لم تعد «الفوطة القماش» حكاية من زمن الجدّة في الريف، بل صارت واقعًا حاضرًا في شقق الطبقة الوسطى في قلب القاهرة والجيزة والإسكندرية.

 

الارتفاعات المتتالية في الأسعار دفعت أعدادًا متزايدة من الأسر المصرية إلى الاستغناء عن المناديل الورقية، بعد أن قفز سعر العبوة من نحو 20–40 جنيهًا إلى 80 جنيهًا، وفق صحف محلية، في مشهد يلخص تحوّل أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى عبء لا يُحتمل. لم نعد أمام «ترف» يُستغنى عنه، بل أمام علامة جديدة على انهيار القوة الشرائية، وفشل سياسات حكومية حولت الناس إلى «مدبّرين للأزمة» بدلاً من أن تكون هي من يخطط للخروج منها.

 

مناديل بـ80 جنيهًا.. مؤشر فقر لا تفصيلة استهلاك

 

حين تتضاعف أسعار المناديل الورقية بهذا الشكل، لا يعني الأمر مجرد تعديل في قائمة المشتريات، بل يكشف عن عمق الكارثة. المناديل سلعة كثيفة الاستخدام في كل بيت: للأطفال، للمطبخ، للضيوف، في المواصلات والعمل والمدارس. أسرة متوسطة قد تستهلك عبوة أو اثنتين أسبوعيًا؛ أي أن تكلفة كانت بين 80 و160 جنيهًا شهريًا أصبحت فجأة قابلة للوصول إلى 320 جنيهًا أو أكثر، فقط لورق يُستخدم ثم يُلقى في القمامة.

 

في بلد لا يتجاوز فيه دخل قطاع واسع من الموظفين والعمال 4–6 آلاف جنيه شهريًا – وبعضهم أقل من ذلك بكثير – تتحول هذه الزيادة إلى عبء حقيقي. وهنا لا نتحدث عن اللحوم أو الأسماك أو الدواجن، بل عن منتج كان يُعتبر «فقيرًا» في سلم الاستهلاك، يجلس أسفل قائمة الأولويات.

 

النتيجة الطبيعية أن تلجأ الأسر إلى الاستبدال:

 

- العودة إلى «الفوط القماش» في البيت.

 

- تقليل استخدام المناديل في الخارج والاكتفاء بما هو متاح في العمل أو المدرسة.

 

- استخدام بدائل أقل جودة أو من ماركات مجهولة قد لا تراعي مواصفات صحية.

 

هذا التحول الإجباري لا يعبّر عن «وعي ادخار» كما تحاول بعض البرامج الموالية أن تصوّره، بل عن تراجع حقيقي في مستوى المعيشة، وعن مجتمع يُدفَع خطوة بعد أخرى إلى الوراء، من مستوى حد أدنى من الراحة والنظافة والخصوصية، إلى مستوى «التدبير القاسي» الذي كان يُنسب إلى عقود ماضية يقال إننا تجاوزناها.

 

التضخم يلتهم الكرامة.. والحكومة تحوّل التقشف إلى فضيلة

 

ارتفاع سعر المناديل ليس معزولًا عن موجات الغلاء التي تضرب كل شيء:

 

- زيادات متتالية في أسعار الكهرباء والمياه.

 

- قفزات في أسعار الأغذية الأساسية: الأرز، الزيت، السكر، البيض.

 

- تكاليف مواصلات ومدارس ودواء أصبحت خارج قدرة ملايين الأسر.

 

في ظل هذا الواقع، بدأت الحكومة وإعلامها في تسويق خطاب جديد/قديم:

 

- «الناس لازم تغيّر نمط استهلاكها».

 

- «أيام أكل الفراخ كل يوم انتهت».

 

- «استحملوا شوية لحد ما الأزمة تعدي».

 

لكن الحقيقة أن الأزمة لا «تعدي» بل تترسخ، وأن ما يُطلب من الناس ليس «تعديل نمط استهلاك مترف»، بل التخلي عن أبسط مظاهر الحياة الطبيعية: مناديل ورقية، لحوم مرة في الأسبوع، علاج خاص، ملابس جديدة للأطفال في الأعياد.

 

حين تعجز أسرة عن شراء عبوة مناديل إلا مرة كل شهر، فهذا يعني أن كل ما يُعلن عن «تحسن في المؤشرات» هو مجرد أرقام على الورق:

 

- نسب نمو لا يشعر بها أحد.

 

- احتياطي نقد أجنبي يتفاخرون به بينما لا يترجم إلى أمن غذائي أو دوائي.

 

- مشروعات خرسانية هائلة لا تُطعم طفلًا ولا توفّر علبة مناديل لأسرة كادحة.

 

في المقابل، تُدفع الفاتورة كاملة للفئات الأضعف:

 

- الموظف الحكومي الذي لا تكفيه مرتباته لأسبوعين.

 

- العاملة التي تختار بين شراء مناديل أو عبوة حليب لطفلها.

 

- المتقاعد الذي يحسب عدد المناديل التي يستخدمها في اليوم كي لا تنفد العبوة سريعًا.

 

هكذا يصبح التضخم ليس مجرد رقم يصدر عن البنك المركزي، بل أداة لتهشيم كرامة الناس وإجبارهم على التنازل عن أبسط حقوقهم في حياة نظيفة محترمة.

 

«الفوطة القماش» شهادة على فشل نموذج كامل وليس «تفصيلة بيت»

 

عودة «الفوط القماش» ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل علامة سياسية واقتصادية صريحة على فشل نموذج كامل في إدارة البلد.


ففي دولة تزعم أنها تبني «جمهورية جديدة»، يفترض أن يرى المواطن ذلك في:

 

- ثبات أو انخفاض أسعار السلع الأساسية.

 

- زيادة حقيقية في الأجور تتناسب مع تكلفة المعيشة.

 

- شبكات أمان اجتماعي تحمي الفقراء من موجات الغلاء.

 

لكن ما يحدث هو العكس تمامًا:

 

- قرارات اقتصادية تُتخذ لإرضاء صندوق النقد والدائنين.

 

- مشروعات ضخمة تبتلع المليارات دون شفافية أو جدوى ملموسة.

 

- فاتورة اقتراض خارجي تُسدد من لحم المواطن الحيّ، عبر تضخم متوحش ورفع أسعار كل شيء.

 

في هذا السياق، تبدو «الفوطة القماش» وكأنها استفتاء صامت تجريه الأسر المصرية كل ليلة في مطابخها وغرف معيشتها:


هل هذا هو المستقبل الذي وُعدنا به؟

 

- هل هذه هي «الجمهورية الجديدة» التي يُروَّج لها على الشاشات بينما الناس تعود إلى أساليب تدبير من خمسينيات وستينيات القرن الماضي؟

 

حين تضطر أم إلى غسل «الفوطة» مرات في اليوم لأنها لا تستطيع شراء مناديل، فهي لا تفكر في «السياسات المالية» أو «هيكلة الدعم»، لكنها تشعر بوضوح أن الدولة تركتها وحدها أمام طوفان الغلاء.

 

المناديل الورقية، في النهاية، ليست أصل الأزمة، لكنها مرآة صادقة تعكس وجه السياسات التي قررت أن تحمي بنوكًا ودائنين ومشروعات ومقاولين، وتترك المواطن يواجه وحده خيارًا قاسيًا: إما أن يدفع أضعافًا لسلع بسيطة، أو يعود إلى الماضي القسري، يمسح بكرامته ما تراكم من سوء إدارة ولامبالاة وغلاء بلا سقف.

 

وفي كل مرة تُعصر فيها «فوطة قماش» فوق حوض في بيت مصري، يُعصر معها سؤال مكتوم: إلى متى يُطلَب من الناس أن يدفعوا ثمن أخطاء لم يرتكبوها، وأن يكتفوا بقليل من الورق والخطابات بدلًا من حقهم في حياة كريمة؟