يدخل قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في يناير ٢٠٢٦ عامه الثالث عشر في الحكم بينما تكشف الأرقام الرسمية والتقارير الدولية عن واقع اقتصادي واجتماعي خانق للمصريين، بعيد تمامًا عن صورة «الاستقرار» التي يروّج لها الخطاب الرسمي.

فخارج الشعارات، تقترب الديون الخارجية من حدود غير مسبوقة، وخدمة هذه الديون تلتهم الموارد العامة، في وقت تُباع فيه أصول وأراضٍ استراتيجية مثل رأس الحكمة وغيرِها مقابل سيولة مؤقتة، بينما يتوسع نفوذ الجيش الاقتصادي على حساب القطاع الخاص، ويترافق كل ذلك مع قبضة أمنية تُخرس أي نقد أو اعتراض.

 

اقتصاد على حافة الخطر: ديون تُسدَّد من جيب المواطن

 

بنهاية سبتمبر ٢٠٢٥، وصلت الديون الخارجية لمصر إلى نحو ١٦٣–١٦٤ مليار دولار، بحسب بيانات مؤسسات متخصصة تعتمد على أرقام البنك المركزي، بعد أن سجلت ١٦١,٢ مليار دولار في يونيو ٢٠٢٥، في منحنى صاعد مستمر منذ سنوات.

وفي الوقت نفسه، قام البنك المركزي برفع تقديراته لخدمة الدين الخارجي في عام ٢٠٢٦ إلى ما يقرب من ٢٨–٢٩ مليار دولار، بزيادة تقارب ١,٥–٢ مليار دولار عن التقديرات السابقة، في إشارة إلى تصاعد عبء الأقساط والفوائد معًا.

 

هذه الأرقام ليست مجرد حسابات على الورق؛ فهي تعني عمليًا أن الدولة مضطرة لتوفير عشرات المليارات من الدولارات سنويًا لسداد التزامات سابقة، عبر مزيد من الضرائب غير المباشرة، ورفع أسعار الوقود والكهرباء والخدمات، وتقليص الدعم، في بلد يعاني أغلب سكانه من تآكل الدخول وغلاء متواصل.

 

صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، التي أعلنت الحكومة أنها ستضخ ٣٥ مليار دولار كاستثمار مباشر قصير الأجل، ضمن مشروع يُتوقَّع أن تصل استثماراته الإجمالية إلى ١٥٠ مليار دولار على المدى الطويل، قُدِّمت رسميًا باعتبارها «طوق نجاة» للاقتصاد المصري.

لكن جوهرها يقوم على منح حقوق تطوير مساحات استراتيجية من الساحل الشمالي لصناديق سيادية خليجية مقابل سيولة دولارية عاجلة تُستخدم أساسًا في سد فجوات العملة الأجنبية وخدمة الديون، لا في تغيير نموذج التنمية نفسه.

 

النهج ذاته يتكرر في «حِزَم استثمارية» مع قطر والسعودية، سواء عبر شراكات بمليارات الدولارات أو مشروعات سياحية ضخمة على الساحل الشمالي، وكلها تأتي في سياق سعي النظام لتحويل الأصول العامة – خاصة الأراضي – إلى مصدر سريع للعملة الصعبة، دون معالجة جذور الأزمة المتمثلة في اقتصاد مديون تقوده الدولة والجيش عبر مشروعات ضخمة مموَّلة بالديون، لا يوازيها نمو إنتاجي حقيقي.

 

وحش الاقتصاد العسكري: إمبراطورية الجيش تخنق المنافسة

 

منذ ٢٠١٤، تمدد دور القوات المسلحة اقتصاديًا عبر جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وغيره، ليتحول من فاعل «مساند» إلى لاعب مهيمن في قطاعات حيوية: من البناء والطرق إلى الصناعات الغذائية والمياه المعبأة ومحطات الوقود والصلب والأسمدة.

هذا التوسع، الذي ترافق مع إعفاءات ضريبية وتسهيلات في الأراضي والعقود المباشرة، خلق وضعًا يشير إليه صندوق النقد الدولي نفسه باعتباره أحد أكبر معوقات نمو القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

 

في أبريل ٢٠٢٥، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن ترتيبات لطرح حصص في خمس شركات عسكرية عبر صندوق مصر السيادي: «وطنية» لتسويق المنتجات البترولية، «صافي» للمياه الطبيعية، «سايلو فودز» للصناعات الغذائية، ومحطات «شيل أوت»، والشركة الوطنية لإنشاء وتنمية الطرق.

ظاهريًا، تبدو هذه الخطوة استجابة لمطالب الصندوق بتوسيع دور القطاع الخاص، لكنها في الواقع تمس جزءًا صغيرًا من الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية، ولا تقترب من أسهم الجيش في الصلب أو الأسمنت أو مشروعات البنية التحتية الضخمة.

 

النتيجة المباشرة لهذا النموذج أن المنافسة العادلة تكاد تختفي: شركات مدنية تُزاح جانبًا أو تُجبَر على البيع أو الشراكة بشروط غير متكافئة، بينما تظل الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية محصنة بدرجة عالية من الرقابة والضرائب والإفصاح.

 

تقارير الصندوق نفسها تشير إلى أن «هيمنة الكيانات المملوكة للدولة والجيش، مع ضعف الشفافية، تقوّض الثقة وتُضعف الاستثمار الخاص»، وترفع في النهاية تكلفة المعيشة على المواطن الذي يدفع ثمن اقتصاد موجه من أعلى لأغراض سياسية ورمزية أكثر مما هو موجَّه لتعظيم رفاه المجتمع.

 

قمع شامل وخطاب ٢٥ يناير: دفاع لا يليق بمن يزعم الثقة

 

على المستوى السياسي والحقوقي، لا تقل الصورة قتامة. تقارير منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بالإضافة إلى مذكرات صادرة لمنصات حقوقية دولية وإقليمية، تؤكد استمرار نمط القمع الواسع: اعتقالات تعسفية، قضايا ملفقة، استخدام قوانين الطوارئ والجرائم الإلكترونية لقمع منتقدي السياسات الاقتصادية والحقوقية، واستهداف صحفيين ونشطاء ورجال أعمال لمجرد تعبيرهم عن رأي مخالف.

 

في المقابل، تُدار ملفات فساد كبرى – في التموين، والأراضي، وملفات الاحتكار – بعيدًا عن الشفافية، مع غياب محاسبة حقيقية لكبار المسؤولين، في رسالة واضحة مفادها أن «من في المعسكر الصحيح» يتمتع بحصانة ضمنية، بينما يُدفع ثمن الأزمة من حريات وموارد عموم الناس.

 

في هذا السياق، جاء خطاب السيسي في احتفال عيد الشرطة يوم ٢٤ يناير ٢٠٢٦، وهو يتحدث عن «تقوى الله» و«زوال السلطة» و«نقطة الدم التي سيُحاسَب عليها»، ويؤكد أن «يده نظيفة» وأن مصر «واحة أمن»، كخطاب دفاعي أكثر منه خطاب رئيس واثق من شرعيته ومساره.

الإشارة المتكررة إلى جيل «زد» الذي «كان طفلًا في ٢٠١١» وضرورة «احتوائه» تكشف خوفًا واضحًا من جيل جديد لم يعش هزائم التسعينيات ولا قمع ما قبل ٢٠١١ بالطريقة نفسها، لكنه يعيش اليوم نتائج السياسات الاقتصادية والحقوقية بكل قسوتها: غلاء يلتهم دخله، وديون ترهن مستقبله، وأرض تباع كأصل تجاري، ومساحة عامة مغلقة.

 

بعيدًا عن لغة التحريض المباشر، تكفي المقارنة بين الأرقام والخطاب لفضح التناقض: بلد يحمل على كتفيه دينًا خارجيًا يتجاوز ١٦٠ مليار دولار، ويُطالَب بسداد عشرات المليارات سنويًا، بينما يتضخم دور الجيش الاقتصادي ويتراجع القطاع الخاص، وتستمر القبضة الأمنية في ملاحقة كل من يرفع صوته.

في ظل هذه المعادلة، يبدو «الاستقرار» الذي يتحدث عنه النظام أقرب إلى تجميد للأزمة بالقوة، لا حلًّا لها، وإلى هدنة مفروضة بين سلطة تخشى الحساب وشعب يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم، ينتظر لحظة تُفتح فيها مساحة حقيقية ليقول كلمته بعيدًا عن الرصاص والدَّين والقمع.