في واحدة من أجرأ اللحظات التي يشهدها المشهد القضائي المصري منذ سنوات، أصدر مجلس إدارة نادي قضاة مصر بيانًا حادّ اللهجة يرفض «أي تغوّل أو تدخل» في شؤون السلطة القضائية، مؤكّدًا التمسّك باستقلال كامل «غير قابل للمساومة».

 

البيان جاء على وقع أزمة انفجرت بعد محاولة نقل ملف تعيين القضاة وأعضاء النيابة العامة إلى الأكاديمية العسكرية، في خطوة رآها كثيرون ذروة مسار طويل من عسكرة مؤسسات الدولة وضمّ القضاء إلى طابور الموظفين الخاضعين للفرز الأمني والعسكري، قبل أن يتراجع السيسي عن الصيغة المعلنة تحت ضغط احتجاجات القضاة وتهديدهم بخطوات تصعيدية غير مسبوقة. 

 

بيان نادي القضاة: لغة غير معهودة ورسالة مباشرة للسيسي

 

بيان نادي القضاة لم يكن مجرد تعبير بروتوكولي عن «القلق»، بل حمل لهجة أقرب إلى الإنذار السياسي: رفض قاطع لأي تدخل في التعيين والترقية، تأكيد أن مجلس القضاء الأعلى هو صاحب الاختصاص الدستوري الوحيد في اختيار القضاة وأعضاء النيابة، وتذكير صريح بحق هذا المجلس في إدارة ملف التوظيف والتدرج المهني داخل السلك القضائي.

 

اللقاء الذي جمع النادي بمجلس القضاء الأعلى أسفر – بحسب ما أُعلن – عن سبعة قرارات، أبرزها: استئناف مقابلات دفعة 2024، الإسراع بحسم ملفات دفعات 2023 و2022، إزالة معوقات الدورات التدريبية التي اعتبرها القضاة تدخّلًا غير مقبول، التحرك لإنشاء «أكاديمية وطنية للقضاء» مستقلة عن المؤسسة العسكرية، والتشديد على أن تعليق الجمعية العمومية للقضاة مرفوض، بوصفها أداة شرعية للتعبير عن موقف الجماعة القضائية.

 

خلف هذه اللغة القانونية، يلوّح القضاة بسلاح تاريخي: إذا لُمس جوهر استقلالهم المؤسسي، يمكن أن يتحول النادي – الذي يضم غالبية قضاة مصر – إلى مركز معارضة مؤسسية نادرة في دولة أحكم فيها الجيش قبضته على السياسة والإعلام والاقتصاد.

تاريخ نادي القضاة منذ الستينيات يبرهن أنه حين يقرر رفع الصوت، يكون ذلك مؤشرًا على أزمة أعمق في علاقة القضاء بالسلطة التنفيذية. 

 

عسكرة التعيينات: من «دورات تأهيل» إلى هيمنة عسكرية على مفاتيح القضاء

 

جوهر الأزمة يتمثّل في التوجه لنقل ملف اختيار القضاة وأعضاء النيابة من مؤسساته الطبيعية إلى الأكاديمية العسكرية: المتقدّم لا يصبح مرشحًا للقضاء إلا إذا اجتاز دورة عسكرية شاملة، جسدية ونفسية وأمنية، داخل مؤسسة تخضع مباشرة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، أي لرئيس الجمهورية نفسه.

تقارير صحفية مستقلة ووثائق لمنظمات حقوقية حذّرت من أن هذا النموذج يحوّل استقلال القضاء إلى شعار فارغ، ويجعل باب الدخول إلى المنصة بيد العسكر لا بيد المجالس القضائية.

 

المستشار محمد عبد المحسن، الرئيس الأسبق لنادي القضاة، كان من أوائل من وجّهوا رسالة مكتوبة للمجلس الأعلى للقضاء يرفض فيها إخضاع المرشحين الجدد لتدريب عسكري ملزم، معتبرًا أن هذا القرار «يمس صميم صلاحيات المجلس وحده» ويجعل سلطة التعيين الفعلية خارج يد القضاء.

الموقف نفسه عبّر عنه ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمهن القانونية، معتبرًا أن منح الأكاديمية العسكرية سلطة واسعة في تعيين وترقية القضاة «أكبر كارثة تواجه النظام القضائي منذ أكثر من 70 عامًا» و«انتهاك صارخ لمبدأ الفصل بين السلطات» وللمعايير الدولية لاستقلال القضاء.

 

الأخطر أن الأمر لا يتوقف عند «التدريب»، بل عند من يملك حق الفرز النهائي.

فبحسب تقارير «مدى مصر» و«المنصة»، تنتقل آلية التقديم والتصفية إلى الأكاديمية، بحيث تُجمَع طلبات خريجي الحقوق أولًا لديها، وتُجرى الاختبارات هناك، ثم يُعاد تمرير الأسماء «المختارة» إلى المجالس القضائية للتوقيع فقط، ما يحوّل دورها إلى وظيفة شرفية ويكرّس جيلًا من القضاة «مُدرَّبين على الطاعة» منذ اللحظة الأولى لمسارهم المهني.

 

هذه العسكرة ليست معزولة؛ فهي امتداد لمسار بدأ بفرض دورات مماثلة على الدبلوماسيين الجدد، وأئمة الأوقاف، ومدرّسي التعليم العام، وموظفي الوزارات المدنية، في إطار مشروع أشمل لتحويل الأكاديمية العسكرية إلى بوابة إجبارية لكل من يريد دخول جهاز الدولة.

هنا يصبح القضاء حلقة جديدة في سلسلة طويلة من إخضاع المؤسسات المدنية لهيمنة أمنية–عسكرية مباشرة.

 

تراجع السيسي: انتصار قضائي أم مناورة لامتصاص الغضب؟

 

التصعيد الذي قاده نادي القضاة – من بيان حاد، إلى دعوة لاجتماع طارئ واسع التمثيل من مختلف المحافظات، مع التلويح بعقد جمعية عمومية غير مسبوقة – وضع السلطة التنفيذية أمام اختبار حرج: هل تُصرّ على المضي في عسكرة القضاء وتغامر بتمرد مؤسسي داخل واحدة من آخر مؤسسات الدولة ذات الحساسية الرمزية؟ أم تبحث عن صيغة تراجع جزئي تُبقي القرار مضمونًا وتُخفف كلفته السياسية؟

 

التراجع الذي نُقل عن السيسي يمكن قراءته في هذا السياق: تعديل في الشكل واللغة، وربما تأجيل في التطبيق المباشر، مقابل الإبقاء على جوهر التوجيهات التي تمنح الأكاديمية العسكرية وزنًا حاسمًا في مسار التعيين والتدريب.

فبحسب مصادر قضائية تحدّثت لوسائل إعلام مستقلة، ما زالت التعليمات الرئاسية الخاصة بدور الأكاديمية سارية من حيث المبدأ، فيما يجري البحث عن إخراج «أقل استفزازًا» للقضاة، مع تسويق الفكرة باعتبارها «تعاونًا» لا «استحواذًا».

بعض البيانات الرسمية التي صدرت لاحقًا تحدّثت عن «اتساق» بين اختصاص مجلس القضاء الأعلى و«توجّهات الرئيس»، في صياغة اعتبرها قضاة غاضبون محاولة واضحة لاحتواء الغضب دون التراجع الحقيقي عن عسكرة التعيينات.

 

من هنا، تبدو معركة استقلال القضاء أبعد ما تكون عن الحسم. نادي القضاة رسم سقفًا عاليًا لرفضه، لكن اختبار الجدية سيكون في مدى استعداده للذهاب إلى النهاية إذا حاولت السلطة الالتفاف على وعودها، خاصة أن قطاعات واسعة من القضاة كانت – لسنوات – أقرب إلى الاصطفاف مع السلطة التنفيذية منها إلى مواجهتها.

الجديد هذه المرة أن التهديد يمسّ قلب الامتياز القضائي نفسه: من يملك حق الدخول إلى «نادي المنصة»، ومن يملك قرار مستقبل القاضي وترقيته وعلاقته بالمؤسسة العسكرية.

 

في بلد عانى طويلًا من تسييس القضاء وتسخيره لأهداف السلطة، يمكن للمعركة الجارية حول الأكاديمية العسكرية أن تكون لحظة فاصلة: إمّا أن تُكرَّس سابقة رسمية بتسليم مفاتيح العدالة إلى مؤسسة مسلحة، فتُقبر ما تبقّى من استقلال شكلي؛ أو يُفرض – ولو جزئيًّا – تراجع أمام ضغط قضائي غير معتاد، بما يعيد فتح النقاش حول معنى استقلال القضاء وأدوات الدفاع عنه في مصر ما بعد 2013.

وفي الحالتين، يبقى المؤكد أن ما جرى كشف حجم التوتر البنيوي بين قضاء يُفترض أن يكون «سلطة مستقلة»، وسلطة تنفيذية ترفض الاعتراف بأي حدود حقيقية لنفوذها.