قدّم برنامج «بالورقة والقلم» واحدة من أكثر اللقطات دلالة على طبيعة الإعلام الموالي للسلطة في مصر؛ حوار بين نشأت الديهي ومحمد الباز حول مفهوم «سجناء الرأي» بدا ظاهريًا كخلاف في وجهات النظر، لكنه في جوهره لم يتجاوز حدود توزيع الأدوار لخدمة رواية واحدة: إنكار وجود معتقلين بسبب آرائهم، وتبرير الحبس السياسي باعتباره «إجراءات قانونية مشروعة». موجة التفاعل على منصة «إكس» كشفت أن الجمهور قرأ المشهد على حقيقته؛ سكريبت جاهز، وأداء متقن، ورسالة واحدة تمشي في خط السلطة.

 

إنكار من الديهي وتبرير من الباز.. والنتيجة واحدة

 

في الحلقة مثار الجدل، نفى نشأت الديهي بشكل قاطع وجود ما يسمى «سجناء رأي» في مصر، مؤكدًا أن كل من في السجون «محكوم عليهم بأحكام قضائية»، في تكرار حرفي لما تقوله السلطة في مواجهة التقارير الحقوقية الدولية. محمد الباز، من جانبه، لم يخرج عن هذا الإطار؛ اكتفى بتغليف الموقف نفسه بعبارات أقل فجاجة عن «أن حرية الرأي ليست مطلقة» وأن بعض الآراء «تهدد الأمن القومي»، وبالتالي لا يصح وصف أصحابها بسجناء رأي.

 

الصحفي والحقوقي هيثم أبو خليل التقط هذا التناقض الشكلي سريعًا، فغرّد مهاجمًا الاثنين معًا، معتبرًا أن المقارنة بينهما مجرد قياس لدرجات الانحطاط:

 

 

أبو خليل رأى أن ما يقدمه الباز هو «فن تأصيل الوساخة»، وأن الإعلام في دول تحترم نفسها لا يخاف من الآراء الصادمة أو الشاذة، بينما لا يخاف من الرأي إلا «نظام يمشي شمال»، في إشارة مباشرة إلى أن المشكلة ليست في المصطلحات بل في طبيعة السلطة التي يخدمها هذا الخطاب.

 

«سكريبت مكتوب» وتطبيل معلن.. كيف رأى الجمهور المشهد؟

 

ردود الفعل على «إكس» عرّت تمامًا فكرة أن ما جرى كان نقاشًا جادًا. الدكتور مصطفى جاويش لخص المشهد بكلمتين فقط:

 

 

«سكريبت مكتوب»؛ أي أننا لسنا أمام ارتجال ولا اجتهاد شخصي، بل أمام نص معدّ سلفًا، يُسمح فيه بهوامش شكلية للخلاف من أجل إقناع المشاهد بأن ثمة تنوعًا في الآراء داخل معسكر واحد.

 

الصحفي عاطف حمزة استخدم وصفًا أكثر مباشرة لطبيعة هذا «التنوع» حين كتب:

 

 

«عندما يجتمع كبار المطبلين فماذا تنتظر!!!!!!!!!!!!!!!».

 

الجملة تكفي لتوضيح أن قطاعات واسعة من الجمهور باتت ترى في هذه البرامج مجرد منصات دعاية للنظام، لا قيمة مهنية لها سوى تغطية ما يجري في السجون والمحاكم بمكياج الكلام عن «القانون» و«الأمن القومي».

 

أحد المغردين – تحت اسم «Just Someone» – ذهب أبعد في توصيف هذه المنظومة، معتبرًا أن كل إعلاميي هذه الحقبة كتبوا أسماءهم في «الصفحة الشمال من كتب التاريخ»، حتى لو تابوا واعتذروا بعد سقوط النظام، قائلاً إنهم حصلوا على «أوسخ توصيف لبني آدم: المعرص الخاين»:

 

 

تلك اللغة القاسية تكشف حجم الغضب المتراكم من دور الإعلام في تبرير الاعتقالات والانتهاكات، لدرجة أن الاعتذار المستقبلي – إن حدث – لن يمحو ما ترسخ في الوجدان العام.

 

إعلام أذرع أمنية.. إنكار سجناء الرأي كـ«واجب وظيفي»

 

بعض التعليقات لم تتوقف عند حدود السخرية، بل حاولت تفسير آلية عمل هذه الأذرع الإعلامية. حساب باسم «صالح» رأى أن هؤلاء «مأمورين يقولوا كده وإلا ستلَفَّق لهم التهم»، واصفًا النظام بأنه «يهودي صهيوني يحكم مصر بالحديد والنار»، وأن على أذرعه الإعلامية أن تضلل الشعب «وإلا هيروحوا في داهية»:

 

 

أما حساب «النمر» فصعد الهجوم الشخصي على نشأت الديهي ومحمد الباز بوصفهما «من أقذر وأعفن وأنتن البشر… يجمعان كل الأوصاف المذمومة ولا يملكان ذرة واحدة حسنة»:
 

 

ورغم قسوة الألفاظ، إلا أنها تعكس حقيقة مهمة: الهوة الكاملة بين الشارع وهذه الوجوه التلفزيونية؛ فالناس لم تعد تراهم صحفيين أو إعلاميين، بل امتدادًا للأجهزة الأمنية على الشاشة.

 

في النهاية، يكشف هذا المشهد – بحواره المصطنع وروابط التفاعل الساخطة – بنية الخطاب الإعلامي في عهد السيسي:

 

- إنكار مطلق لوجود سجناء رأي،

 

- إعادة تعريف المفاهيم القانونية لخدمة القمع،

 

- توزيع أدوار بين وجوه مختلفة لإنتاج انطباع زائف بوجود نقاش.

 

أما سجناء الرأي الحقيقيون – صحفيون، سياسيون، نشطاء، طلاب، مستخدمو فيسبوك وتويتر – فقد ظلوا الغائب الحاضر في كل هذا؛ لا يظهرون على الشاشة، لكنهم محور المعركة الحقيقية التي يحاول الديهي والباز، ومعهما ماكينة كاملة، أن يمحوها من وعي الناس.