في سابقة تعكس حجم القلق داخل الهيئات القضائية، دعا نادي القضاة أعضاءه من مختلف محافظات الجمهورية لاجتماع طارئ اليوم الأربعاء 21 يناير 2026، على خلفية ما يتردد عن حزمة قرارات مرتقبة تعيد تشكيل مفاصل التعيين والترقية داخل القضاء من خارج البيت القضائي نفسه.

 

الدعوة التي وصف فيها النادي ما يجري بأنه «أمر جسيم يمس استقلال السلطة القضائية» جاءت بعد تسريبات عن اجتماع عقده مدير مكتب رئيس الجمهورية المستشار عمر مروان مع رؤساء الهيئات والجهات القضائية يوم 15 يناير، تضمن – وفق مصادر قضائية – «تعليمات جديدة» تجعل الأكاديمية العسكرية بوابة التعيين والترقيات، وتهمش دور التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى ومكتب النائب العام.

 

وسط حالة غضب وقلق متصاعدة بين القضاة، يتحرك نادي القضاة لمحاولة تنظيم رد فعل جماعي، بينما تطرح الأزمة أسئلة صريحة حول مدى التمسك فعليًا بمبدأ الفصل بين السلطات، أم أن القضاء يُدفَع خطوة جديدة نحو «العسكرة المؤسسية» تحت غطاء الدورات التأهيلية والضبط الانضباطي.

 

قرارات مرتقبة تنقل مفاتيح التعيين إلى «الأكاديمية العسكرية»

 

المصادر القضائية التي تحدثت إلى منصة «متصدقش» كشفت أن اجتماع 15 يناير في رئاسة الجمهورية لم يكن نقاشًا عابرًا، بل مناسبة لإبلاغ رؤساء الهيئات القضائية بتوجه واضح:

 

  • إلغاء جميع مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة.
  • إسناد إجراءات التعيين بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية، لتصبح هي الجهة التي يجتاز من خلالها خريجو الحقوق والشريعة بوابة الالتحاق بالنيابة.
  • تقليص دور مجلس القضاء الأعلى في التعيينات والترقيات لصالح مسار تدريبي – أمني – عسكري، قد يتحول عمليًا إلى «فلتر سياسي» قبل دخول السلك القضائي.

 

وتضيف المصادر أن القرار بدأ يظهر أثره بالفعل؛ إذ صدرت تعليمات بوقف اختبارات ومقابلات التفتيش القضائي الخاصة بدفعة معاوني النيابة العامة 2024، رغم وصول عدد من المتقدمين لمراحل متقدمة من الإجراءات، ما أثار شعورًا صريحًا لدى كثير من القضاة وأبناءهم بأن قواعد اللعبة تغيّرت في منتصف الطريق.

 

الأخطر أن التصور المطروح – بحسب التسريبات – لا يتوقف عند التعيين، بل يمتد إلى نظام الترقيات نفسه؛ بحيث تُربط الترقيات العليا باجتياز دورات متقدمة داخل الأكاديمية العسكرية، مع احتمالات لإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام، وبدء تطبيق النظام الجديد اعتبارًا من 2027، مع محاولة داخل مجلس القضاء الأعلى لاستثناء دفعات أقدم (مثل دفعة 2012) من التطبيق بأثر رجعي لتفادي انفجار غضب داخلي واسع.

 

بهذا المعنى، تتحول الأكاديمية العسكرية من مجرد جهة تدريب «عامة» إلى مركز تحكم فى المسار الوظيفي للقاضي، من لحظة دخوله النيابة وحتى وصوله إلى درجات عليا، وهو ما يرى فيه كثيرون خطوة نوعية فى طريق «عسكرة السلطة القضائية» بعد سنوات من تحجيم استقلالها القانوني والدستوري.

 

نادي القضاة بين الغضب والبحث عن صيغة رد جماعي

 

أمام هذا المشهد، تحرك نادي القضاة بسرعة لالتقاط نبض أعضائه. البيان الداخلي المنشور على الجروب الرسمي للنادي أكد أن مجلس الإدارة «في حالة انعقاد دائم»، ودعا القضاة لاجتماع الساعة الرابعة عصرًا، واصفًا ما يتردد بـ«الأمر الجسيم» الذي يمس شؤون القضاء واستقلاله.

 

لغة البيان تعكس إدراكًا لحساسية اللحظة:

 

  • تأكيد على وحدة الصف وضرورة «الالتفاف والاصطفاف خلف النادي في هذه المرحلة الدقيقة».
  • تعهد بأن مجلس الإدارة «لن يتوانى قيد أنملة عن الدفاع عن القضاء واستقلاله وصون هيبته» متى تبيّنت حقيقة القرارات المتداولة.
  • تلميح إلى أن جميع الخيارات مفتوحة، من إصدار بيانات رسمية قوية، إلى الدعوة لجمعية عمومية غير عادية إذا اقتضى الأمر.

 

وفق ما نُقل عن أحد أعضاء مجلس الإدارة، فإن الهدف من الاجتماع ليس التصعيد الأعمى، بل «استطلاع موقف القضاة من الأزمة» وبناء رد فعل متماسك يحافظ على الحد الأدنى من تماسك المؤسسة، من دون القبول بتمرير قرارات تمس جوهر استقلالها.

 

مع ذلك، يدرك كثيرون أن هامش الحركة ضيق؛ فالنادي يتحرك فى سياق سياسي مغلق، تضيق فيه مساحة الاعتراض المؤسسي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بقرارات صادرة من الدائرة الأقرب إلى رئاسة الجمهورية، ومرتبطة بخط عام لتوسيع نفوذ المؤسسة العسكرية فى مفاصل الدولة.

 

خلفية من «العسكرة الناعمة»… واستقلال القضاء على حافة اختبار جديد

 

القلق الحالي ليس وليد اللحظة؛ فالقضاة ومراكز حقوقية سبق أن حذروا منذ سنوات من تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء.

 

فى أبريل 2023 فُرضت دورات تأهيل داخل الأكاديمية العسكرية على المعينين الجدد، ما أثار اعتراضات واسعة واعتُبر مؤشرًا على محاولة تطبيع حضور المؤسسة العسكرية داخل الفضاء القضائي والمدني.

 

مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، حذّر وقتها – ويعيد التحذير الآن – من أن ربط التعيين والترقيات القضائية بمسار عسكري يمثّل انتهاكًا صريحًا للدستور، الذى لا يجيز إخضاع السلطة القضائية لجهة تنفيذية أو عسكرية فى قراراتها الجوهرية، مؤكدًا أن ذلك يهدم مبدأ الفصل بين السلطات من أساسه.

 

إلى جانب ذلك، يعرف القضاة جيدًا أن المسار القانوني والدستوري الجاري منذ تعديلات 2019 قلّص استقلال القضاء تدريجيًا، سواء عبر طريقة اختيار رؤساء الهيئات، أو عبر التوسيع المستمر لصلاحيات السلطة التنفيذية فى التعيين والنقل والترقي.

والقرار المرتقب اليوم يبدو كحلقة جديدة أكثر فجاجة: تحويل الأكاديمية العسكرية إلى «بوابة شرعية» وحيدة تقريبًا لولوج سلطة يُفترض أن تكون محايدة ومستقلة.

 

فى ضوء ذلك، تتحول دعوة نادي القضاة إلى اجتماع طارئ من مجرد «إجراء داخلي» إلى اختبار سياسي ومهني حقيقي:

 

  • هل يستطيع القضاة فرض خطوط حمراء تحمى ما تبقى من استقلالهم؟
  • أم أن منطق «إعادة هيكلة الدولة على المقاس العسكري» سيمضي إلى النهاية، فيجد المصريون أنفسهم أمام قضاء تُدار مفاتيحه من خارج عباءة الدستور، وتُضبط بوصلته بعيدًا عن مبدأ سيادة القانون؟

 

الإجابة لن تتحدد فى بيانات مطمئنة ولا فى نفي شفهى من مسؤول، بل فى شكل القرارات التى ستصدر فى الأيام المقبلة، وفى مدى قدرة القضاة على تحويل غضبهم الى موقف جماعي واضح يرفض أن تُدار العدالة من خلف أسوار الأكاديمية العسكرية.