تكشف الأرقام المتداولة في إنفوجراف نشره الخبير الاقتصادي د. مراد علي عن متوسط الرواتب الشهرية في الدول العربية لعام 2025 صورة صادمة، حيث مصر تأتي في المركز الأخير بمتوسط 137 دولارًا شهريًا، بفارق هائل عن دول ليست أغنى مواردًا بالضرورة.
وربط الخبير الاقتصادي هذا الترتيب بتشوهٍ عميق في توزيع العائد، لا بنقص “القدرة” أو “كفاءة” العامل المصري، معتبرًا أن المشكلة في أن الثمار لا تصل إلى الناس، بينما ترتفع الأسعار بوتيرة تلتهم أي معنى للراتب.
وفي بلد يفاخر رسميًا بمشروعات واستثمارات، تصبح المقارنة بالرواتب العربية اختبارًا فاضحًا لجدوى السياسات لا لجهد المواطنين.
137 دولارًا… قاعٌ لا يليق بسوق بحجم مصر
وفق الأرقام، يتصدر قطر القائمة بمتوسط 3937 دولارًا، تليها الإمارات 3502 دولارًا، ثم الكويت 2025 دولارًا والسعودية 2001 دولار.
حتى خارج الخليج، تظهر الفجوة قاسية: الأردن 619 دولارًا، لبنان 502 دولارًا، تونس 303 دولارات، المغرب 393 دولارًا، العراق 537 دولارًا، فلسطين 633 دولارًا، ليبيا 275 دولارًا، الجزائر 267 دولارًا… ثم مصر 137 دولارًا.
هذه ليست فروقًا هامشية يمكن تبريرها بمستوى أسعار مختلف أو بمرحلة اقتصادية عابرة؛ نحن أمام هوّة تجعل متوسط راتب المصري نحو ربع راتب الأردني تقريبًا، وأقل من ثلث راتب اللبناني، بينما تتجاوز رواتب دول الخليج الراتب المصري بعشرات المرات.
المفارقة الأشد أن مصر ليست دولة “هامشية” في السوق أو السكان أو الموقع؛ لكنها تُدار بمنطق يضغط الأجر باعتباره “تكلفة يجب خفضها”، لا باعتباره محرك طلب داخلي واستقرار اجتماعي وإنتاجية.
غلاء يقترب من الخليج… وأجور حبيسة القاع
الخطورة لا تكمن في ترتيب الرواتب وحده، بل في التزامن مع موجة غلاء تجعل الراتب المصري يبدو كأنه “مكافأة رمزية” لا دخلًا.
حين ترتفع أسعار الغذاء والسكن والطاقة والخدمات، لا يعود الرقم 137 دولارًا مجرد متوسط إحصائي، بل يتحول إلى حكم بالإفقار على ملايين الأسر العاملة.
هنا تتضح حدة ما يقوله د. مراد علي: المشكلة ليست أن “مصر فقيرة الموارد”، بل أن العائد لا يهبط إلى جيوب العاملين.
في الاقتصادات التي تحترم نفسها، تُترجم الإنتاجية إلى أجر، ويُترجم النمو إلى قدرة شرائية.
أما حين تُترك الأجور مجمدة بينما تُدار الأسعار والرسوم والضرائب والاحتكارات بما يرفع تكلفة الحياة، فإن النتيجة ليست “تقشفًا” بل إعادة توزيع صامتة ضد الناس: جزء أكبر من الدخل يذهب للبقاء (طعام/مواصلات/سكن)، وجزء أقل يذهب للتعليم والصحة والادخار، فتضعف الأسرة وتضعف معها قدرة المجتمع على التقدم.
فقرٌ يطرد الكفاءات… وتآكل الانتماء كلفةٌ غير مرئية
الأثر المباشر لانخفاض الأجور ليس فقط ضغطًا نفسيًا ومعيشيًا، بل نزيفًا اقتصاديًا طويل الأجل.
عندما يصبح العامل الكفء في مصر الأقل أجرًا عربيًا، فإن الهجرة لا تكون “اختيارًا” بل خطة نجاة.
ومع كل كفاءة تغادر، تخسر الدولة جزءًا من خبرتها وإنتاجيتها المستقبلية، ويزداد الاعتماد على حلول قصيرة الأجل: قروض، جبايات، أو توسع في أعمال منخفضة القيمة.
الأخطر أن استمرار هذا الوضع يصنع شعورًا عامًا بأن العمل لا يُكافأ، وأن “الاجتهاد” لا يغير المسار، وأن الفارق بين راتب 137 دولارًا ورواتب 619 أو 502 أو 393 ليس نتيجة مهارة بل نتيجة سياسات.
هذا بالضبط ما وصفه د. مراد علي بأنه خلل ضخم في أولويات السياسات الاقتصادية: اقتصاد يطالب الناس بتحمل الضغط، لكنه لا يعيد لهم الحد الأدنى من العدالة.
إصلاح الخلل يبدأ من ملف الأجور: رفع حقيقي مرتبط بالتضخم، كسر الاحتكارات التي ترفع الأسعار، وتحويل النمو إلى رواتب لا إلى أرقام في تقارير… لأن دولة تبني مستقبلها بأرخص قوة عمل عربيًا، تُراكم غضبًا اجتماعيًا قبل أن تُراكم تنمية.

