تعد قفزة سعر آيفون 17 برو ماكس من 77 ألفًا إلى 85 ألف جنيه بدون ضمان، واقترابه من 100 ألف جنيه بالضمان في مولات مثل السراج مول، ليست مجرد “حركة سوق”.، بل نتيجة مباشرة لتحويل الهاتف المحمول إلى بقرة حلوب للضرائب والرسوم عبر منظومة “Telephony” والجمارك الجديدة التي تفرض نحو 38.5% على أي جهاز يدخل مصر لأول مرة على الشبكة.
في الخلفية، حكومة تبحث عن أي مصدر سيولة، وجهاز قومي للاتصالات يروّج لخطاب “تنظيم السوق ومكافحة التهريب”، وتجار في الشوارع والمولات يلتقطون الإشارة فيحوّلون القرار إلى موجة أسعار جنونية، خاصة على الطرازات الأعلى مثل آيفون 17 برو ماكس وسامسونج S25 ألترا.
رسوم 38.5%.. الحكومة تفتح “الكاشير” والتاجر يكمّل الاستغلال
قرار إلغاء الإعفاء الجمركي عن هواتف الركاب، وربط دخول أي جهاز جديد بمنظومة Telephony، يعني ببساطة أن الدولة قررت أن تأخذ “نصيبها” أولًا من كل موبايل يمر على الشبكة المصرية، عبر حزمة ضرائب ورسوم تصل إلى نحو 38.5%، تُسدَّد خلال 90 يومًا من أول تفعيل للهاتف، وإلا يُقطع عن الخدمة.
محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول، اعترف صراحة بأن الهدف من تطبيق “Telephony” هو وقف التهريب وتحميل كل الهواتف المستوردة كامل الرسوم بنسبة تقارب 38%، بعد أن وصلت نسبة المهرب – بحسب الرواية الرسمية – إلى أكثر من 90% من السوق قبل 2025.
لكن على أرض الواقع، هذه النسبة لا تُدفع من “المهربين” بل من المستهلك الأخير؛ فالتاجر يضيف الضريبة والجمارك إلى السعر، ثم يضيف فوقها هامش ربح جديد مستغلًا الفوضى وغياب التسعير العادل، خصوصًا في الفئات العليا التي لا تخضع لأي قوائم سعرية إلزامية.
ووثق تقرير صحفي ما يقوله الناس في الشارع: ففي جولة بشارع عبد العزيز – أكبر سوق للمحمول في مصر – يؤكد التجار أن أسعار الهواتف الفاخرة، وعلى رأسها آيفون 17 برو ماكس، قفزت خلال أيام قليلة بين 3 و5 آلاف جنيه فور الإعلان عن إنهاء الإعفاء الجمركي.
بهذا المعنى، قرار الجمارك فتح الباب، لكن من قام بـ“الاستكمال” هو شبكة من التجار الكبار الذين قرؤوا الرسالة على أنها فرصة لرفع الأسعار بلا سقف، خاصة في المولات المتخصصة مثل السراج مول، حيث يتحول الهاتف من سلعة تكنولوجية إلى أداة لقياس قدرة الطبقة الوسطى على الاحتمال.
فروق أسعار فاحشة بين مصر والخليج.. والضحية نفس الهاتف
المفارقة الصادمة أن السلطة تسوّق القرار باعتباره دعمًا للصناعة المحلية وتوطينًا للإنتاج، بينما يكشف الواقع أن الهاتف المجمَّع في مصر يُباع للمصري أغلى مما يُباع به في الخليج.
التاجر إبراهيم أنس/يونس يصف قرار إلغاء الإعفاء بأنه “عقاب” للمصريين في الداخل والخارج، ويشير إلى أن آيفون 17 برو ماكس أصبح أكثر الأجهزة تأثرًا؛ لأنه “خارج التسعيرة” ويُصنع بالكامل خارج مصر، ومع ذلك يُباع في السوق المحلية بفارق ضخم عن سعره الطبيعي.
مقارنة مباشرة:
- سامسونج جالاكسي S25 ألترا المصنع محليًا وصل على “أمازون مصر” إلى نحو 60 ألف جنيه، بينما يباع على “أمازون السعودية” بما يقارب 3500 ريال سعودي (حوالي 933 دولارًا)، أي بفارق يقترب من 340 دولارًا لصالح السوق السعودي.
- آيفون 17 برو ماكس (256 جيجا) يباع عالميًا بمتوسط حوالي 1200 دولار، بينما عُرض في “أمازون مصر” بنحو 94 ألف جنيه (قرابة 1994 دولارًا)، مقابل 5400 ريال في السعودية (1440 دولارًا)، أي فارق يتجاوز 550 دولارًا لصالح المشتري في الخليج.
في الوقت نفسه، يخرج وليد رمضان، نائب رئيس شعبة المحمول، ليؤكد في أكثر من تصريح أن الهاتف المصنَّع في مصر يُباع في الخارج – خاصة الخليج – أرخص من سعره داخل السوق المحلي، رغم إعفاءات وتسهيلات ضخمة حصلت عليها المصانع من الدولة، من تخفيض رسوم مكونات الإنتاج إلى إعفاءات من بعض الرسوم المالية.
أما محمد هداية الحداد، نائب رئيس شعبة تجار المحمول، فيصف قرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي والضرائب على الموبايلات بأنه خطوة لا معنى لها إذا لم تُربط بتسعير عادل ينعكس على المواطن؛ فالدولة تمنح حوافز للمستثمرين والمصنعين، لكن المستهلك لا يرى إلا فاتورة أعلى وهو يقف أمام كشك بيع الهاتف.
الصورة النهائية: حكومة تقول “ندعم التصنيع”، مصانع تحصل على امتيازات، وتجار كبار يرفعون الأسعار، بينما المواطن وحده يدفع الفرق بين سعر القاهرة والرياض.
سوق مشلول ومستهلك محاصر: من يدفع ثمن “حرب التهريب”؟
في الطبقات المتوسطة والفقيرة، انعكست الضربة مباشرة على سوق المستعمل. وليد رمضان يؤكد أن أسعار الهواتف المستعملة ارتفعت بالفعل بنحو 10% خلال أيام، مع توقع استمرار الزيادة؛ لأن المستهلك بعد فرض 38% على الجديد يهرب تلقائيًا إلى المستعمل، فيرتفع الطلب ويقفز السعر.
هذا يعني أن السياسة الجديدة لم تضرب فقط من يفكر في شراء آيفون 17 أو S25، بل خنقت حتى من يبحث عن هاتف مستعمل بسيط ليستطيع متابعة “واتساب” أو منصة تعليم لأطفاله. الهاتف، الذي أصبح شرطًا للحياة اليومية، يتحول إلى ضريبة دخول على العصر الرقمي.
في المقابل، يحاول بعض ممثلي القطاع تلطيف الصورة. محمد طلعت يتحدث عن أن Telephony يستهدف تنظيم السوق ومنع التهريب وحماية الشركات المحلية، ويكرر أن الهدف هو “تحصيل حق الدولة”. لكن “حق الدولة” هنا يُجبى من مدخرات الأسر، لا من أرباح المحتكرين أو من شركات تحقق هوامش ربح قياسية مع فارق تسعير فاحش مقارنة بالأسواق المجاورة.
من جانبه، يدعو كريم غنيم، رئيس شعبة الاقتصاد الرقمي بالغرفة التجارية بالقاهرة، إلى إنشاء غرفة لصناعة المحمول والصناعات المغذية، مع التأكيد على ضرورة إيجاد آلية لخفض الأسعار المحلية إذا كانت الدولة تريد فعلًا صناعة تنافسية وليس مجرد لافتة إعلامية.
بين خطاب “مكافحة التهريب” الرسمي، وواقع ارتفاع الأسعار، يجد المستهلك نفسه محاصرًا بين جهاز دولة يرى في الهاتف مصدرًا سهلًا للت حصيل، وتجار كبار يتعاملون مع القرارات كفرصة ذهبية لرفع الأسعار بلا سقف.
النتيجة أن هاتفًا واحدًا – مثل آيفون 17 برو ماكس – تحوّل إلى مرآة لنمط إدارة الاقتصاد كله:
- دولة تعالج عجزها بالضرائب لا بإصلاح هيكل الإنتاج.
- “صناعة محلية” لا يشعر المواطن بثمارها، بل يدفع ثمنها مرتين: ضرائب على الوارد، وأسعار مبالغ فيها على المنتج المحلي.
- وتاجر في المول أو شارع عبد العزيز يضيف لمسته الأخيرة، رافعًا السعر إلى حدود 100 ألف جنيه، ثم يقول للمشتري بثقة: “ما هو كله جمارك ورسوم يا باشا”.
وسط كل هذا الضجيج، يبقى السؤال البسيط بلا إجابة: من يحمي حق المواطن في هاتف بسعر عادل؟ لا Telephony ولا الجمارك ولا شعارات “توطين الصناعة” تقترب من هذا السؤال، بينما الفاتورة تُسدَّد – كالمعتاد – من جيب المصري العادي.

