أعادت التطورات الأخيرة في ليبيا، وخصوصًا الكشف عن مقبرة جماعية تضم 21 مهاجرًا من إفريقيا جنوب الصحراء قرب أجدابيا شرق البلاد، بينهم مصريون، فتح ملف الهجرة غير النظامية على واحد من أكثر وجوهه قتامة.
فالجثث التي عُثر عليها داخل حفرة في مزرعة خاصة ليست مجرد أرقام في بيان أمني، بل دليل جديد على أن ليبيا تحوّلت إلى مصيدة موت، لا ممر عبور، وأن شبكات التهريب باتت تمارس القتل الجماعي كجزء من "بيزنس" محمي بالفوضى والسلاح والتواطؤ.
خطورة المشهد تتضاعف مع استغاثة نشرتها الدكتورة أميرة الطحاوي عن مجموعة من المصريين المحتجزين لدى أحد المهربين شرق ليبيا، في واقعة تكشف أن المأساة لم تعد تخص "غرباء" فقط، بل باتت تطال شبابًا من أسيوط والمنيا وغيرهما، خرجوا بأوراق رسمية من مصر، ليجدوا أنفسهم رهائن لدى عصابات تهريب تستنزف أسرهم ماليًا وتتركهم يواجهون الموت وحدهم.
مقبرة أجدابيا: جريمة جماعية تكشف حجم الانهيار
بحسب المعطيات الرسمية، عُثر على 21 جثة لمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، مدفونة في حفرة جماعية داخل مزرعة خاصة في محيط أجدابيا، خلال عملية أمنية استهدفت شبكة تهريب محلية. العملية أسفرت أيضًا عن تحرير مهاجرين آخرين كانوا محتجزين في ظروف بالغة القسوة، ما يؤكد أن المكان لم يكن مجرد "مخبأ"، بل مركز احتجاز وتعذيب واستغلال، انتهى الأمر ببعض قاطنيه إلى القتل والدفن الجماعي.
التحقيقات الأولية تشير إلى أن الجريمة ارتُكبت عمدًا على يد مهرب محلي تم توقيفه، وأن الدافع ليس سياسيًا أو أمنيًا بالمعنى التقليدي، بل مرتبط بآليات عمل شبكات التهريب نفسها:
• قتل مهاجرين عجزوا عن دفع ما تبقّى من "المستحقات".
• التخلص من مجموعات تُعد عبئًا أو خطرًا في حال تم إلقاء القبض عليهم أحياءً وهم يملكون معلومات عن الشبكة.
هذه الجريمة ليست استثناءً؛ تقارير عديدة وثّقت خلال السنوات الماضية وجود مراكز احتجاز غير رسمية في شرق ليبيا وغربها، يديرها مهربون أو مجموعات مسلحة، تُمارس فيها كل أشكال الانتهاكات: تعذيب، اغتصاب، عمل قسري، ابتزاز، وقتل.
وفي ظل غياب سلطة مركزية قوية، وضعف القضاء، وانتشار السلاح، تصبح حياة المهاجرين مجرد تفصيل يمكن شطبه في أي لحظة، بلا محاسبة حقيقية.
استغاثة من أسيوط والمنيا: مصريون رهائن في قبضة مهرب واحد
المشهد الأكثر قسوة بالنسبة للمصريين جاء عبر استغاثة د. أميرة الطحاوي، التي كشفت عن احتجاز مجموعة من الشباب المصريين من مركز أبنوب في أسيوط وآخرين من المنيا لدى مهرب ليبي يعرف باسم "سمبل" أو "أبو حمو".
وفق روايتها، خرج هؤلاء الشباب من مصر بصورة نظامية في يوليو الماضي، ثم تم نقلهم بين عدة "مخازن" داخل ليبيا، في مسار تهريب تقليدي: نقل جماعي، إخفاء، انتظار، ثم محاولة عبور البحر.
الأسر تواصلت مع المهرب مرارًا، ودُفعت مبالغ ضخمة وصلت في مجموعها إلى نحو 420 ألف جنيه، في محاولة لإعادة الأبناء أحياء لا جثثًا.
وفي الأسبوع الماضي، أبلغهم المهرب أنه أعادهم بالفعل إلى منفذ أمساعد تمهيدًا لعودتهم إلى مصر، لكن الكابوس لم ينتهِ؛ إذ تلقّت الأسر استغاثات جديدة من أبنائها يؤكدون فيها أنهم أُجبروا على ركوب قارب، ثم جرى الإبلاغ عنهم وتسليمهم إلى منطقة بئر الغنم، في حلقة جديدة من التلاعب بحياتهم.
الابتزاز لم يتوقف؛ المهرب طالب هذه المرة بمبلغ 110 آلاف جنيه عن كل فرد مقابل إطلاق سراحهم. المعلومات المتداولة تشير إلى أن المجموعة تضم 12 شابًا من أبنوب، بينهم أبناء عمومة ومعظمهم فوق 18 عامًا، وبينهم 10 أقباط، بالإضافة إلى آخرين من المنيا.
الأسر تمتلك بيانات كاملة عن أبنائها وعن المهرب، وتعترف بأنها أخطأت باللجوء إلى طريق الهجرة غير النظامية، لكنها اليوم لا تطلب سوى إنقاذهم من مصير قد ينتهي إلى مقبرة جديدة، مثل مقبرة أجدابيا.
هذه الواقعة تلخّص مأساة مركّبة:
• شباب يهربون من انسداد الأفق في الداخل.
• مهربون يقتاتون على اليأس ويحوّلون البشر إلى رهائن ومصدر ابتزاز لا ينتهي.
• دولة غائبة عن حماية مواطنيها، إلا عبر بيانات إنشائية بعد وقوع الكارثة.
شرق ليبيا: منطقة عبور بلا قانون… وأوروبا تموّل الجحيم
تقارير عديدة تشير إلى أن منطقة أجدابيا ومحيطها تخضع من حيث الشكل لسيطرة قوى محلية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ انتشار السلاح، تعدد المجموعات المسلحة، وتداخل المصالح بين بعض المهربين وعناصر محلية نافذة، كلها عوامل تجعل ضبط الحدود وملاحقة شبكات التهريب مهمة شبه مستحيلة أو غير مرغوب فيها بالكامل.
شبكات التهريب تعمل في ظل مصالح متشابكة مع قيادة شرق ليبيا؛ فخليفة حفتر استفاد سياسيًا وماليًا من ورقة "الهجرة غير الشرعية" عبر اتفاقات معلنة وغير معلنة مع أطراف أوروبية، تقوم على منعه المهاجرين من الوصول إلى الشواطئ مقابل أموال وتمويل وتعاون أمني. على الأرض، تُترجَم هذه الصفقات إلى:
• اعتراض قوارب،
• إعادة المهاجرين قسرًا إلى مراكز احتجاز،
• تغذية سوق سوداء للابتزاز والعمل القسري والاتجار بالبشر.
منذ 2017، اعتمد الاتحاد الأوروبي سياسة "إبعاد الحدود" عبر دعم خفر السواحل الليبي، وتمويل برامج تدريب وتجهيز، لتقليل أعداد الواصلين إلى شواطئه.
بالفعل، تراجعت الأرقام الرسمية للمهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا ومالطا واليونان، لكن الثمن كان فادحًا:
• دفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة برًا وبحرًا.
• زيادة اعتمادهم على المهربين الذين يملكون وحدهم "مفاتيح الطريق".
• إبقاء عشرات الآلاف عالقين في ليبيا في ظروف لا إنسانية: معتقلات، مزارع، مخازن، وسجون سرية.
من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى مقبرة أجدابيا ولا إلى استغاثة أسر المصريين في أسيوط والمنيا كحادثتين معزولتين، بل كجزء من منظومة كاملة تربط بين: فشل التنمية في بلدان المنبع، وتغوّل شبكات التهريب داخل ليبيا، وتواطؤ قوى مسلحة محلية، وسيناريو أوروبي واحد: "أبقوهم هناك… وليحدث ما يحدث".
ما بين القاهرة وطرابلس وبروكسل: من يحمي هؤلاء البشر؟
الحادثتان – المقبرة الجماعية واستغاثة الأسر المصرية – تفرضان تحركًا حقيقيًا لا يكتفي بلغات الشجب المعتادة. المطلوب:
• تحقيق شفاف في جريمة أجدابيا، لا يكتفي بتقديم "مهرب واحد" كبش فداء، بل يتتبع كامل الشبكة ومن يقف خلفها.
• تحرك مصري–ليبي عاجل لتحديد أماكن المصريين المحتجزين لدى المهربين، والتفاوض على إطلاق سراحهم، ومحاسبة المسؤولين عن ابتزازهم وخطفهم.
• مراجعة جذرية للسياسات الأوروبية التي تختزل ملف الهجرة في "منع القوارب" وتغضّ الطرف عن المقابر الجماعية، والمعتقلات السرية، وابتزاز الأسر في أسيوط والمنيا ونيجيريا ومالي وغيرها.
حتى يحدث ذلك، ستظل ليبيا – خاصة شرقها – خريطة مليئة بنقاط سوداء: مزارع تتحوّل إلى مقابر، مخازن إلى سجون، شواطئ إلى منصات انطلاق لقوارب لا يعرف ركابها إن كانت ستصل إلى أوروبا… أم تُدفن أخبارهم في بيان أمني بارد عن "مقبرة جماعية جديدة لمهاجرين مجهولي الهوية".

