مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

باتت منطقة الخليج أمام خطر حقيقي في ظل تنامٍ غير مسبوق للمخاطر الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، وفي ظل عدم وجود خطوط حمراء أمام إيران في الصراع الحالي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتكبه إيران من جرائم بشعة بحق دول الخليج الستّ من استهداف صواريخها وطائراتها المسيّرة وحرسها الثوري المواطنين العزّل، وكذا البنية التحتية والمنشآت النفطية والاقتصادية والحيوية والمدنية يكذّب مزاعم طهران بشأن طبيعة ضرباتها المتتالية لتلك الدول.

 

فمنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يزعم النظام الحاكم في طهران أن الضربات الصاروخية المكثفة تستهدف جميع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، ولذا فهي تقتصر على القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج، وتستهدف أيضًا  الجنود الأميركيين المتمركزين داخل تلك الدول، كما تستهدف السفن الأميركية والإسرائيلية المحمّلة بالنفط والغاز من تلك المنطقة النفطية لأسواق العالم، وأنها لا تستهدف منشآت نفطية أو مشروعات للطاقة والبنية التحتية والمطارات والموانئ التجارية الحيوية ومحطات المياه والمنشآت السكنية والفنادق وغيرها.

 

لكن ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية يكذب كلية هذه الادّعاءات؛ إذ هناك استهداف مباشر للمطارات والموانئ، ويكذب ما نقلته اليوم الاثنين وكالة تسنيم، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، عن مصدر عسكري عن أنّ المنشآت النفطية لدول المنطقة لم تكن ولن تكون ضمن أهداف الهجمات الإيرانية.

 

فقد جرت استهدافات إيرانية لمطار الملك خالد الدولي في الرياض، واليوم الاثنين استهدفت الصواريخ الإيرانية مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو النفطية، إحدى أبرز مصافي النفط السعودية، إذ تغطي منتجاتها ما يقرب من 40% من احتياجات أسواق المملكة من مشتقات الطاقة، وتبلغ طاقتها التكريرية 550 ألف برميل يوميًا ، وتنتج يوميًا  ما يعادل 200 ألف برميل من الديزل، و180 ألف برميل من البنزين، و25 ألف برميل من وقود الطائرات، و25 ألف برميل من سائل الغاز الطبيعي.

 

هذا الاستهداف دفع السلطات السعودية إلى إغلاق المصفاة رغم حيويّتها، وهو أمر قد تكون له تأثيرات على قطاع الطاقة السعودي والعالمي في حال تكرار عملية الاستهداف من الصواريخ الإيرانية، إذ إنّ شركة أرامكو هي أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، والشركة الأبرز في السعودية وبورصتها وأسواق المال بالمملكة، كما يعيد الاستهداف للذاكرة ما جرى في سبتمبر من العام 2019 إذ شنت طائرات مُسيّرة إيرانية وصواريخ كروز أضخم هجمات على أرامكو، وأبرز منشآت حيوية تابعة لها هي بقيق وهجرة خُرَيص واستهداف معملين تابعين للشركة النفطية، أحدهما يُعدُّ أكبر معمل لتكرير النفط في العالم. وقبلها، أدى هجوم تبنته جماعة الحوثي اليمنية إلى اندلاع حريق في منشأة للغاز تابعة لأرامكو في حقل الشيبة جنوب شرقي المملكة.

 

وفي قطر استهدفت صواريخ إيران، اليوم، أحد أبرز مناطق إنتاج الغاز بواحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي في العالم، إذ شنت طهران هجومًا  عسكريًا  على مرافق مدينتَي راس لفان ومسيعيد الصناعيتَين، وعلى أثرها أعلنت شركة قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المُسال والمنتجات المرتبطة به بسبب تلك الهجمات التي استهدفت أيضًا  خزانًا  تابعًا  لمصنع للمياه، وأحد مرافق الطاقة في مدينة راس لفان الصناعية، وهذه الخطوة تمثل هزة لأسواق الطاقة العالمية، إذ إنّ قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المُسال في العالم بعد الولايات المتحدة. استهدافات إيرانية لقطاع الطاقة الحيوي في قطر وكذا محاولات عدّة لاستهداف مطار حمد الدولي، دفعت المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إلى القول إنّ إيران يجب "أن تدفع ثمنًا  عن هذا الهجوم السافر على شعبنا"، وإنّ "مثل هذا الهجوم لا يمكن أن يمضي دون رد".

 

وفي الكويت استهدفت الصواريخ الإيرانية مواقع مدنية حيوية عدة، منها مطارها الدولي ومنشآت نفطية ومصفاة ميناء الأحمدي ومجمع السفارة الأميركية.

 

وكان للإمارات نصيب الأسد في الاعتداءات الإيرانية التي تركزت على مطارات مدنية ومنشآت حيوية ومرافق سياحية وبحرية. ففي العاصمة أبوظبي، استهدفت الهجمات مرافق أبرزها مطارات أبوظبي إذ وقعت حادثة في مطار زايد الدولي أدت إلى حالة وفاة واحدة من الجنسية الآسيوية وسبع إصابات، وشهدت دبي سلسلة اعتداءات إيرانية على مطارها الدولي الذي تعرض لأضرار جراء هجوم إيراني استهدف أيضًا  منشآت سياحية وميناءً بحريًا ، وهزت انفجارات إيرانية جزيرة نخلة جميرا الاصطناعية في دبي، وتسبب حطام طائرة مسيّرة باندلاع حريق في فندق برج العرب.

 

وفي البحرين طاولت الاستهدافات فنادق ومنشآت بحرية ومباني سكنية، وتعرضت إحدى المنشآت البحرية بالقرب من ميناء سلمان، لهجوم إيراني، كما جرى استهداف عدد من المباني السكنية بالعاصمة المنامة، وجرى تناقل فيديو لطائرة مسيّرة وهي تصطدم ببرج سكني. وفي سلطنة عُمان امتد التصعيد إلى سواحلها وموانئها الحيوية، إذ طاولت الهجمات إحدى أهم بوابات البلاد البحرية في المنطقة الوسطى.

 

وتعرض ميناء الدقم التجاري، يوم الأحد، لاستهداف بطائرتَين مسيرتَين. فترات عصيبة تمرّ على دول الخليج، وما لم تتحرك تلك الدول لوقف اعتداءات إيران وحماية أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية وبنيتها التحتية المتطورة وقطاعها الطاقوي الحيوي، فإنّ تداعيات ذلك ستكون خطيرة عليها، ليس على دول مجلس التعاون فقط الذي يعوم على بحار من النفط والغاز والثروات المعدنية، بل على الاقتصادات العالمية، خاصة أن إنتاج دول مجلس التعاون من النفط الخام بلغ نحو 17 مليون برميل يوميًا ، ما يعادل 23.2% من إجمالي الإنتاج العالمي، كما بلغ احتياطي دول المجلس من النفط الخام في 2023 نحو 511.9 مليار برميل، وهو ما يمثل 32.6% من إجمالي الاحتياطي العالمي.