فتح قرار إنهاء الإعفاء الجمركي عن الهواتف المحمولة الواردة بصحبة الركاب، وفرض رسوم إجمالية تقترب من 38% على أي موبايل يدخل مصر بعد 21 يناير 2026، نقاشًا عنيفًا في الإعلام والشارع معًا. تقول الحكومة إنها “تحارب التهريب” وتدعم “صناعة محلية فيها 15 شركة وتنتج 20 مليون جهاز سنويًا”، لكن ما لفت الانتباه هذه المرة لم يكن القرار وحده، بل الهجوم غير المعتاد من إعلاميين محسوبين على النظام نفسه، إلى جانب معارضين معروفين.

 

سؤال د. مراد علي يلخّص الحيرة: لماذا كل هذا التركيز على جمارك الموبايلات، بينما قرارات رفع البنزين والبوتاجاز والكهرباء والرسوم الأوسع تأثيرًا تمر عادة بأقل ضجيج؟ هل نحن أمام صراع أجنحة، أم “بالون اختبار”، أم تجهيز للرأي العام لتغيير حكومي أو لقرارات أشد إيلامًا؟

 

 

ضجة غير مسبوقة: من لميس وعمرو أديب إلى هيكل ومحمد ناصر

 

لميس الحديدي، أحد أبرز أصوات إعلام النظام، وصفت إلغاء الإعفاء الجمركي بأنه قرار “متسرع” بلا هدف واضح سوى زيادة الحصيلة، واعتبرت أنه يكتفي بـ“تعكير المزاج العام”، خصوصًا لدى المصريين في الخارج الذين يُفترض أن الدولة تحاول استرضاءهم لا استفزازهم.

 

 

عمرو أديب – الذي قلما يهاجم قرارًا اقتصاديًا بهذه الحدة – انضم بدوره إلى الهجوم على ضريبة الهواتف المحمولة، في مشهد نادر أن ترى فيه هذا القدر من الانفعال على ملف “موبايل واحد مع المسافر”، بينما صمت طويل صاحب قرارات أشد وطأة على جيوب الناس.

 

 

حتى أسامة هيكل – وزير الإعلام الأسبق المحسوب بوضوح على السيسي – دخل على الخط ساخرًا: شركة أبل بكل استثماراتها لا تربح 400 دولار في الآيفون، بينما الدولة تريد أن تحصل أكثر من 700 دولار على الجهاز في بعض الفئات، “من غير ما تعمل أي مجهود”.

 

 

في الجهة المقابلة، يظهر الخط الرسمي عبر أحمد موسى، الذي يروّج لرواية أن القرار جاء بعد “نجاح توطين الصناعة” ودخول 15 شركة عالمية تنتج هواتف بالمليارات داخل مصر، وكأن الرسالة: من يريد موبايل فليشتر المحلي، ولا داعي للهواتف القادمة مع المسافرين من الخارج.
 

 

أما الإعلام المعارض، فتبنى زاوية أخرى؛ محمد ناصر وصف الملف بـ“سبوبة المغتربين”، معتبرًا أن الهدف الحقيقي هو حلب المصريين بالخارج وتهديد تحويلاتهم، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد على كل دولار يدخل البلد.
 

 

وأسامة جاويش قدّم طرحًا معاكسًا تمامًا للخط الرسمي: قرار من هذا النوع – حسب تقديراته – قد يخسر مصر جزءًا من تحويلات المغتربين ومشترياتهم بما يوازي عشرات المليارات من الدولارات على المدى المتوسط، مقابل حصيلة جمركية محدودة.

 

 

حتى بعض الصحفيين المحسوبين على السلطة ذهبوا إلى خطاب غريب: أيمن صالح يرى أن تنظيم جلب الهواتف “فتنة لطرف ثالث” يريد إفساد العلاقة بين الدولة ومغتربيها، بدل أن يسأل ببساطة: من الذي اتخذ القرار أصلًا؟

 

 

ورئيس شعبة الاتصالات نفسه اعترف في تصريحات نقلتها “رصد” أن أسعار الهواتف في مصر أغلى بشكل غير مبرر من الخليج، وطالب بلجنة لمراجعة الأسعار، وهو اعتراف ضمني بأن السوق محتكر ومختل قبل القرار، فما بالنا بعد إضافة 38% رسومًا جديدة؟

 

 

صراع أجنحة ومصالح: من يريد القرار ومن يستثمر الغضب؟

 

السؤال الذي طرحه د. مراد علي مشروع تمامًا: لماذا هذه المرة تحديدًا انفجر الإعلام، الرسمي والمعارض، في وجه قرار اقتصادي، بينما قرارات أخرى كانت – وما زالت – أكثر قسوة؟

 

 

يمكن قراءة ما يحدث على أنه:

 

صراع مصالح داخل الدولة العميقة:

 

أجهزة وشركات وأطراف تستفيد من “حوكمة استيراد الهواتف” والرسوم الجديدة (ضريبة 38%، تطبيق Telephony، ضبط التهريب… إلخ).

 

في المقابل، شبكات مصالح أخرى مرتبطة بتجار هواتف كبار، وشركات توزيع، ومعلنِين، متضررة من التضييق على استيراد الأجهزة من الخارج وارتفاع الأسعار.

 

صراع خطاب بين من يروّج لـ«الصناعة الوطنية» ومن يفضح الأرقام:

 

أحمد موسى يرفع لافتة “15 شركة تصنع في مصر”، و“20 مليون جهاز سنويًا”، في تكرار حرفي لما جاء في بيانات الجمارك والجهاز القومي للاتصالات.

 

في المقابل، هيكل، ولميس، وجاويش، وناصر يفضحون هشاشة هذه الرواية:

 

الصناعة في أغلبها تجميع لمكونات مستوردة.

 

الأسعار النهائية في مصر أعلى من الخليج حتى قبل القرار.

 

المغترب الذي يغضب من جمارك موبايل قد يوقف تحويلات بعشرات الآلاف من الدولارات على مدى سنوات.

 

محاولة توزيع مسؤولية القرار:

 

البعض يلمّح إلى أن “طرفًا ثالثًا” أو “مستشارين اقتصاديين” هم من ورّط الدولة في هذا القرار.

 

البعض الآخر يضرب في الحكومة والوزراء، لكن يترك السيسي شخصيًا خارج مرمى النيران قدر الإمكان، أو يحوله إلى “قائد مخدوع بالتقارير”.

 

هذه اللوحة توحي بأننا أمام صراع أجنحة حقيقي، لا “هبة ضمير إعلامية”؛ كل جناح يحاول أن ينقذ صورته أمام المصريين في الداخل والخارج، وأن يضع المسؤولية على غيره إن اضطر النظام إلى التراجع أو إلى البحث عن كبش فداء سياسي.

 

بالون اختبار وتمهيد لسيناريوهات: تراجع جزئي؟ تغيير حكومي؟ أم تغطية على قرارات أشد؟

 

ما يطرحه كثيرون اليوم أن هذه الضجة قد تخدم أكثر من سيناريو في آن واحد:

 

بالون اختبار للتراجع “البطولي” لاحقًا

 

يُتخذ القرار فجأة فيغضب الناس.

 

يهاجمه بعض الإعلاميين والسياسيين “المقرّبين من النظام” ليُقال إن هناك “نقاشًا داخليًا”.

 

بعد فترة، قد يعلن عن تعديل أو تخفيف أو استثناء موسع للمغتربين، فيخرج النظام بمشهد: “استمعنا للشعب والإعلام”، ويُحرق وزير أو مسؤول ككبش فداء.

 

تمهيد لتغيير حكومي مرتقب

 

حين تتراكم القرارات غير الشعبية (ضرائب عقارية، ضريبة على المسكن الخاص، جمارك الموبايل، رفع رسوم وخدمات…) يتزايد الضغط الشعبي.

 

قد يُستخدم ملف الهواتف كرمز لـ“فشل الحكومة”، فيقدَّم تعديل وزاري جزئي أو شامل لامتصاص الغضب، بينما تبقى السياسات نفسها.

 

إشغال الناس عن قرارات أشد قسوة

 

التركيز اليوم على جمارك الموبايل قد يغطي على تحضيرات لقرارات أثقل:

 

زيادات جديدة في أسعار الطاقة.

 

ضرائب ورسوم إضافية على السكن والخدمات.

 

موجة خصخصة أو بيع أصول جديدة.

 

الإعلام يفتح معركة صاخبة في ملف واحد، يستهلك الغضب، ثم تمر ملفات أخرى في الخلفية بهدوء أكبر.

 

في كل الأحوال، المؤكد أن قرار جمارك الهواتف لم يكن مجرد “خطأ فني في التسعير”، بل كشف هشاشة علاقة النظام بالمصريين في الخارج، وعمّق إحساس المواطن – داخل مصر وخارجها – بأنه يُعامل كـ“محفظة نقود” لا كمواطن له حقوق. الهجوم الواسع من إعلاميين وسياسيين موالين للنظام لا يعكس صحوة ضمير بقدر ما يعكس خوفًا من انفلات الغضب، وصراعًا على من يتحمل فاتورة قرارات عقيمة اقتصاديًا، ومكلفة سياسيًا.

 

والسؤال الذي يبقى معلّقًا: حتى لو تم التراجع عن جمارك الموبايل أو تعديلها، من يجرؤ على الاقتراب من أصل المشكلة: نموذج حكم واقتصاد لا يرى في الناس إلا موردًا للجباية، ولا يرى في النقد إلا “فتنة” يجب تأديبها، حتى عندما تأتي من داخل بيته الإعلامي نفسه؟