كشف الدكتور عصام حجي، أستاذ جامعة جنوب كاليفورنيا والباحث في وكالة “ناسا”، عن نتائج دراسة علمية نُشرت في مجلة “نيتشر” (فرع Scientific Reports)، تحذّر من خطورة زحف الكثبان الرملية في الصحراء الغربية، خصوصًا في مناطق غرب النيل وغرب المنيا، بوصفها ليست مجرد قضية بيئية، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والبنية التحتية والاستثمارات الزراعية في مصر.

 

الدراسة، التي اعتمدت على تحليل صور أقمار صناعية عالية الدقة ونماذج رياضية متقدمة، ترسم خريطة إنذار مبكر لمنطقة يُفترض أنها “مشروع أمل” للتوسع الزراعي، لكنها تتحول تدريجيًا إلى جبهة مواجهة مفتوحة مع الرمال المتحركة.

 

 

 

https://nature.com/articles/s41598-026-35048-w

 

14٪ من الأراضي المزروعة و42٪ من المستصلحة تحت الخطر: ماذا تقول الأرقام؟

 

تُظهر نتائج الدراسة أن زحف الكثبان الرملية في غرب المنيا لم يعد ظاهرة هامشية، بل واقعًا ملموسًا يهدد جوهر مشروع التوسع الزراعي غرب النيل.

فوفق التحليل الذي أجرته مجموعة بحثية متعددة التخصصات من جامعة جنوب كاليفورنيا بالتعاون مع “ناسا” والهيئة الوطنية الفرنسية للأبحاث، فإن:

 

  • نحو 14٪ من إجمالي الأراضي المزروعة في المنطقة معرضة للتدهور بسبب تراكم الرمال.
  • حوالي 42٪ من الأراضي المستصلحة حديثًا تقع في مناطق شديدة الهشاشة أمام زحف الكثبان، مع توقعات بانخفاض إنتاجيتها بما يصل إلى 25٪ إذا استمر الوضع دون تدخل فعال.

 

هذه النسب لا تعني فقط تآكل مساحات خضراء، بل تعني ضربة مباشرة للاستثمارات الزراعية الضخمة التي ضُخت في مشروعات الاستصلاح غرب المنيا. فالكثبان لا تكتفي بطمر المحاصيل، بل تمتد لتخنق شرايين الحياة:

 

  • الطرق الزراعية والرئيسية التي تربط القرى بالمزارع تتعرض للانسداد المتكرر، ما يرفع تكلفة النقل ويعطل حركة العمال والإمدادات.
  • القنوات المائية وقنوات الري تُسد بالرمال، فتتعطل أنظمة الري، وتتراجع إنتاجية الأراضي، ويزداد الاعتماد على عمليات تطهير مكلفة ومتكررة.

 

وتقدّر الدراسة – وفق النماذج الاقتصادية – أن الخسائر السنوية الناتجة عن زحف الرمال على الأراضي الزراعية وشبكات الطرق والقنوات يمكن أن تصل إلى مئات الملايين من الدولارات إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.

وهي أرقام تتسق مع تقديرات الدراسة المنشورة في “نيتشر” التي قدّرت الأثر الإجمالي لزحف الكثبان في غرب المنيا وحدها بحوالي 300 مليون دولار سنويًا ما بين خسائر إنتاج وتكاليف إزالة رمال وصيانة بنية تحتية. 

 

بين الرياح والرعي الجائر والتغير المناخي: من يحرّك الكثبان؟

 

من الناحية العلمية، تشرح الدراسة أن حركة الكثبان الرملية في هذه المنطقة مرتبطة بمجموعة معقدة من العوامل الطبيعية والبشرية:

 

  • الرياح الموسمية واتجاهاتها: الرياح الشمالية الغربية السائدة تدفع الكثبان في اتجاه الأراضي الزراعية وقنوات الري والطرق، بمعدلات حركة تصل إلى عدة أمتار سنويًا، ما يعني أن منطقة اليوم الآمنة قد تصبح غدًا على خط المواجهة المباشر مع الرمال.
  • إزالة الغطاء النباتي والرعي الجائر: الأنشطة البشرية، خاصة قطع الأشجار والشجيرات واستخدام الأراضي الهشّة في الرعي المكثف، تقلل من قدرة التربة على مقاومة التعرية، وتفتح الباب أمام الرمال للتحرك بحرية أكبر نحو مناطق الاستصلاح الزراعي.
  • التغيرات المناخية: ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار وزيادة موجات الجفاف تجعل النظام البيئي أكثر هشاشة، وتزيد من احتمالات تفتت التربة وجفافها، وبالتالي سهولة نقلها بالرياح.

 

فريق حجي استخدم مزيجًا من صور الأقمار الصناعية متعددة الطيف، ونماذج رياضية ومحاكاة مناخية، لرصد حركة الرمال عبر الزمن، وتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر، وربط هذه الحركة بعناصر مثل سرعة الرياح، نوع التربة، الغطاء النباتي، واستخدامات الأراضي.

كما جرى دمج هذه النتائج مع بيانات الإنتاج الزراعي وخطط الاستصلاح، للوصول إلى نسب دقيقة تقريبًا لحجم الأراضي المهددة فعليًا، لا نظريًا فقط.

 

وتبرز أهمية هذا النهج في أنه لا يكتفي بوصف المشكلة، بل يقدّم أدوات عملية لصنّاع القرار: خرائط تفصيلية للمناطق ذات الخطورة العالية، يمكن الاعتماد عليها في توجيه الاستثمارات الزراعية، واختيار مواقع المشروعات الجديدة، وتحديد أولويات التدخل العاجل.

 

من الخطر إلى الفرصة: كيف يمكن لمصر أن تحوّل زحف الرمال إلى حافز لإصلاح سياساتها الزراعية؟

 

لا يتوقف بحث عصام حجي وفريقه عند إطلاق جرس إنذار، بل يتضمن حزمة حلول عملية تشير إلى أن مواجهة زحف الكثبان يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة التفكير في إدارة الموارد الطبيعية بدل الاكتفاء بإطفاء الحرائق كل عام.

 

من بين الحلول التي يقترحها الباحثون:

 

  • إعادة تشجير المناطق الهامشية: باستخدام نباتات مقاومة للجفاف مثل الكازورينا والأكاسيا، لخلق أحزمة خضراء تعمل كحواجز طبيعية أمام حركة الرمال، وتثبّت التربة وتعيد بعض التوازن البيئي.
  • إنشاء مصدات رملية صناعية: عبر حواجز خشبية أو شبكية تُزرع على مسافات محسوبة أمام الكثبان الأكثر حركة، لتثبيتها وتقليل سرعة زحفها قبل وصولها إلى الأراضي الزراعية والطرق والقنوات.
  • تحسين إدارة الموارد المائية: من خلال تبطين القنوات وحمايتها من الانسداد، وتطوير نظم ري حديثة (كالري بالتنقيط والرش) تقلل الفاقد وتزيد من كفاءة استخدام المياه، ما يسمح بإدارة أفضل للأراضي الهشّة.
  • التوعية وإشراك المجتمع المحلي: فنجاح أي خطة لمكافحة التصحر وزحف الرمال يتوقف على مشاركة المزارعين والسكان أنفسهم، عبر تغيير أنماط الرعي، والحفاظ على الغطاء النباتي، والمساهمة في حملات التشجير وصيانة المصدات.

 

على المستوى الاقتصادي، يحذّر حجي من أن تجاهل الظاهرة يعني عمليًا ترك استثمارات بمليارات الجنيهات في مشروعات الاستصلاح الزراعي تحت رحمة العوامل الطبيعية وسوء الإدارة، بينما يمكن – ببعض التخطيط والاستثمار في حلول طبيعية وهندسية – تقليل الخسائر إلى حد كبير وتحسين عائد هذه المشروعات على المدى الطويل.

 

كما يؤكد أن ما يحدث في غرب المنيا ليس حالة معزولة، بل نموذج مصغر لأزمة أكبر تمتد عبر مناطق واسعة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تتقاطع التصحر، والتغير المناخي، وسوء إدارة الأراضي في إنتاج مزيج خطير من الفقر البيئي والاقتصادي والهجرة القسرية.

إذا امتلكت مصر الشجاعة في الاعتراف بحجم التهديد، والاستفادة من الأبحاث العلمية مثل دراسة حجي، يمكن أن تتحول “حرب الرمال” من معركة خسارة بطيئة إلى مشروع وطني حقيقي لحماية الأمن الغذائي وتعزيز الاستدامة الزراعية في واحد من أكثر الأقاليم هشاشة في العالم.