تخصيص الهيئة العامة للبترول نحو 1.75 مليار دولار لاستيراد شحنات خام ومنتجات بترولية خلال شهري يناير وفبراير فقط، وبزيادة تقارب 10% عن نفس الفترة من العام الماضي، ليس مجرد رقم عابر في نشرة اقتصادية، بل جرس إنذار جديد عن دولة تحرق دولاراتها في تانكات البنزين بدل أن تستثمرها في إنقاذ اقتصاد يترنّح.
فاتورة استيراد المواد البترولية قفزت في العام المالي الماضي إلى 19.4 مليار دولار بعد زيادة قدرها 6 مليارات، بينما تستمر الحكومة في بيع الوهم عن "الاكتفاء" و"مركز إقليمي للطاقة"، في حين أن الأرقام تقول بوضوح: نحن نستورد أكثر، وندفع أغلى، ونغرق أعمق.
فاتورة وقود تلتهم الدولارات وتخنق السوق المحلية
بحسب المصدر المطلع في هيئة البترول، تم الاتفاق على استلام ست شحنات خلال يناير وفبراير: شحنتان من النفط الخام، وأربع شحنات منتجات (سولار، بنزين، بوتاجاز)، بتكلفة إجمالية أعلى بنحو 170 مليون دولار عن الفترة نفسها من العام الماضي (1.75 مليار مقابل 1.58 مليار دولار تقريبًا).
هذا النزيف ليس رقمًا معزولًا؛ فهو جزء من فاتورة استيراد ضخمة وصلت إلى 19.4 مليار دولار في 2024/2025، مدفوعة أساسًا باستيراد الغاز المسال والمنتجات البترولية.
خبير طاقة اقتصادي مستقل يرى أن استمرار هذه الفاتورة بهذا الحجم يعني شيئًا واحدًا:
"كل دولار يخرج لاستيراد سولار وبنزين هو دولار لا يُنفق على التعليم والصحة والصناعة، ولا يُستخدم لتخفيف الدين الخارجي. نحن نمول عجز الطاقة بقروض واحتياطي نقدي محدود، ثم نتعجب من تآكل الجنيه وارتفاع الأسعار".
ويحذر الخبير من أن الاعتماد المكثف على الواردات في ظل تراجع الثقة في الاقتصاد المصري وارتفاع مخاطر البلد يجعل البلاد رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، وأي توتر جيوسياسي أو صدمة في أسواق النفط سيترجم فورًا إلى مزيد من الضغط على العملة والأسعار والاحتياطي النقدي.
إهمال مقصود للتكرير.. ثم بكاء على فاتورة الاستيراد
الحكومة تلقي باللوم – كما جرت عادتها – على "الظروف العالمية" و"ارتفاع أسعار الطاقة"، لكن خبراء في قطاع البترول نفسه يعترفون بأن جوهر الأزمة داخلي:
معامل تكرير قديمة لم تُطوَّر بالقدر الكافي، طاقات إنتاجية ضائعة، ومشروعات تأجيلها صار هو القاعدة لا الاستثناء.
مهندس سابق في إحدى شركات التكرير الكبرى يعلّق بحدة:
"لو كانت الدولة خصصت خلال العشر سنوات الماضية جزءًا من هذه المليارات التي ندفعها الآن للاستيراد لتحديث المعامل، لكانت فاتورة الاستيراد اليوم نصف ما هي عليه. لكن الأولوية كانت للقصور والعواصم والمدن الوهمية، لا لمعامل تكرير تنتج سولارًا وبنزينًا للمصريين".
خبير ثالث في سياسات الطاقة يضيف أن الدولة تتعامل مع قطاع البترول بعقلية "المسكنات": تبحث عن تمويل عاجل لاستيراد شحنات تُسكت السوق شهرين أو ثلاثة، بدل امتلاك خطة استراتيجية حقيقية تقوم على:
- رفع كفاءة معامل التكرير القديمة في الإسكندرية والسويس وأسيوط بدلاً من تركها تتحلل ببطء.
- توجيه جزء من عوائد تصدير الغاز المسال إلى استثمارات إنتاج وتكرير داخلي، لا إلى سد فجوات موازنة مشتعلة.
- إلزام الحكومة بالشفافية في إعلان تكاليف الاستيراد والعقود طويلة الأجل، بدل إدارة الملف في غرف مغلقة.
نصدّر غازًا ونستورد سولارًا: معادلة مقلوبة وخسارة مزدوجة
في الوقت الذي تعلن فيه وزارة البترول عن تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال من مجمع إدكو لصالح شركة "شل" متجهة إلى أحد الموانئ التركية؛ تعتمد الدولة على استيراد السولار والبنزين والبوتاجاز لتغطية احتياجات السوق المحلية.
على الورق، يمكن تبرير هذه السياسة بأن مصر تستفيد من فروق الأسعار بين الغاز المسال والمنتجات البترولية، لكن على أرض الواقع تبدو المعادلة مقلوبة وخاسرة:
- نصدر خامًا أو غازًا مسالًا لنحصل على عملة صعبة عاجلة.
- نعود فنشتري منتجات نهائية بأسعار أعلى بكثير، في ظل تكلفة شحن وتأمين ونقل.
- نضع السوق المحلية تحت رحمة أسعار خارجية لا نتحكم فيها، مع كل ما يعنيه ذلك من ارتفاع أسعار النقل والسلع والخدمات.
محلل أسواق طاقة دولية (الخبير الرابع) يشير إلى أن هذه السياسة تكشف عن عجز تخطيطي:
"الدول التي تملك احتياطيات من الغاز والنفط تحاول قدر الإمكان تعظيم القيمة المضافة محليًا عبر التكرير والبتروكيماويات، لا بيع الخام واستيراد المشتقات. ما تفعله مصر الآن يشبه من يبيع القمح ليستورد الخبز جاهزًا بأضعاف السعر".
في الخلفية، تتحدث وزارة البترول عن متوسط إنتاج 520 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، يُوجَّه بالكامل تقريبًا إلى معامل التكرير المحلية، ومع ذلك لا تزال البلاد عاجزة عن تغطية احتياجاتها من السولار والبنزين والغاز المنزلي، ما يعني أن الفجوة بين الطاقة الإنتاجية ومعادلة الاستهلاك أكبر بكثير مما تعترف به الحكومة علنًا.
وفي محاولة لطمأنة المستثمرين، تعلن الوزارة عن "خطط تحفيز" للشركات الأجنبية، تشمل السماح لها بتصدير شحنات غاز مسال لحسابها، وإعادة تسعير النفط والغاز بشكل دوري.
لكن خبيرًا بتروليًا مصريًا يحذر من أن هذه الترتيبات قد تتحول إلى تنازلات جديدة لصالح الشركاء الأجانب على حساب حصة مصر من الإنتاج، إذا لم تُدار بشفافية كاملة وبما يضمن مصلحة السوق المحلية أولًا.
خلاصة
أن تخصّص مصر 1.75 مليار دولار في شهرين لاستيراد وقود، بينما تتباهى في الوقت نفسه بتصدير شحنات غاز مسال، يعني ببساطة أن سياسة الطاقة الحالية تعمل ضد المواطن وضد الاقتصاد معًا.
أربعة خبراء في الطاقة – من الاقتصاد والتكرير والسياسات والأسواق الدولية – يلتقون عند نقطة واحدة:
هذا ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية لجمع ثلاثية قاتلة: إهمال طويل لمعامل التكرير، غياب استراتيجية شفافة للطاقة، واستخدام القطاع لسد فجوات مالية وسياسية لا لعلاج أصل المرض.
وما لم تتغير هذه المقاربة من جذورها، سيظل السؤال الأشد قسوة مطروحًا:
كم مليار دولار إضافي يجب أن نحرق في تنكات السولار قبل أن تعترف السلطة بأن "مركز الطاقة الإقليمي" مجرد شعار يغطي أكبر نزيف وقود في تاريخ البلد؟

