تشهد السعودية تحولًا جديدًا في مسار «رؤية 2030»، مع إعلان إطلاق استراتيجية وطنية جديدة للخصخصة تهدف إلى توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية على الرياض بسبب تراجع أسعار النفط، وتكاليف الاستعداد لـ«إكسبو 2030» وكأس العالم 2034، وتعثّر عدد من المشروعات العملاقة وفي مقدمتها «نيوم».
الاستراتيجية لا تُقرأ فقط بوصفها خطة اقتصادية جديدة، بل كجزء من عملية إعادة ضبط شاملة لأولويات الإنفاق والاستثمار في المملكة.
ما الذي تعنيه الاستراتيجية الوطنية الجديدة للخصخصة؟
بحسب بيان المركز الوطني للتخصيص، تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى توسيع نطاق الشراكات مع القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الكبرى، وخلق «عشرات الآلاف» من الوظائف عالية الجودة، مع حشد أكثر من 64 مليار دولار استثمارات رأسمالية من القطاع الخاص بحلول عام 2030.
الاستراتيجية تمثل – وفق الصياغة الرسمية – انتقالًا من «المرحلة التأسيسية» إلى «مرحلة التنفيذ»، أي من إعداد الأطر النظامية والمؤسسية إلى دفع عقود الخصخصة والشراكات إلى السوق فعليًا.
وتشير التصريحات الحكومية إلى استهداف 18 قطاعًا وُضعت ضمنها أكثر من 220 عقد شراكة بنهاية العقد الحالي، ما يعني أن خصخصة الأصول والخدمات لن تبقى محصورة في مجالات تقليدية مثل الموانئ والكهرباء، بل تمتد إلى قطاعات أوسع من البنية التحتية والخدمات العامة.
في الخلفية، تسعى الرياض إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وتقليل العبء المباشر على المالية العامة، عبر تحويل الدولة من «مالك ومُشغِّل» إلى «منظّم ومُمكِّن»، مع إبقاء يدها العليا عبر صندوق الاستثمارات العامة والأذرع السيادية الأخرى.
لكن هذا التوسع في الخصخصة يثير أيضًا تساؤلات حول شكل الرقابة والتنظيم، وضمان ألا تتحول عقود الشراكة إلى احتكارات خاصة جديدة أو زيادات في كلفة الخدمات على المواطن إذا لم تصاحبها إصلاحات حقيقية في الحوكمة والشفافية.
ضغوط السيولة وتكاليف «إكسبو» والمونديال وتراجع النفط
إطلاق الاستراتيجية الجديدة يأتي في لحظة مالية حساسة. فبعد عقد من الإنفاق الكثيف على «المشروعات العملاقة» والمشاريع البنية التحتية الضخمة، باتت السعودية في حاجة لإعادة ترتيب أولوياتها التمويلية.
تراجع أسعار النفط عن مستويات الذروة، مع استمرار الاعتماد الكبير على العوائد النفطية في تمويل الميزانية، خلق فجوة بين الطموح الاستثماري والقدرة الفعلية على التمويل.
إلى جانب ذلك، تواجه المملكة استحقاقات مالية ضخمة مرتبطة بالتحضير لاستضافة معرض «إكسبو 2030» في الرياض، وكأس العالم 2034 لكرة القدم، بما يعنيه ذلك من استثمارات هائلة في البنية التحتية للنقل، والإقامة، والخدمات اللوجستية والأمنية، وغيرها من المرافق.
هذه الالتزامات تضغط على الموارد المتاحة لصندوق الاستثمارات العامة، الذي يمول أيضًا جزءًا كبيرًا من «مشروعات الرؤية» الأخرى.
هذه الضغوط ظهرت بوضوح في سلسلة من الإشارات خلال الشهور الماضية: تعليق العمل في مشروع «المكعب» (Mukaab) الضخم في الرياض لإعادة تقييم جدواه، وإعادة النظر في جداول التنفيذ والتكاليف لعدد من المشروعات العملاقة المرتبطة بـ«رؤية 2030».
الخطاب الرسمي لا يعترف بتراجع عن الطموح، لكنه بات يتحدث أكثر عن «إعادة ترتيب الأولويات» و«تعظيم الأثر الاقتصادي للاستثمار»، وهي إشارات تعكس حقيقة أن الموارد ليست بلا سقف، وأن الدولة مضطرة اليوم للمفاضلة بين مشروعاتها الكبرى.
في هذا السياق، تبدو الخصخصة أداة مزدوجة: من جهة، وسيلة لنقل جزء من فاتورة الإنفاق إلى القطاع الخاص وجذب رؤوس أموال جديدة؛ ومن جهة أخرى، آلية لإرسال رسالة طمأنة للأسواق والمستثمرين بأن الرياض جادة في ضبط إنفاقها وتخفيف الأعباء عن الميزانية العامة، دون أن تتخلى – في الوقت نفسه – عن قيادة المشهد الاقتصادي.
«نيوم» بين تقليص الطموح والتحول إلى عقدة بيانات للذكاء الاصطناعي
أكثر الملفات رمزية في هذا التحول هو مشروع «نيوم» العملاق على ساحل البحر الأحمر، الذي كان يفترض أن يغطي مساحة بحجم بلجيكا، ويصبح أحد أعمدة «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد.
لكن تقارير صحفية غربية عدة كشفت عن مراجعة داخلية عميقة للمشروع، انتهت – بحسب التسريبات – إلى تصوّر «أصغر بكثير» من المخطط الأصلي، خاصة للعنصر الأكثر دعاية فيه: مدينة «ذا لاين» الخطية.
«ذا لاين»، التي رُوّج لها كمدينة مستقبلية تمتد نحو 170 كيلومترًا بلا سيارات، وبطاقة استيعابية تصل إلى 9 ملايين نسمة، تواجه الآن تقليصًا جذريًا في المساحة والوظيفة، مع توجه إلى الاكتفاء بجزء أصغر بكثير، وتحويل التركيز من «مدينة متكاملة للمعيشة» إلى بنية تحتية لصناعة البيانات والذكاء الاصطناعي.
تقارير تقنية واقتصادية حديثة تتحدث عن إعادة تصميم للمشروع بحيث يتحول «نيوم» إلى مركز إقليمي لمراكز بيانات عملاقة، تستفيد من موقعه الساحلي لإقامة أنظمة تبريد تعتمد على مياه البحر، وتخدم طفرة الطلب على قدرات الحوسبة المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول يحمل بُعدين أساسيين:
أولًا، اعتراف عملي – ولو غير معلن – بأن التصور الأولي للمشروع كان متضخمًا وغير قابل للتنفيذ وفق الجداول الزمنية والتكاليف المعلنة، في ظل واقع مالي وأسواق استثمارية أكثر تحفظًا بكثير مما افترضه صانع القرار السعودي في السنوات الأولى للإطلاق.
ثانيًا، محاولة إعادة تموضع السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، ليس فقط عبر الاستثمار في شركات التقنية حول العالم، بل بتحويل جزء من مشروعاتها الداخلية إلى منصات لاستضافة مراكز البيانات وخدمات الحوسبة السحابية، بما يعزز جاذبية المملكة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
لكن الرهان على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لا يلغي الأسئلة الصعبة حول مصير الاستثمارات الضخمة التي ضُخت بالفعل في «نيوم»، ولا حول الآثار الاجتماعية والبيئية للمشروع، خصوصًا في ما يتعلق بتهجير المجتمعات المحلية وتغير أنماط استخدام الأرض في المنطقة.
كما يبقى سؤال الثقة: إلى أي مدى سيغامر المستثمرون العالميون بدخول مشروعات أعيد تصميمها أكثر من مرة، في بيئة ما زالت تدار بدرجة عالية من المركزية السياسية والاقتصادية؟
في المحصلة، تبدو الاستراتيجية الوطنية الجديدة للخصخصة محاولة لالتقاط الأنفاس المالية وإعادة توزيع الأعباء بين الدولة والقطاع الخاص، في لحظة تتراجع فيها قدرة الرياض على تمويل كل طموحات «رؤية 2030» بالوتيرة نفسها.
تقليص «نيوم» وإعادة توجيهه نحو الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تعديل تقني في مشروع واحد، بل مؤشر على إعادة صياغة أوسع لأولويات الاستثمار: من «مدن خيالية» إلى بنى تحتية رقمية يُراهن عليها كقاطرة للنمو المستقبلي.
غير أن نجاح هذه المقاربة سيعتمد في النهاية على عوامل عدة: كفاءة الإطار التنظيمي لعقود الشراكة، مستوى الشفافية في إدارة الأصول العامة، قدرة الدولة على حماية المستهلك من آثار الخصخصة على الأسعار وجودة الخدمات، ومدى استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر السياسية والاقتصادية في سوق لا تزال في طور إعادة تشكيل قواعد اللعبة بين الدولة والقطاع الخاص.

