه الموازنة العامة بالديون وتكاليف خدمة الاقتراض، تواصل شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية التوسع في مشروع العاصمة الجديدة عبر مفاوضات مع مستثمرين أوروبيين وخليجيين لإنشاء منطقة حرة صناعية ولوجستية، مرتبطة بالقطار الكهربائي السريع وبموانئ مثل السخنة والإسكندرية. هذه المنطقة تأتي امتدادًا لمذكرة التفاهم الموقعة في أكتوبر 2024 مع موانئ دبي العالمية لتطوير منطقة حرة عامة على مساحة تقارب 500 فدان داخل أراضي العاصمة الإدارية، تستهدف صناعات السيارات والسلع الاستهلاكية سريعة التداول وغيرها.

 

بالتوازي، قفزت تقديرات تكلفة ترفيق المرحلة الثانية من المشروع إلى نحو 500 مليار جنيه للبنية التحتية فقط، مقابل نحو 350 مليار جنيه للمرحلة الأولى على مساحة تقارب 40,000 فدان، وفق مصادر داخل الشركة. وبينما تُدار هذه المليارات بعيدًا عن رقابة برلمانية حقيقية أو نقاش مجتمعي، تُستعد المنطقة الحرة الجديدة لتقديم حوافز ضريبية ولوجستية خاصة للمستثمر الأجنبي، في مشهد يرى فيه كثير من الخبراء ترجمة صريحة لمعنى: الأرباح في الصحراء، والفاتورة على المصريين.

 

منطقة حرة على مقاس المستثمر الأجنبي.. والحوافز من جيب المواطن

 

المصدر داخل شركة العاصمة أكد أن المفاوضات مع مستثمرين من دول أوروبية وخليجية تتركز على مشروعات للاستيراد والتصدير والشحن والخدمات اللوجستية، مستفيدة من ربط العاصمة الإدارية بالقطار الكهربائي السريع الذي يسهل الوصول إلى موانئ مثل العين السخنة والإسكندرية. هذه المشروعات، بحسب المصدر، يُخطط لتنفيذها خلال عام 2027، بعد إعلان حزمة من الحوافز الضريبية واللوجستية خلال النصف الأول من 2026 لصالح كل الشركات التي تستهدف الاستثمار في المنطقة الحرة.

 

هذا يعني عمليًا أن الدولة ستتحمل اليوم كلفة ترفيق وتعظيم قيمة الأرض، بينما يدخل المستثمر غدًا إلى منطقة مُجهَّزة بالكامل من بنية تحتية وطرق وكهرباء ومياه وغاز، فوق إعفاءات وتسهيلات ضريبية وجمركية. الخبير والمطوّر العقاري محمود عبد الشافي يرى أن هذه الصيغة تعيد إنتاج نفس النمط القديم: ضخ مليارات في الأرض والمرافق دون شفافية حقيقية حول العائد الاجتماعي، ثم بيع أفضل القطع لمستثمر كبير بشروط تفضيلية، بينما يبقى المواطن العادي خارج اللعبة تمامًا.

 

ويضيف عبد الشافي أن الخطورة الأكبر تكمن في أن هذه المناطق تستنزف موارد الدولة في الترفيق والإنفاق الرأسمالي، في حين لا تُلزم المستثمرين بحد أدنى من التشغيل المحلي، أو بنسب واضحة للتصدير، أو بإضافة تكنولوجية حقيقية للاقتصاد، فيتحول المشروع إلى منصّة عقارية مُقنّعة، أكثر منه منطقة صناعية منتجة.

 

500 مليار للبنية التحتية.. وملكية عسكرية مغلقة بغياب المساءلة

 

التقديرات المالية الأخيرة لمشروعات البنية التحتية للمرحلة الثانية، والتي اقتربت عندها التكلفة الإجمالية من حاجز 500 مليار جنيه، تكشف فلسفة إدارة المشروع: التوسع مهما كان الثمن، حتى لو كان على حساب أولويات الصحة والتعليم والخدمات في المحافظات الفقيرة. هذه المرحلة تتضمن مد وصلات المياه والغاز والكهرباء، وتنفيذ الطرق الرئيسية والفرعية، إضافة إلى البنية التكنولوجية للمدن الذكية.

 

هيكل ملكية شركة العاصمة الجديدة يعمّق الإشكال؛ إذ يتوزع بواقع 29% لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، و22% حصة عينية لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، و49% لهيئة المجتمعات العمرانية. هذا يعني أن القرار الاستثماري في واحدة من أكبر قطع الأرض في الشرق الأوسط، بما عليها من بنية تحتية بمئات المليارات، يظل بعيدًا عن أي مساءلة شعبية حقيقية، في ظل برلمان لا يمارس رقابة فعلية على هذه الكيانات.

 

الخبير العقاري علاء فكري يحذر من أن ضخ هذا الحجم من الإنفاق في مدينة واحدة شبه مغلقة، دون توازن مع مشروعات إسكان وخدمات حقيقية في باقي المحافظات، يخلق تشوهًا هيكليًا في السوق؛ فنحن – كما يقول – لا نطور سوقًا عقارية متوازنة، بل نبني جيوبًا مغلقة عالية الكلفة تُسحب لها الموارد من كل مكان، دون أن تعود ثمارها على أغلبية المواطنين. ويرى أن جزءًا معتبرًا من هذه المليارات كان يمكن أن يغيّر وجه الإسكان والخدمات في صعيد مصر والدلتا لو أُعيد توجيهه.

 

من جانبه، يشير الخبير العقاري هشام شكري إلى أن فكرة المنطقة الحرة ليست في ذاتها مشكلة، بل في طريقة إدارتها وترتيب الأولويات؛ فالمفترض أن ترتبط هذه المناطق بخطط واضحة لزيادة الصادرات الصناعية، لا أن تتحول إلى مجرد وسيلة جديدة لرفع أسعار الأراضي وإعادة بيعها لمستثمرين كبار في شكل شراكات عقارية ولوجستية. ويحذر شكري من أن المبالغة في التعويل على الطلب المرتبط بالعاصمة الإدارية وحدها، مع ارتفاع غير مسبوق في تكلفة الأرض والمرافق، قد يخلق فقاعة أسعار يصعب تصريفها لاحقًا إذا تراجعت القدرة الشرائية المحلية أو تبدلت شهية المستثمر الأجنبي.

 

مشروع نخبة مغلقة.. واقتصاد حقيقي خارج الصورة

 

بينما تُسوَّق العاصمة الإدارية باعتبارها "قاطرة النمو"، يرى كثير من الخبراء أن ما يحدث هو العكس: قاطرة تسحب السيولة والائتمان من بقية الاقتصاد لصالح أبراج ومناطق حرة وكمبوندات نخبوية.

 

الخبير العقاري محمد لاشين يلفت إلى أن الدولة تتعامل مع العاصمة الإدارية كـ"منتج عقاري" يحتاج إلى تسويق خارجي دائم، أكثر مما تتعامل معها كمدينة حية متكاملة الخدمات. فالمؤتمرات، والزيارات، ومذكرات التفاهم مع مستثمرين خليجيين وأوروبيين، تدور كلها حول بيع وحدات أو قطع أراضٍ أو حقوق تطوير، لا حول ربط المشروع بحلول لأزمة السكن أو بتطوير حقيقي للصناعة المحلية.

 

ويضيف لاشين أن التركيز على مشروعات فاخرة ومناطق حرة في قلب العاصمة، مع منح حوافز خاصة لمستثمرين أجانب، يكرس منطق "اقتصاد الجزر المعزولة": جزر ثرية مسوّرة ومتصلة بشبكة طرق وقطار سريع وموانئ، تحيط بها بحر واسع من مدن وقرى تعاني من ضعف الخدمات، وغلاء السكن، وتدهور البنية التحتية.

 

أما محمود عبد الشافي وعلاء فكري وهشام شكري فيلتقون – رغم اختلاف زوايا الرؤية – عند نقطة واحدة: لا مشكلة في أن تستثمر الدولة في مناطق جديدة وتفتح الباب لمستثمرين أجانب، لكن المشكلة حين يتحول ذلك إلى أولوية مطلقة، تُنفق لها مئات المليارات، بينما يظل الاقتصاد الحقيقي – صناعة وزراعة ومشروعات صغيرة ومتوسطة – ينتظر "فتات" التمويل.

 

في النهاية، تبدو المنطقة الحرة الجديدة في العاصمة الإدارية جزءًا من منطق أوسع: الدولة تستدين وتُرفِّق وتمنح الأرض والبنية التحتية الجاهزة، بينما ينتظر المستثمر الأجنبي "السجادة الحمراء" بالحوافز والتسهيلات. وبينما تُضاعَف مخصصات مشروع واحد إلى نحو 500 مليار جنيه، يبقى السؤال معلقًا: كم مدرسة ومستشفى ومصنع كان يمكن أن يُبنى خارج أسوار العاصمة لو أُعيد ترتيب الأولويات؟