بينما تعلن حكومة الانقلاب كل عام عن “زيادة جديدة” في المعاشات، يحتفل الإعلام بالأرقام المئوية، ويتحدث المسؤولون عن “الحرص على محدودي الدخل”، يكتشف أصحاب المعاشات عند صرف أول شهر بعد الزيادة أن ما أُضيف إلى معاشهم لم يعد يكفي حتى لفرق الأسعار في السلع الأساسية.

 

فمع بداية 2026 جرى رفع الحد الأدنى للمعاشات للمحالين للتقاعد من 1495 إلى 1755 جنيهًا فقط، في حين ارتفع الحد الأدنى للأجر إلى 7000 جنيه شهريًا، ويتخطى خط الفقر الرسمي 1478 جنيهًا للفرد في 2023، بينما تشير تقديرات إعلامية إلى أن تكلفة معيشة أسرة من أربعة أفراد تصل إلى 15 ألف جنيه شهريًا.

 

في ظل تضخم تجاوز 38% في ذروته عام 2023 ثم تباطأ إلى نحو 12% في 2025 دون أن تعود الأسعار إلى ما كانت عليه، تبدو الزيادات السنوية المحدودة في المعاشات مجرد “مسكن ضعيف” لا يوقف نزيف تآكل القيمة الحقيقية لدخول أكثر من 11 مليون من أصحاب المعاشات وأسرهم. 

 

واقع يضع أصحاب المعاشات تحت خط الفقر

 

بحسب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، جرى رفع الحدين الأدنى والأقصى للأجر التأميني اعتبارًا من 1 يناير 2026، مع زيادة الحد الأدنى للمعاشات الجديدة إلى 1755 جنيهًا، والحد الأقصى إلى 13360 جنيهًا، في خطوة قُدمت على أنها “تعزيز للحماية الاجتماعية”.

 

لكن عند النظر إلى الصورة كاملة تتضح الفجوة الفادحة:

 

•  الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص رُفع إلى 7000 جنيه شهريًا اعتبارًا من 2025.

 

•  خط الفقر الرسمي للفرد في 2023 قُدِّر بنحو 1478 جنيهًا شهريًا، أي أن كثيرًا من معاشات الضمان وتكافل وكرامة لا تصل حتى لحد الفقر المدقع وفق دراسة الدكتورة هبة الليثي، كما يوضح الخبير الاقتصادي د. إلهامي الميرغني.

 

الميرغني يلفت إلى أن الحد الأدنى للمعاش ارتفع من 300 جنيه عام 2014 إلى 1495 جنيهًا في يناير 2025 ثم 1755 في 2026، لكن في نفس الوقت قفز الحد الأدنى للأجور إلى 7000 جنيه، ما يعني ببساطة أن صاحب المعاش – الذي أفنى عمره في العمل – يحصل الآن على أقل من ربع الحد الأدنى لأجر موظف مبتدئ، وغالبًا أقل مما يعتبره الجهاز المركزي للإحصاء حدًّا للفقر. ويخلص إلى أن “نظام المعاشات الحالي ينتج فقرًا ممنهجًا لكبار السن، لا حماية اجتماعية”. 

 

خبراء: زيادات شكلية لا تلحق بالتضخم.. وأسباب التدهور متجذرة في القانون والسياسات

 

في ورقة بحثية صدرت في مايو 2024 بعنوان: “حقوق أصحاب المعاشات في مواجهة الأزمة الاقتصادية”، خلصت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن زيادات المعاشات، بصيغتها الحالية، “لن تحمي حقوق أصحابها في ظل التضخم وأوضاع سوق العمل”، لأن القانون رقم 148 لسنة 2019 ربط زيادات المعاشات بسقوف مالية ونسب لا تواكب موجات الغلاء، ولا تضمن الحفاظ على القوة الشرائية للمعاش.
الورقة تؤكد أن ربط الزيادة بنسبة ثابتة (15% مثلًا) في عالم ترتفع فيه الأسعار سنويًا بمعدلات مزدوجة الرقم يعني عمليًا أن المعاش يخسر جزءًا من قيمته الحقيقية كل عام، حتى لو بدا اسميًا أنه يرتفع. وتوصي المبادرة بضرورة ربط المعاشات بشكل تلقائي بمؤشر التضخم الفعلي، مع وضع حد أدنى لا يقل عن حد الفقر على الأقل، إن لم يكن أقرب إلى الحد الأدنى للأجر.

 

من جانبه، يوضح خبير التأمينات الاجتماعية كامل السيد أن جذور تدني المعاشات ترجع إلى أن 95% من أصحابها خدموا وفقًا لقانون التأمينات القديم رقم 79 لسنة 1975، حيث كان الأجر الذي يُبنى عليه المعاش منخفضًا جدًا، ولم تكن الأجور المتغيرة تُعدّل سنويًا، وظل الحد الأقصى للأجر المتغير مجمدًا عند 6000 جنيه لسنوات طويلة. والنتيجة: من يحالون اليوم للمعاش يحملون على أكتافهم أجرًا تأمينيًا متدنيًا لا يعكس ما وصلت إليه تكلفة الحياة.

 

خبير ثالث، هو وكيل أول وزارة التأمينات الأسبق د. محمد عطية سالم، يشير إلى مشكلة بنيوية أخرى: سياسة استثمار أموال التأمينات. إذ يرى أن إيداع نسبة كبيرة من أموال التأمين الاجتماعي لدى بنك الاستثمار القومي وربطها بسياسات المالية العامة حرم صناديق المعاشات من عوائد استثمارية عادلة، وأفقدها استقلاليتها، وأضعف قدرتها على تمويل معاشات كريمة، داعيًا إلى “تحرير أموال التأمين الاجتماعي من قبضة وزارة المالية وإدارتها باحتراف واستقلال”.

 

أما “محامي المعاشات” وعدد من نشطاء الدفاع عن أصحاب المعاشات فيذهبون أبعد من ذلك؛ إذ طرح بعضهم مطالب واضحة:

 

•  حد أدنى للمعاش لا يقل عن 7000 جنيه شهريًا.

 

•  زيادة سنوية لا تقل عن 20% وبحد أدنى 1400 جنيه زيادة فعلية، بحيث لا تكون الزيادة مجرد عشرات الجنيهات.

 

هذه الآراء، وإن بدت “طموحة” في نظر الحكومة، تعكس حقيقة بسيطة: ما يقدم الآن لا يكفي حياة آدمية، ولا يواكب حتى التعريف الرسمي لـ“الحياة الكريمة” الذي تروّج له السلطة في برامجها الإعلامية.

 

من سياسة “الفتات” إلى إصلاح جذري: ماذا يريد أصحاب المعاشات؟

 

في ضوء هذه الشهادات والأرقام، تبدو أزمة تدني الزيادة السنوية لأصحاب المعاشات في ظل الغلاء ليست مجرد خلل عابر، بل سياسة متكاملة تقوم على إعطاء فتات من جهة، وتجفيف الموارد والحقوق من جهة أخرى.

 


الخبراء الأربعة، رغم اختلاف خلفياتهم، يلتقون عند مجموعة مطالب رئيسية يمكن أن تشكل أرضية لإصلاح حقيقي:

 

1.  ربط المعاشات بمؤشر التضخم ومعايير المعيشة الفعلية

 

أن تكون الزيادة السنوية مرتبطة تلقائيًا بمعدل التضخم، مع وضع حد أدنى للمعاش لا يقل عن خط الفقر، وبمرور الوقت يقترب من الحد الأدنى للأجر، بدل أن يظل صاحب المعاش في ذيل السلم الاجتماعي مهما خدم.

 

2.  إصلاح قانون التأمينات واستثمار أموال الصناديق باستقلالية

 

مراجعة قانون 148 لسنة 2019 بما يضمن عدالة أكبر في احتساب المعاش، وإعادة هيكلة استثمار أموال التأمينات بعيدًا عن هيمنة وزارة المالية، بما يسمح بتحقيق عوائد أعلى تُضَخ مباشرة في تحسين معاشات الحاليين والمستقبليين.

 

3.  تحويل الحوار من منحة إلى حق

 

أصحاب المعاشات ليسوا “كتلة انتخابية” تُهدأ بقرارات موسمية، بل مواطنون دفعوا اشتراكاتهم لعقود. المطلوب حوار حقيقي يشارك فيه ممثلوهم وخبراء مستقلون، بدل الاكتفاء بقرارات فوقية تُعلن في مؤتمرات، ثم تُترك لهم مهمة تدبير الفجوة بين الورق والحياة.

 

ما لم تُغيَّر هذه الفلسفة، ستظل كل زيادة سنوية مجرد عنوان جميل لخبر عاجل، تتبخر قيمته عند أول جولة تسوق، ويظل ملايين المتقاعدين أسرى لسياسة ترى فيهم عبئًا على الموازنة، لا أصحاب حق في حياة كريمة بعد العمر كله.