أعادت واقعة الاتهام الموجّه لوكيل نيابة النزهة بالتطاول على عدد من المحامين داخل محكمة مصر الجديدة، ملف الاعتداءات المتكررة على المحامين إلى صدارة المشهد القانوني، لكن المختلف هذه المرة لم يكن مضمون الشكوى بقدر ما كانت طريقة الردّ عليها؛ عشرات المحامين تجمّعوا أمام مكتب النائب العام بمدينة الرحاب، في مشهد غير اعتيادي، مطالبين بتحقيق مستقل وضمانات حقيقية للحياد والمحاسبة.
لم يذهب المحامون لتقديم شكوى روتينية ثم الانصراف، بل قدّموا رسالة واضحة:
- نريد قاضيًا ينتدب للتحقيق، لأن وكيل النيابة طرف متهم لا يجوز أن يكون خصمًا وحكمًا.
- نريد التحفّظ على كاميرات المراقبة التي يُعتقد أنها وثَّقت كل ما جرى داخل مقر المحكمة.
- ونرفض تمامًا التعامل مع الواقعة كـ“خلاف فردي”، مؤكدين أنها تمسّ كرامة المهنة واحترام سيادة القانون.
بهذا المعنى، ما حدث في نيابة النزهة لم يعد مجرد واقعة تجاوز، بل تحوّل إلى استفتاء عملي على: هل الدولة مستعدة فعلًا لمحاسبة من يسيء استخدام سلطته داخل منظومة العدالة؟
من واقعة النزهة إلى نمط مهين: الإهانة تتكرر والحساب يغيب
حين يتجمّع عشرات المحامين أمام مكتب النائب العام، فهذا يعني أن رصيد الثقة نفد. الواقعة لم تُستقبل كحادث استثنائي، بل كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإهانات التي تعرّض لها محامون داخل أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم خلال السنوات الأخيرة:
- منع محامٍ من لقاء موكله،
- طرد آخر من مكتب تحقيق،
- التشكيك في صفة ثالث،
- أو التعامل مع المحامين عمومًا بأسلوب فيه استعلاء وتهديد.
محامون وقانونيون تحدّثوا مرارًا عن أن هذه الوقائع لم تعد “أخطاء فردية” بل نمطًا مقلقًا؛ اشتباكات متكررة في ظل غياب آليات سريعة وواضحة للمحاسبة، ما يعمّق الاحتقان بين أطراف يفترض أنهم شركاء في صناعة العدالة: قضاة، وكلاء نيابة، محامون، وضباط شرطة.
واقعة النزهة، بهذا الشكل، كشفت أمرين في وقت واحد:
- أن هناك من داخل منظومة العدالة من لا يزال يتعامل مع المحامي كـطرف أدنى يمكن توبيخه أو إهانته دون عواقب حقيقية.
- وأن هناك من داخل المهنة من قرر أن “لحظة الانفجار” قد حانت، وأن السكوت على الإهانات المتراكمة يعني قبول خنق حق الدفاع نفسه، لا مجرد التغاضي عن إهانة أفراد.
ولهذا كان الإصرار على التحفّظ على الكاميرات مهمًا: المحامون يقولون للدولة صراحةً: “لن نقبل رواية منقوصة، ولا تحقيقًا يُدار داخل الغرفة نفسها التي شهدت التجاوز، نريد صورة كاملة موثّقة، وقاضيًا لا يخضع للموقع الإداري لزميل متهم”.
نقابة المحامين بين الخطاب العالي والرِّهان على الفعل
في وقائع مشابهة سابقة، كان عبد الحليم علام، نقيب المحامين ورئيس اتحاد المحامين العرب، واضحًا في لهجته:
- “كرامة المحامي خط أحمر، وأي اعتداء عليه أثناء تأدية عمله هو اعتداء على حق الدفاع وسيادة القانون”.
- “الدولة القوية لا تُبنى بإهانة المحامين، وإنما باحترام القانون، ومن يخطئ يُحاسب أيًا كان موقعه”.
هذه التصريحات تضع النقابة اليوم أمام اختبار حقيقي:
- هل ستتعامل واقعة النزهة كفرصة لتكريس قواعد جديدة واضحة: “من يعتدي على محامٍ يُحاسب فورًا وبشفافية”؟
- أم تتحوّل الواقعة إلى واحدة من تلك الملفات التي تبدأ قوية في العناوين ثم تموت بهدوء في أدراج “التهدئة” و“احتواء الأزمة”؟
على الجانب الآخر، تأتي أصوات داخل المهنة أكثر حدة وأقل ميلًا للمجاملة:
المحامي خالد علي يؤكد أن الاعتداء على المحامي أثناء عمله هو إضعاف لحق الدفاع نفسه، وأن الأمر لا يمسّ شخص المحامي بل يمسّ المواطنين الذين يمثّلهم.
بينما يرى المحامي منتصر الزيات أن تكرار هذه الوقائع يعكس خللًا عميقًا في فهم دور المحامي داخل منظومة العدالة، ومحاولة لتحويله من شريك قانوني إلى تابع، يأتي في آخر السلم الوظيفي والنفسي داخل المنظومة.
بين خطاب النقيب وتصعيد القواعد، تقف نقابة المحامين في لحظة مفصلية: إما أن تُثبت أنها قادرة على فرض احترام دورها عمليًا، أو تقبل ضمنًا بأن المحامي يمكن إهانته ثم “لفّ الموضوع” بحجة الحفاظ على هيبة المؤسسات.
الدستور على الورق… والواقع في الممرّات: أي عدالة نريد؟
ينص الدستور المصري بوضوح على:
- كفالة حق الدفاع.
- استقلال مهنة المحاماة.
- اعتبار المحامي جزءًا من منظومة حماية الحقوق والحريات.
لكن ما جرى في نيابة النزهة يقول العكس:
- محامون يضطرون للتجمّع أمام مكتب النائب العام لكي يضمنوا ألّا يتم دفن التحقيق.
- اشتراط أن يكون التحقيق بيد قاضٍ، لا جهاز تابع لمن يُتَّهم أحد أفراده بالتجاوز.
- المطالبة بحفظ كاميرات المراقبة فورًا خوفًا من ضياع الدليل أو العبث به.
هنا يصبح السؤال أبعد من واقعة “سبّ أو تطاول” داخل محكمة؛ يصبح سؤالًا عن شكل الدولة نفسها:
- هل نعيش في دولة قانون يخضع فيها صاحب السلطة للتحقيق والمحاسبة إذا أخطأ؟
- أم في منظومة يعتبر فيها البعض أن وضعه الوظيفي يمنحه حصانة من النقد والعقاب، وأن المحامي “يبلعها ويمشي”؟
ما فعله المحامون أمام مكتب النائب العام إعلان واضح أن السكوت لم يعد خيارًا، وأن احترام مهنة المحاماة ليس امتيازًا تطوّع به سلطة، بل حق دستوري مرتبط مباشرةً بحقوق المتقاضين.
إذا انتهى التحقيق إلى محاسبة شفافة لمن يثبت تجاوزه، فستكون واقعة النزهة نقطة انعطاف تقول إن الدولة قررت أخيرًا أن هيبة العدالة فوق هيبة الأفراد. أما إذا انتهت إلى تسوية غامضة، فستتحول إلى دليل جديد على أن ما يُكتب في الدستور شيء، وما يُمارس في ممرات المحاكم وأروقة النيابات شيء آخر تمامًا.

